تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فن

سحر المفردة وتجليات الوجدان الوطني: رحلات في خطاب الفنانة فدوى فريد

13 يناير, 2026
الصورة
سحر المفردة وتجليات الوجدان الوطني: استنطاقات ورحلات في خطاب الفنانة فدوى فريد
Share

الفن، على مرّ العصور، كان الأداة التي يعبّر بها الفنان عن أحزان الشعب وأفراحه وتقلّباته. فالفنان هو لسان حال الشعب، يترجم نبضهم، ويجسّد آمالهم وآلامهم. وكما تحمل الملائكة رسالة سماوية إلى أنبياء الأرض، تحمل الأرواح المبدعة والمستنيرة بالمواهب رسالة فنية إلى الإنسانية. الموسيقى السودانية، بسُلّمها الخماسي، تمتلك إيقاعًا خاصًا يلامس القلوب، وهذا ما يميّز الجيتار السوداني أيضًا في أدائه لهذا السُلّم العريق.

مرّ الفن السوداني بمراحل عديدة مثل: أغاني الحقيبة والأغاني التراثية الشعبية وأغاني الربابة والنقارة والأغاني باللغات واللهجات المحلية والعامية، ولا سيّما أغاني الطرب والراب السوداني. ولكل نوع موسيقي جمهوره الخاص، بهذا التنوع يتشكّل فنّنا السوداني العريق. وفي لغة الفن أؤمن بأنه لا يوجد فنٌّ هابط وآخر راقٍ، بل يوجد فنٌّ فُهِم، وآخر لم يُفهم بعد. فالفنانون أيضًا رسّامو هذا الكون الكبير قد لا يُدرك بعضهم في زمنه، لكن ما يقدّمونه قد يخاطب أجيالًا لم تولد بعد.

يزخر السودان بأسماء لامعة في المجال الفني على سبيل المثال: أحمد المصطفى ومصطفى سيد أحمد وعبد الكريم الكابلي وعائشة الفلاتية ومحمد وردي وسيد خليفة وعمر إحساس وزيدان إبراهيم وعصفورة السودان إنصاف فتحي. وبرغم هذا الثراء الفني، ظل السودان من البلدان التي أنهكتها الحروب منذ نشأة الدولة حتى اليوم. فمعظم المبدعين والفانين والمطربين ينادون بوقف النزاعات، ويرفعون رايات السلام والأمن والاستقرار، مخاطبين أطياف المجتمع السوداني لترسيخ التعايش بين القبائل والقوميات والإثنيات.

ومن ضمن الكوكبة الفنية التي تدعو إلى السلام الفنانة فدوى فريد. فدوى، التي تنحدر من أمّ من غرب السودان وأبٍ من الجنوب الحبيب، نشأت وترعرعت في وسط البلاد بولاية الجزيرة. فباتت ابنة لهذا السودان المتنوع، جمعت في تكوينها بين الغرب والجنوب والوسط، في بيت غمرته المحبة والألفة والنغمة الفنية. ومنذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، كانت تدندن بأغاني تعبّر عن تطلعات الشعب الصامت. بعد اندلاع الحرب، غنّت للسلام بكلمات مشبعة بالصدق، وعاطفة لا تُكذب.

تقدّم فدوى في أغانيها تنوّعًا ثريًا، ومن ذلك أغنية " يكفيك سوداني" من كلمات وألحان الدكتور عبد الفتاح نوري. في هذه الأغنية تصوغ تصورًا عن المجتمع السوداني لحظة استقبال المسافر العائد من غيابه، وتلتقط لحظة اللقاء بقولها: " كنت زمان لما ترجع، بتلاقي الناس الهم رادوك". ثم تقارن هذا المشهد الودود بما آل إليه الحال في الزمن الحاضر، فتقول: "جيت ما لقيت أهلك ولا أحباب في الحضن أخدوك".

