تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

شرق أفريقيا في النظام التجاري العالمي: قراءة في آليات الهيمنة الجديدة

22 أبريل, 2026
الصورة
شرق أفريقيا في النظام التجاري العالمي: قراءة في آليات الهيمنة الجديدة
Share

لم يعد من الممكن النظر إلى اتفاقيات التجارة الحرة في العالم المعاصر بوصفها مجرد صيغ قانونية لتنظيم المبادلات التجارية أو توسيع فرص النفاذ إلى الأسواق، لأن وظيفتها الفعلية تجاوزت هذا المستوى الظاهر إلى أفق أكثر تركيبًا يتصل بإعادة تشكيل النظام الدولي نفسه. من هذه الزاوية يندرج مقال "التحكم في الجنوب: حالة شرق أفريقيا" للكاتب يش توندون ضمن الكتابات التي تسعى إلى تفكيك الخطاب الاقتصادي السائد حول التجارة الحرة، بإبراز ما يختفي وراءه من رهانات جيوسياسية واستراتيجيات هيمنة. فالمقال لا ينطلق من السؤال الاقتصادي المباشر: ماذا تحقق هذه الاتفاقيات من نمو أو تبادل؟ بقدر ما ينطلق من سؤال أعمق: ما الذي تصنعه هذه الاتفاقيات في بنية القوة العالمية؟ ومن المستفيد الحقيقي من إعادة ترتيب القواعد التجارية والقانونية في هذه المرحلة من التحول الدولي؟

ينبني المقال على فرضية مركزية مؤداها أن التحول الذي شهده النظام التجاري الدولي في العقود الأخيرة لا يرجع إلى ظهور اتفاقيات جديدة فحسب، بقدر ما يعود إلى تبدل المعنى السياسي والاستراتيجي الذي باتت تؤديه هذه الاتفاقيات. فمنذ نهاية الحرب الباردة، ومع التراجع النسبي للأحادية القطبية التي هيمنت بها الولايات المتحدة على المجال الدولي، أخذ العالم يتجه نحو تعددية قطبية متنامية، تجلت في صعود قوى كبرى مثل: الصين وروسيا، ثم اتسع هذا التحول مع بروز مجموعة البريكس بوصفها فاعلا اقتصاديا وجيوسياسيا متزايد الوزن. وفي هذا السياق، لقد تحولت هذه الاتفاقيات التجارية الكبرى إلى آليات لإعادة ضبط التوازنات الدولية، وتحصين مواقع القوى المهيمنة، ومحاصرة مراكز الصعود الجديدة وعلى رأسها الصين.

من هنا تكتسب قراءة المقال أهميتها؛ إذ هو لا يناقش اتفاقيات بوصفها تعبيرا عن منطق عالمي جديد، يعاد فيه توظيف القانون التجاري والاستثمار الدولي لخدمة أهداف تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن وإدارة النفوذ. بهذا المعنى، يضعنا المقال أمام قلبٍ للنظرة التقليدية: فبدل أن تكون الاستراتيجية خادمة للاقتصاد، يصبح الاقتصاد نفسه أداة ضمن استراتيجية أوسع للهيمنة وإعادة إنتاج التبعية.

وإذا كانت هذه الأطروحة تتخذ في المقال طابعا عاما في البداية، فإن قيمتها التحليلية تتجلى خصوصا حين تسقط على حالة شرق أفريقيا حيث تظهر الاتفاقيات التجارية لا كوسائل إدماج متكافئ في السوق العالمية بل كامتداد معاصر لبنى تاريخية من السيطرة، أُعيد تشكيلها بأدوات قانونية ومؤسساتية جديدة. ومن ثم، فإن المقال يقترح قراءة نقدية للنظام التجاري الدولي، لا من داخل لغته التقنية الرسمية، بل من خلال مساءلة خلفياته الجيوسياسية، وآثاره الفعلية في الجنوب، وبخاصة في المجتمعات التي لا تزال تتحرك داخل شروط تبعية تاريخية لم تُفكك بعد.

لم يكن التبادل التجاري في التاريخ الحديث حرًا بالمعنى الحقيقي، بل كان دائمًا محكومًا بموازين القوة. القوى الغربية نفسها لم تصل إلى التصنيع عبر الانفتاح الكامل، بل عبر الحماية الجمركية والسياسات الصناعية والدعم الحكومي

الفكرة المركزية التي يدافع عنها المقال هي أن البعد الاستراتيجي في هذه الاتفاقيات يتقدم على بعدها الاقتصادي. فالغرض ليس فقط توسيع الأسواق أو تقليص الرسوم الجمركية، بل بناء منظومة قانونية وتجارية عالمية جديدة تضمن استمرار الهيمنة الغربية، وتضعف قدرة بلدان الجنوب على المناورة أو الاستفادة من التحولات العالمية. ومن ثم، فإن الحديث عن "التجارة الحرة" يبدو، في نظر الكاتب، خطابًا مضللًا يخفي خلفه علاقات قوة غير متكافئة.

