السبت 13 يونيو 2026
في شمال الصومال، أي في صوماليلاند الحالية، تضافرت خلال ثمانينيات القرن العشرين جهود عدد من المعلّمين والأطباء وغيرهم من المهنيين لترميم أحد المستشفيات والتطوع في المدارس. غير أنّ هذه المبادرة ذات الطابع الإنساني قوبلت بقمع شديد؛ إذ اعتُقل المشاركون فيها، ووجدوا أنفسهم مهددين بالإعدام. وفي 20 فبراير/شباط 1982، وهو اليوم الذي كان مقررا لمحاكمتهم، خرج طلاب المدارس الثانوية، وانضم إليهم عدد من السكان، في تظاهرات علنية رغم ما أحاط بها من مخاطر كبيرة واحتمال التعرض للقمع. وقد شكّلت تلك التظاهرات أول احتجاجٍ في الشارع ضد نظام سياد بري في شمال الصومال. ومنذ ذلك الحين، استمرت المقاومة واتخذت أشكالا متعددة، من بينها أشكال عنيفة، إلى أن أفضت في نهاية المطاف إلى إعلان صوماليلاند استقلالها من جانب واحد عام 1991.
يكشف تطوع هؤلاء المهنيين، مثلما تكشف انتفاضة الطلاب، عن نماذج لأشخاص بادروا إلى التعبئة الجماعية من أجل رعاية الآخرين ومقاومة الظلم بوسائل غير عنيفة، حتى في سياقات يغلب عليها القمع والعنف، حيث تضيق المساحة السياسية إلى حدّ كبير، وترتفع مخاطر الانخراط في أي فعل جماعي.
من خلال دراسة دقيقة لهذه اللحظة من التاريخ الصومالي، تسعى هذه الدراسة إلى فهم سؤالين بحثيين مترابطين: لماذا وكيف يُقدم المبادرون الأوائل، وهم الأكثر عرضة للخطر، على إطلاق العمل الجماعي والمقاومة في لحظات تاريخية مفصلية؟ ولماذا يؤدي قمع الدولة أحيانا إلى تصاعد المقاومة بدلا من إخمادها؟
أسعى في هذه الأطروحة إلى معالجة عدد من الفجوات في الأدبيات ذات الصلة، والاستفادة منها، والإسهام فيها، والربط بين مساراتها المختلفة، ولا سيما الأدبيات المعنية بالحركات الاجتماعية، وما يتصل بها من دراسات حول المقاومة غير العنيفة.
يكشف تطوع هؤلاء المهنيين، مثلما تكشف انتفاضة الطلاب، عن نماذج لأشخاص بادروا إلى التعبئة الجماعية من أجل رعاية الآخرين ومقاومة الظلم بوسائل غير عنيفة، حتى في سياقات يغلب عليها القمع والعنف
أنطلق في ذلك من مساءلة المقاربات المتمحورة حول البنية، وهي المقاربات التي ما تزال تهيمن على هذه الحقول البحثية، لأتموضع بدلا من ذلك ضمن تيار في دراسات الحركات الاجتماعية يولي الفاعلية الإنسانية موقعًا مركزيًا، ويهتم بالديناميات الأخلاقية والعاطفية والثقافية التي تحرّك الفعل الجماعي. وعلى وجه الخصوص، أركّز على الرؤى التي قدّمها باحثو الحركات الاجتماعية في الجنوب العالمي، وكذلك في البيئات القمعية في مناطق مختلفة من العالم.
أستجيب، من خلال هذه الأطروحة، لدعوات هؤلاء الباحثين إلى دراسة الحركات الاجتماعية في سياقاتها الخاصة، وبشروطها الداخلية، لا من خلال قوالب نظرية جاهزة أو تجارب مستمدة من سياقات مغايرة. كما أستعين بأدوات نظرية من دراسات المقاومة غير العنيفة، وهي دراسات أولت اهتماما أوسع لأفعال الحركات واستراتيجياتها في ظل الأنظمة السلطوية.
