رغم إعلان حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية عن إرسال تعزيزات عسكرية إضافية إلى منطقة بني في إقليم شمال كيفو، عادت جماعة القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF) لتفرض نفسها كأحد أخطر التهديدات الأمنية في شرق البلاد، بعدما نفذت خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة هجمات دامية استهدفت المدنيين ومحيط مدينة بني، في تطور أثار تساؤلات واسعة حول فعالية الإجراءات العسكرية الجارية وقدرة السلطات على تأمين المنطقة التي تعاني من العنف المسلح منذ سنوات. وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن الجماعة كثفت عملياتها خلال شهر مايو ومطلع يونيو 2026، مستهدفة قرى ومراكز سكانية في إقليمي شمال كيفو وإيتوري، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين رغم استمرار العمليات المشتركة بين الجيش الكونغولي والقوات الأوغندية ضمن عملية «شوجا» العسكرية.
بحسب بيانات مشروع تتبع الأمن في الكونغو ((KST، قُتل أكثر من 190 مدنيا خلال 36 هجوما نُسبت إلى عناصر ADF خلال شهر مايو/آيار وحده، وهو رقم يمثل تصعيدا حادا مقارنة بالشهر السابق. كما وثق التقرير عودة الهجمات إلى مدينة بني نفسها، بعد فترة من تراجع العمليات داخل النطاق الحضري للمدينة. ففي ليلة 30 إلى 31 مايو/آيار نفذت الجماعة هجمات متزامنة في أحياء وقرى مجاورة لبني، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 26 شخصا، بينهم سبعة مدنيين في حي نغادي داخل المدينة، وعشرة آخرون في قرية فيمبا وتسعة في كينياموسيكي. وتُعد هذه أول عملية موثقة داخل مدينة بني منذ عام 2023، ما يعكس تحولاً في تكتيكات الجماعة وقدرتها على اختراق الطوق الأمني المفروض حول المدينة.
لم تتوقف الهجمات عند ذلك الحد، إذ شهدت بني في 11 يونيو/حزيران هجوما جديدا استهدف حي بويكيني في بلدية روينزوري، حيث قُتل ثلاثة مدنيين وأُحرقت منازل عدة في ساعات الفجر الأولى. وأثارت العملية موجة غضب واسعة بين السكان الذين خرجوا في احتجاجات واتهموا السلطات الأمنية بالعجز عن منع تسلل المهاجمين إلى المدينة رغم الانتشار العسكري المعلن. كما تحدثت مصادر محلية عن قيام المهاجمين بالالتفاف على مواقع عسكرية للوصول إلى المناطق السكنية، الأمر الذي زاد من المخاوف بشأن الثغرات الأمنية القائمة.
يأتي هذا التصعيد في وقت كانت فيه الحكومة في كينشاسا قد أعلنت تعزيز وجود الجيش في المنطقة لمواجهة التهديدات المتزايدة. غير أن مراقبين يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد القوات المنتشرة، بل بطبيعة الحرب التي تخوضها ADF، والتي تعتمد على الهجمات الخاطفة والتحرك في المناطق الغابية الوعرة وعلى الحدود بين الكونغو وأوغندا. كما أن الضغوط العسكرية المتواصلة دفعت مقاتلي الجماعة إلى إعادة الانتشار في مناطق جديدة واستهداف مناطق تقل فيها التغطية الأمنية، وهو ما يفسر استمرار المجازر ضد المدنيين رغم العمليات العسكرية المستمرة منذ سنوات.
تشير المعطيات الأمنية إلى أن الجماعة ما تزال قادرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق في عدة مناطق متزامنة، خصوصاً في أراضي مامباسا وإيرومو وبيني. ففي مايو/آيار وحده سُجلت هجمات عديدة أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين في قرى مثل لاليا وماكومو وأليما ومعسكر روينزوري، بينما استهدفت هجمات أخرى مواقع تابعة للجيش الكونغولي وأوقعت خسائر في صفوف القوات النظامية. كما وثقت التقارير حالات اختطاف وإعدامات ميدانية وإحراق منازل، وهي أساليب لطالما استخدمتها الجماعة لبث الرعب بين السكان وإجبارهم على النزوح من مناطقهم.
يخشى خبراء أمنيون من أن تؤدي عودة الهجمات إلى مدينة بني إلى تقويض الثقة الشعبية في الاستراتيجية الأمنية الحكومية، خاصة أن المدينة تُعد مركزاً إدارياً واقتصادياً مهماً في شمال كيفو ومقراً مؤقتاً لمؤسسات إقليمية. كما أن استمرار العنف يفاقم الأزمة الإنسانية في شرق الكونغو، حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين في ظروف صعبة نتيجة الصراعات المتعددة التي تشمل أيضاً جماعات مسلحة أخرى تنشط في المنطقة.
تؤكد التطورات الأخيرة أن التحدي الذي تمثله ADF لا يزال بعيداً عن الاحتواء الكامل، رغم سنوات من الحملات العسكرية المشتركة بين كينشاسا وكمبالا. فبينما نجحت العمليات السابقة في القضاء على بعض القادة الميدانيين للجماعة وتدمير عدد من معاقلها، فإن التنظيم ما زال يحتفظ بقدرة على إعادة التموضع وشن هجمات مؤثرة ضد المدنيين والقوات الحكومية على حد سواء. وتشير دراسات وتقارير أمنية إلى أن استمرار ضعف السيطرة الحكومية على بعض المناطق الريفية وصعوبة مراقبة المساحات الشاسعة من الغابات يشكلان عاملين رئيسيين في بقاء التهديد قائماً، وهو ما يجعل من بني واحدة من أكثر المدن عرضة للخطر في شرق الكونغو خلال المرحلة الحالية.