ينتقد المقال كذلك المفاهيم الاقتصادية الشائعة، وعلى رأسها النمو والناتج الداخلي الخام، باعتبارها مؤشرات قاصرة، بل مضللة أحيانًا. فارتفاع الناتج لا يعني بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في مستوى العيش أو في العدالة الاجتماعية. قد يرتفع الناتج في اقتصاد ما بسبب الحروب أو التسلح أو الأنشطة الاحتكارية، من غير أن ينعكس ذلك على رفاه السكان. وبالمنطق نفسه، قد تُسجل أفريقيا نسب نمو مرتفعة، في حين تبقى قطاعات واسعة من سكانها خارج ثمار هذا النمو، محرومة من الغذاء والسكن والخدمات الأساسية. لذا فإن اختزال التنمية في النمو الاقتصادي وحده ليس فقط خطأً نظريًا، بل أيضًا تبريرٌ سياسي لاستمرار الاختلالات البنيوية.

أما التجارة الحرة، فهي في نظر الكاتب أسطورة أخرى. إذ لم يكن التبادل التجاري في التاريخ الحديث حرًا بالمعنى الحقيقي، بل كان دائمًا محكومًا بموازين القوة. القوى الغربية نفسها لم تصل إلى التصنيع عبر الانفتاح الكامل، بل عبر الحماية الجمركية والسياسات الصناعية والدعم الحكومي. وحين اشتدت قوتها، بدأت تدعو الآخرين إلى التحرير التجاري. المثال الذي يورده المقال هو دعم الولايات المتحدة لمنتجي القطن لديها، رغم ما يسببه ذلك من إضرار مباشر بمنتجي القطن في دول أفريقية مثل: بوركينا فاسو ومالي وتشاد وبنين. هنا يتبدى التناقض الصارخ: الحديث عن حرية التجارة يُستخدم بينما تُمارس سياسات حمائية تخدم المنتجين المحليين في الشمال، وتدمر فرص المنتجين في الجنوب.

من هنا ينتقل المقال إلى معضلة القيمة المضافة في أفريقيا. فالمشكلة الأساسية ليست فقط في أن القارة تُصدر المواد الخام، بل في أنها تبقى عالقة في أدنى حلقات سلسلة الإنتاج، من دون قدرة حقيقية على الصعود نحو التصنيع والتحويل والتحكم في التسويق واللوجستيك والتكنولوجيا. يشير الكاتب إلى تقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة الذي أكد أن التنمية الأفريقية تقتضي التصنيع، وربط استغلال الموارد الخام بسلاسل إنتاج محلية وإقليمية. غير أن المقال يذهب أبعد من هذا التشخيص الاقتصادي، ليرى أن المانع الحقيقي ليس تقنيًا فقط، بل هو نتاج بنى تاريخية راسخة من التبعية والسيطرة، أعيد إنتاجها منذ الاستعمار إلى اليوم بصيغ جديدة.

بدل أن تكون الاستراتيجية خادمة للاقتصاد، يصبح الاقتصاد نفسه أداة ضمن استراتيجية أوسع للهيمنة وإعادة إنتاج التبعية

السؤال، إذن، من يملك الموارد؟ من يضع القواعد القانونية؟ من يتحكم في رأس المال والتكنولوجيا؟ ومن يجني الربح النهائي؟ ما لم تُفكك هذه البنى الموروثة، فإن القارة ستظل في الموقع نفسه الذي وُضعت فيه خلال العهد الاستعماري: مورِّدًا للمواد الأولية، ومستوردًا للسلع المصنَّعة.

يضرب المقال مثالًا بسلسلة إنتاج الكاكاو والشوكولاتة. فالدول الأفريقية المنتجة للكاكاو تظل شبه مستبعدة من حلقات التصنيع الأكثر ربحية، في حين تهيمن شركات أوروبية وأميركية كبرى على الطحن والتصنيع النهائي والتسويق والبحث والتطوير والتوزيع. هكذا، لا تحصل البلدان المنتجة إلا على الجزء الأضعف من القيمة، بينما تتركز الأرباح الكبرى في الشركات العابرة للحدود. ويُسجّل المقال أن هذا النمط لا يخص الكاكاو وحده، بل يتكرر في قطاعات أخرى، مثل: البستنة في كينيا والتعدين في غانا. فحتى حين توجد شركات محلية صغيرة، فإنها غالبًا ما تصطدم ببنية سوق تسيطر عليها شركات دولية تملك التمويل والتكنولوجيا والنفوذ القانوني.

لهذا يخلص الكاتب إلى أن استراتيجية التصنيع القائمة على الموارد الخام لا يمكن أن تنجح ما لم تبدأ من السلسلة المحلية للقيمة، ثم تنتقل إلى السلسلة الإقليمية، وبعد بناء قدر من القدرة التنافسية يمكن الانتقال إلى السلسلة العالمية. أما الاندماج المبكر في السوق العالمية، وفق الشروط المفروضة من القوى الكبرى، فهو في نظره وصفة لإدامة التبعية لا للخروج منها.

