الأربعاء 17 ديسمبر 2025
ناقش البرلمان الأوروبي في 15 يوليو/ تموز الجاري أوضاع حقوق الإنسان في أفريقيا جنوب الصحراء، وتحديدًا في كل من كينيا وتنزانيا. وفي مداخلته، أشار النائب الألماني ديفيد جيمس ماكاليستر إلى ما وصفه بتهديد أكثر تآكلًا من الفقر ذاته، قائلاً: "إننا نواجه انهيارًا منهجيًا في المؤسسات والقيم الديمقراطية." ورغم أن هذا التصريح قد يُفهم على أنه تدخل في الشؤون الداخلية لدول شرق أفريقيا، بما في ذلك أوغندا، إلا أنه يعكس للأسف حقيقة دامغة. فالانهيار التدريجي للبنية الديمقراطية هو أحد الأسباب العميقة التي تقف وراء تصاعد الاحتجاجات، وتصاعد التوق إلى التغيير في هذه الدول.
في أوغندا، يُقدَّر عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا بنحو 10 ملايين من أصل 48.66 مليون نسمة، وجميعهم مؤهلون للتصويت. أما في تنزانيا، فيُظهر تقرير لمكتب الإحصاء الوطني لعام 2022 أن أكثر من ثلث السكان؛ أي من أصل 66.62 مليون نسمة، تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عامًا. هذه التركيبة السكانية تمثل في آنٍ واحد موردًا هائلًا، وتحديًا ضخمًا لمسار التنمية. وفي كينيا، من أصل 55.34 مليون نسمة، يشكّل جيل الألفية أكثر من 12 مليونًا، بينما يبلغ عدد أفراد "جيل زد" أكثر من 18 مليونًا.
يواجه ملايين الشباب في هذه الدول الثلاث تحديات متشابهة: بطالة متفشية وارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات الأساسية وصعوبات في الوصول إلى الخدمات المالية، فضلًا عن الفقر وتردي جودة التعليم والرعاية الصحية العامة. وأمام هذا الواقع، لا تجد الأجيال الجديدة بُداً من التعبير عن غضبها بطرق تبدو، في نظر الجيل الحاكم، وقحة وجاحدة. ومع ذلك، تحاول بعض الأصوات تهدئة هذا الغضب المتصاعد، وتجسير هذه الهوة. علق الفنان والمعارض الأوغندي بوبي واين في بودكاست "SMWX" قائلا: "ليتهم يدركون أن وجودنا هو الضمان لاستمرارنا كشعب".
في الأشهر الأخيرة، استحقت احتجاجات الشباب الكينيين إعجاب نظرائهم في أوغندا وخارجها، حيث وُصِفوا بأنهم "نماذج يُحتذى بها". فشجاعتهم وتنظيمهم وقدرتهم على المواجهة، سواء في الميدان أو عبر الإنترنت، أظهرت صلابة مذهلة في وجه نظام ويليام روتو. مشاهدهم وهم يعتلون العربات العسكرية، يتحدّون الغاز المسيل للدموع، لم تمر مرور الكرام في أوغندا، حيث يتابع الشباب تلك الصور بحسرة.
الانهيار التدريجي للبنية الديمقراطية هو أحد الأسباب العميقة التي تقف وراء تصاعد الاحتجاجات وتصاعد التوق إلى التغيير في هذه الدول
لكن شباب أوغندا، وإن تاقوا للتغيير، يدركون أن هذا التغيير يبدو مستحيلاً طالما بقي يويري موسيفيني في الحكم. فالرئيس الثمانيني الذي أعلن نيته الترشح مجددًا بعد أربعة عقود من السلطة، جعل كثيرين ييأسون من جدوى الانتخابات. في حديث عابر مع شاب أوغندي يبلغ من العمر 34 عامًا أثناء تجديد بطاقة الهوية الوطنية، عبّر عن رأي حاد قائلاً: "لا جدوى من الانتخابات، وما يحدث في كينيا مثل وضع قطعة قماش مبللة على رضيع مصاب بحمى شديدة. لا تعالج المشكلة". هذا الشاب، الذي كان يسعى للحصول على أوراق تسمح له بمغادرة البلاد، أضاف: "ما دام القادة لا يرغبون بالتغيير، فكل الاحتجاجات ستكون عبثية".
انطلقت احتجاجات "جيل زد" في كينيا في مايو/آيار 2024، رفضًا لمشروع قانون مالي اقترحه البرلمان لمعالجة العجز في الموازنة. قوبل المشروع بغضب شبابي واسع، سرعان ما تحول إلى موجات متتالية من التظاهر. تخللت هذه الاحتجاجات عمليات قتل وخطف، فالتقارير تفيد بأن احتجاجات يونيو/ حزيران أسفرت عن مقتل 10 شبان برصاص قوات الأمن.
استشعر الرؤساء في شرق أفريقيا، ومنهم الثمانيني موسيفيني ورئيسة تنزانيا سامية صلوحي حسن، خطر انتقال عدوى الاحتجاجات إلى بلدانهم، فاستنفروا أجهزتهم الأمنية، ففي أوغندا أغلقت قوات الأمن الطرق المؤدية للبرلمان، ونُشرت آليات عسكرية وشرطية، وحتى رجال أمن بلباس مدني يحملون العصي، استخدموها لضرب المتظاهرين. حذّر موسيفيني من أن المحتجين "يلعبون بالنار"، وسُجنت مجموعة من الشبان بتهم التسكع وإزعاج النظام العام.