من خلال الجمع بين هذه المقاربات وتصميم بحثي تصاعدي، ينطلق من الأسفل إلى الأعلى ويركّز على السرديات الشخصية، مع تقدير عميق لخصوصية السياق، أحاول أن أقترب أكثر من فهم البوادر الأولى للعمل الجماعي في البيئات السلطوية، وأن أفسّر لماذا قد يؤدي القمع أحيانا إلى تعزيز المقاومة بدلا من إضعافها، فضلا عن فهم تنوّع الاستجابات التي يطوّرها الناس لمواجهة القمع وتحدّيه. لذلك، أطرح في هذه الأطروحة السؤال الآتي: لماذا وكيف يبادر الفاعلون الأوائل، ومن يلحقون بهم مباشرة، إلى إطلاق العمل الجماعي والمقاومة في سياقات القمع السلطوي؟
في هذه الأطروحة، أتناول هذا السؤال من خلال بحث نوعي اعتمدت فيه على عمل ميداني في صوماليلاند، شمل أكثر من مئة مقابلة معمّقة، وسرديات شفوية، وحوارات مع الشخصيات الأساسية المعنية. وقد جمعتُ بين بيانات المقابلات التي جرى تفريغها وترميزها، وبين مواد أرشيفية شملت محضر محاكمة عام 1982، وتقارير من تلك الفترة، ونماذج من الشعر السياسي، إلى جانب أساليب تشاركية إبداعية، من بينها قصة مصوّرة تاريخية وبرنامج تلفزيوني.
لماذا وكيف يُقدم المبادرون الأوائل، وهم الأكثر عرضة للخطر، على إطلاق العمل الجماعي والمقاومة في لحظات تاريخية مفصلية؟ ولماذا يؤدي قمع الدولة أحياناً إلى تصاعد المقاومة بدلاً من إخمادها؟
أتاح لي هذا النهج المعمّق، الذي يركّز على حالة من العمل الجماعي داخل بيئة سلطوية في الجنوب العالمي، أن أسهم في عدد من الأدبيات ذات الصلة، وأن أربط بينها بطرق متعددة. أولًا، أوضّح الأدوار الحاسمة التي تؤديها الدوافع الأخلاقية والعاطفية العميقة في تمكين المبادرين الأوائل ومن تبعهم من تجاوز الخوف، والانخراط في فعل جماعي رغم ارتفاع المخاطر. وأدعم، في هذا السياق، الطرح القائل إن التصاعد الحاد في المظالم شديدة الوطأة، أو ما يمكن تسميته بالصدمة الأخلاقية، قد يفسّر الاندفاع المفاجئ نحو العمل الجماعي.
كما أبيّن أن مواقع الناس الاجتماعية وعلاقاتهم، إلى جانب وجود خطابات ناقدة للنظام ومتجذّرة في الثقافة الشعبية، تؤدي دورا أساسيا في تشكّل هذه الصدمات الأخلاقية وتجربتها. ومن هنا، أدعو الأبحاث المستقبلية إلى إيلاء اهتمام أكبر لدور التعاطف والحب وأفعال الرعاية داخل العلاقات، بما يبرز القيمة النظرية المضافة للاستفادة من أخلاقيات الرعاية.
ثانيًا، أتاح لي النهج القائم على السرديات الشخصية أن أسلّط الضوء على دور عمليات التنشئة الاجتماعية السابقة في تكوين قيم راسخة وخطابات نقدية عميقة. وأبيّن من خلال ذلك أهمية استمرار الحوار بين أبحاث التنشئة السياسية من جهة، وأبحاث الحركات الاجتماعية والمقاومة من جهة أخرى، ولا سيما عبر إدراج حالات من خارج الشمال العالمي.
ثالثًا، مكّنني النهج البحثي التصاعدي، المنطلق من الأسفل إلى الأعلى، من رصد ودراسة أشكال أكثر التباسًا، لكنها مؤثرة، من العمل الجماعي والمقاومة، بما في ذلك المبادرات المحلية في قطاعي الصحة والتعليم، وأداءات الشعر. ومن خلال ذلك، أوضّح كيف يستطيع الناس أن يقتطعوا مساحات للفعل داخل بيئات مثقلة بالقيود والمخاطر، بما يكشف الإمكانات الإبداعية للفاعلية الإنسانية والعفوية. كما أدعم الدعوة الحديثة في دراسات المقاومة إلى التركيز على الأشكال البنّاءة من المقاومة؛ أي تلك التي تخلق بدائل وتفعّل قيمًا، وتختلف عن الأشكال الأكثر صدامية من المقاومة النزاعية.