بعد ذلك يناقش المقال ما يسميه الاتفاقيات التجارية الكبرى، ويرى أن خطورتها تكمن في تفاصيلها القانونية والتنظيمية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على الرسوم الجمركية أو النفاذ إلى الأسواق، بل اتسعت لتشمل الملكية الفكرية، والخدمات، والمعايير الصحية والتقنية، والمشتريات العمومية، والاستثمار، وما يسمى “الانسجام التنظيمي”. وهذه المجالات تبدو تقنية ومحايدة، لكنها في الواقع تمثل آليات عميقة لإعادة تشكيل سياسات الدول الضعيفة، بما ينسجم مع مصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة.

في هذا السياق، يرى الكاتب أن منظمة التجارة العالمية نفسها فقدت كثيرًا من دورها القديم، وصارت الاتفاقيات الكبرى الثنائية والإقليمية هي الساحة الأساسية لإعادة هندسة النظام التجاري. وهذه التحولات تضر بأفريقيا لأنها تعني، من جهة، تحويل مسارات التجارة بعيدًا عنها، ومن جهة أخرى تقليص ما كان متاحًا لها من مزايا تفضيلية في الأسواق الغربية. ويذكر المقال مثلًا احتمال أن تُزيح دول مثل فيتنام بعض الصادرات الإفريقية من السوق الأميركية في قطاعات النسيج والملابس وغيرها.

ثم ينتقل النص إلى تجربة شرق أفريقيا مع الاتفاقيات الأوروبية والأميركية. فالعلاقة الاقتصادية بين أوروبا وشرق أفريقيا ليست جديدة، بل تعود إلى البنية الاستعمارية نفسها التي صاغت الاتحاد الجمركي والخدمات المشتركة في المنطقة. وبعد الاستقلال، لم تختف هذه البنية تمامًا، بل أعيد إنتاجها في صورة شراكات واتفاقيات تفضيلية توحي بأن أوروبا تمنح أفريقيا امتيازات، بينما الحقيقة - بحسب الكاتب - أن هذه التفضيلات تخدم أوروبا أكثر مما تخدم أفريقيا. فهي تضمن لها المواد الخام والأسواق ومجالات الاستثمار، وتُبقي الاقتصادات الأفريقية مرتبطة بها هيكليًا.

البعد الاستراتيجي في هذه الاتفاقيات يتقدم على بعدها الاقتصادي فالغرض يمكن في بناء منظومة قانونية وتجارية تضمن استمرار الهيمنة الغربية

في هذا الإطار جاءت اتفاقيات الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي. وقد تعرضت دول شرق أفريقيا لضغوط كبيرة لتوقيعها، لا سيما بسبب اعتماد بعض القطاعات التصديرية، مثل قطاع الزهور في كينيا، على السوق الأوروبية، وأيضًا بسبب اعتماد مؤسسات إقليمية كثيرة على المساعدات الأوروبية. ويرى الكاتب أن هذه الاتفاقيات لم تُفرض فقط عبر قنوات التفاوض الرسمية، بل كذلك عبر تحالف المصالح بين النخب الاقتصادية المحلية والفاعلين الأوروبيين. والنتيجة أن الفلاحين والمنتجين الصغار هم الذين سيدفعون الكلفة الأكبر، كما نبهت إلى ذلك منظمات زراعية ومجتمعية في كينيا.

أما اتفاقية التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة، التي عُرفت باسم TIPA، فيصفها المقال بأنها نسخة مصغرة من الاتفاقيات الكبرى الغربية: تفاوض بسرية، وتقدم وعودًا براقة، لكنها تخفي آثارا بعيدة المدى على السيادة الاقتصادية والتنظيمية. ولهذا واجهت معارضة قوية من منظمات المجتمع المدني في المنطقة، التي حذرت من أن الاتفاقية ستخدم الشركات الأميركية أكثر مما ستخدم اقتصادات شرق أفريقيا.

في ختام المقال يعرض الكاتب جملة من الخيارات المتاحة أمام دول شرق أفريقيا، أولها الاستسلام وقبول ما تفرضه القوى الكبرى؛ وثانيها مقاومة الهيمنة التجارية والقانونية؛ وثالثها الاستفادة من فضاء منظمة التجارة العالمية بوصفه أقل سوءًا من الاتفاقيات الثنائية غير المتكافئة؛ ورابعها توظيف العلاقة مع البريكس وخاصة الصين، لموازنة النفوذ الغربي؛ وخامسها تعميق الاندماج الإقليمي والسعي إلى قدر من فك الارتباط النسبي بالعولمة المهيمنة.

واضح أن الكاتب يدافع عن الخيارات الأخيرة، ولا سيما بناء سلاسل قيمة محلية وإقليمية، ورفض الانخراط غير المشروط في الاتفاقيات الكبرى، وإعادة التفكير في موقع إفريقيا داخل الاقتصاد العالمي. فخلاصة المقال هي أن القارة ما تزال، بعد عقود من الاستقلال، واقعة تحت أشكال متجددة من السيطرة الإمبريالية، وأن الخروج من هذا الوضع لا يكون بالانفتاح غير المشروط، بل ببناء قدرة إنتاجية مستقلة، ومقاومة البنى القانونية والتجارية التي تكرس التبعية، وتوسيع هامش الحركة عبر التحالفات الإقليمية والدولية البديلة.