أما الرئيسة صلوحي، فقد ربطت الاحتجاجات بتدهور الأمن الغذائي، ونقلت عنها مجلة "تشانزو" قولها: "عندما لا يجد جيل زد طعامًا هنا في تنزانيا، سينزل إلى الشوارع". وأضافت أن الحل يكمن في التوازن بين مصالح رجال الأعمال واحتياجات الشعب. رغم بداياتها الواعدة، حيث رُحّب بسياساتها الأربعة: المصالحة والصمود والإصلاح وإعادة البناء.
"انظروا إلى الكينيين. شبابهم غاضبون من حكومتهم إلى الحد الذي قالوا فيه: كفى. أتمنى أن يحدث الشيء نفسه في تنزانيا"
لكن، وعلى عكس ما يعتقده كثيرون خارج تنزانيا، فقد واصلت صلوحي السير على خطى من سبقوها، لا سيما في التشدد بشأن الحريات العامة، مستحضرة إرث أول رئيس للبلاد، الراحل يوليوس نيريري. فهي لا تُخفي معارضتها لأي شكل من أشكال التظاهر، وتصف الاحتجاجات بأنها "غزو خارجي"، وتدخل من نشطاء أجانب. موقف يجسّده استمرار اعتقال زعيم المعارضة تنجو ليسّو، الذي نجا سابقًا من محاولة اغتيال في عهد الرئيس الراحل جون بومبيه ماغوفولي.
لقد أظهر استطلاع أجراه مشروع "أفروباريومتر" عام 2022 في تنزانيا، أن الشباب أقل ميلاً من كبار السن للمشاركة في الأنشطة السياسية والمدنية، بما في ذلك التصويت. هذا الإحباط عبر عنه أيضًا فريمان مبوي، الرئيس الوطني السابق لحزب "تشاديما"، الذي حاول عام 2024 حشد الشباب للانخراط في صياغة مستقبل بلدهم، متأثرًا بانطلاقة احتجاجات جيل زد في كينيا. في تجمع جماهيري بمدينة كليمنجارو، عبّر مبوي عن إعجابه بالشباب الكيني، قائلًا: "انظروا إلى الكينيين. شبابهم غاضبون من حكومتهم إلى الحد الذي قالوا فيه: كفى. أتمنى أن يحدث الشيء نفسه في تنزانيا". لكنه أقر بأن الشباب في بلاده معتادين على الأزمات إلى درجة لم يعودوا يتفاعلون معها.
هذا الخدر النفسي له أسبابه. فحكومة صلوحي لجأت إلى العنف المُمنهج لبثّ الرعب بين الشباب. فقد وصفت إحدى الناشطات تعذيبها بالقول: "الألم مقصود، لتجريدك من إنسانيتك. أول ما يفعلونه هو الاعتداء الجنسي. بعده، ماذا يتبقى لك؟". وأشارت إلى استخدام تقنية "الفلنغا" القديمة، التي تتضمن ضرب باطن القدمين حتى يتعذر المشي. وقالت إن أحد معذّبيها تفاخر: "سأجعلك تكتبين عنوانًا رائعًا عني".
عندما وصل موسيفيني إلى الحكم عام 1986، أبدى استعدادًا للاستماع إلى الشعب. لسنوات، كانت أوغندا تُعد الأكثر مساواة بين دول شرق أفريقيا، مقارنة بكينيا وتنزانيا. لكن مع بدايات الألفية، بدأ مسلسل القمع، إلى أن بات من المعروف أن أي محاولة للتظاهر ستُقمع قبل أن تبزغ شمسها، ويُعتقل من يُشتبه بقيادتهم، أو يوضعوا تحت الإقامة الجبرية، مع انتشار كثيف للجيش في الشوارع.
لم يعد أمام الشباب الأوغنديين سوى سبل بديلة للتعبير عن الغضب: السخرية ومنصات الإنترنت والموسيقى. في أغنية "في البار" لمغنيَي الراب توجو 256 وشون أوفيشيال، يُغنّيان: "إيجاري متأخر، معدتي تتشاجر معي، الاقتصاد خانق، لماذا ما زلت صاحيًا؟".
ورثت كينيا عن الاستعمار بنية تنموية تقوم على الإقصاء، واستمرت النخب الجديدة بعد الاستقلال في تعزيز هذا النمط، حتى صار الحكّام الجدد بمثابة "بيض جدد" يمارسون الامتيازات نفسها
يبقى السؤال: ما سر شجاعة شباب كينيا؟ الجواب قد يكمن في التاريخ. ففي ذروة الحرب الباردة، كانت كينيا في عهد جومو كينياتا وتنزانيا في عهد نيريري تتبادلان السخرية. قال نيريري يومًا: "إن كينيا مجتمع يأكل بعضه"، فردّ كينياتا بوصف تنزانيا بأنها "مجتمع لا يجد شيئًا ليأكله". ورثت كينيا عن الاستعمار بنية تنموية تقوم على الإقصاء، واستمرت النخب الجديدة بعد الاستقلال في تعزيز هذا النمط، حتى صار الحكّام الجدد بمثابة "بيض جدد" يمارسون الامتيازات نفسها.