أحاول أن أقترب أكثر من فهم البوادر الأولى للعمل الجماعي في البيئات السلطوية، وأن أفسر لماذا قد يؤدي القمع أحياناً إلى تعزيز المقاومة بدلاً من إضعافها، فضلاً عن فهم تنوع الاستجابات التي يطوّرها الناس لمواجهة القمع وتحدّيه
رابعًا، أُبرز في هذه الأطروحة الدور المحوري الذي أدّاه الشعر السياسي في البدايات الأولى للمقاومة في شمال الصومال خلال ثمانينيات القرن العشرين. فقد لم يكن الشعر الشفهي مجرد تعبير ثقافي أو وجداني، بل كان وسيلة فعّالة لنشر خطابات ناقدة للنظام ومشحونة بالعاطفة في سياق كانت تهيمن عليه رقابة الدولة. وفي بيئة سبقت ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أدّى الشعر الشفهي وظيفة قريبة من وسائل الاتصال الجماهيري؛ إذ مكّن الناس من تداول الرسائل السياسية، وصياغة المعاني المشتركة، وتوسيع دائرة الوعي والاعتراض. ومن خلال ذلك، أوضّح أن صياغة الرسائل وآليات التواصل يمكن أن تؤدي دورًا حاسمًا حتى في ظل الأنظمة السلطوية التي تعتمد على الدعاية والرقابة. كما أبيّن أن الشعر لم يسهم فقط في نقل الأفكار، بل ساعد أيضًا في بناء روابط التضامن، وهي روابط ضرورية لظهور العمل الجماعي واستمراره.
خامسًا، أتناول طبيعة التفاعلات التي نشأت بين المقاومين والدولة، سواء في الساحات غير الرسمية أو في المؤسسات والساحات الرسمية. ومن خلال تتبّع هذه التفاعلات، أوضّح أن الأفعال والاستراتيجيات غير العنيفة لم تكن محكومة بحسابات استراتيجية وعملية فحسب، بل انطوت أيضًا على أبعاد أخلاقية وثقافية عميقة. ولفهم هذه التفاعلات، وما رافقها من اختيارات وحسابات، سواء كانت صائبة أم خاطئة، لا بد من وضعها داخل سياق أوسع يتصل بتاريخ الاستعمار السابق وبظروف الحرب الباردة، حين وجّهت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كميات كبيرة من المساعدات والتدريبات العسكرية إلى الصومال. وبذلك، لا تُفهم المواجهة بين الدولة والمقاومين بوصفها حدثًا محليًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من شبكة أوسع من التأثيرات التاريخية والسياسية والعسكرية.
سادسًا، أضيف في هذه الأطروحة بُعدًا أكثر دقة إلى مفهوم "الجيوجيتسو السياسي". فأنا أرى أن الأثر الارتدادي الذي حدث في هذه الحالة لم ينتج فقط عن الطابع غير العنيف لأفعال الفاعلين، بل ارتبط بصورة أعمق بطابعهم غير السياسي، والإنساني، والعلاقاتي. فقد منحهم انخراطهم في أعمال تطوعية وإنسانية، مثل ترميم المستشفى والتطوع في المدارس، موقعًا أخلاقيًا خاصًا جعل قمعهم أكثر استفزازًا للمجتمع، وأكثر قدرة على توليد التعاطف والتضامن والمقاومة. ومن هنا، تقدّم الأطروحة مثالا واضحًا على أن العمل الإنساني التطوعي، حتى حين لا يبدأ بوصفه فعلًا سياسيًا مباشرًا، يمكن أن يفضي إلى نتائج سياسية كبرى، وأن يفتح مسارات واسعة نحو التحول الاجتماعي.
في الختام، تبيّن هذه الأطروحة أن بدايات المقاومة لا تنشأ دائمًا من التنظيم السياسي المباشر أو من الحسابات الاستراتيجية وحدها، بل قد تتولد من أفعال رعاية، وروابط إنسانية، وصدمات أخلاقية، وأشكال ثقافية قادرة على تحويل الخوف إلى فعل جماعي. ومن خلال حالة شمال الصومال، تسعى الأطروحة إلى إظهار كيف يستطيع الناس، حتى في أشد البيئات قمعًا، أن يخلقوا مساحات للفعل والمقاومة، وأن يحوّلوا المبادرات الإنسانية المحدودة إلى قوة اجتماعية ذات أثر سياسي عميق.