في لغة الفن أؤمن بأنه لا يوجد فنٌّ هابط وآخر راقٍ، بل يوجد فنٌّ فُهِم، وآخر لم يُفهم بعد. فالفنانون أيضًا رسّامو هذا الكون الكبير قد لا يُدرك بعضهم في زمنه، لكن ما يقدّمونه قد يخاطب أجيالًا لم تولد بعد

بين المقطعين مسافة واسعة، فالمسافر قديمًا كان يجد أحبابه في استقباله، أما اليوم فقد تبدلت الأحوال حتى لم يعد يجد المسافر أهله ولا معارفه في لحظة الوصول. وهنا تومئ الفنانة إلى التغيّرات الأمنية والاجتماعية التي عصفت بالمجتمع، ثم توسّع دائرة هذا التبدل لتشمل ما يحيط بالإنسان كله: "ولا الأشجار، ولا الأطيار، ولا الجيران بالوداد ضموك". بهذه المفردات تُظهر أنّ التغيير الذي طرأ لم يكن على مستوى البشر فحسب، بل طال بالطبيعة والمحيط أيضًا، حتى الأشجار والطيور لم تعد كما كانت. وأمام هذا الواقع المتقلّب، راحت فدوى تبحث عن حلّ بالموسيقا، فأنشدت بأغنية "حب الوطن" تقدّم فيها نداءً ورؤية للخلاص، قائلة:

"الوطن محتاج شبابو، تعالوا نعمر لترابو

حب الوطن في قلوبنا، بيهوهـ مرحبتين حبابو

يلا نحارب الجهوية، ما عايزين عنصرية

حب الوطن هو القضية".

بهذه الكلمات تطرح ما يحتاجه السودان من طاقات شبابية لبناء المجتمع وتطويره. وتكشف ما أصاب الجسد الوطني من أمراض اجتماعية كالقبلية والعنصرية والانغلاق الحزبي. ومن ثمّ تلفت انتباه المستمعين إلى أن العلاج الحقيقي يبدأ حين يجعل الناس حب الوطن قضيتهم الأولى، مقدّمًا على المصالح الفردية والمجتمعية، والدينية والحزبية.

وفي أغنية "خيوط العنكبوت" تتناول فدوى موضوع العدالة والحقوق المسلوبة من قبل الرقابة والسلطة، سواء كانت حقوقًا فردية أو جماعية. وتصف العدالة المغيّبة بقولها: "عدالة في نص البحر، مغموسة جوه في بطن حوت". وهو تصوير بالغ العمق، تبيّن مدى القهر الواقع على العدالة والحقوق. فالشعب المقهور، الغارق في بطن الحوت، لا بدّ له أن يخرج ليستعيد أنفاسه، ويسترجع حقوقه. ويمكن استنباط أن "الحوت" في الأغنية يحيل إلى الحوت الذي ابتلع سيدنا يونس، غير أنّ الحوت هنا رمز للسلطة الحاكمة، والمغموس في جوف الحوت ليس فردًا واحدًا، بل شعبٌ كامل ودولة بأكملها.

لذلك لم تُغنِّ للحرب يومًا، لأن النسيج الاجتماعي السوداني، يحتاج أكثر من أي وقت، إلى صوت كصوت فدوى فريد ومن يشبهونها، ليشكّلوا نواةً لمجتمع متصالح مع نفسه أولاً ومع غيره من أبناء الوطن

وفي أغاني الابنوسة فدوي تتردّد آهات كثيرة مثل: آه الوجع، آه الحسرة والندم، آه البلد والوطن، وآه أخرى تخرج من صدور أطفال الخيام. وبعد هذه الآهات كلها، تأتي لتطرح سؤالًا جديدًا في أغنية "ليه الحرب؟" بكلمات الشاعر خالد شقوري. في هذه الأغنية تقارن بين أيام الصفاء ومرارات الحرب، بإيقاع حزين كحزن النيل، مقدّمة مأساة الحرب ومجسدة أوجاعها على أنغام الوتر. وفي أغنية "سودانا بشيلنا" من كلمات الشاعر فتح الرحمن أبو النعيمة، تقول:

" السلاح أرمو يا ناس ... سودانا بشيلنا

كافية خراب يا ناس ... أنحنا أحباب

الحرابة حرام يا ناس ... سودانا بشيلن"ا

تصوّر فدوى أن الحرب حرام من منطلق ديني ووطني وإنساني. وتبلور بهذه المفردات رؤيتها لحقن الدماء. إذ ترى أن السلاح والرصاص هما عدوّ الإنسان والإنسانية منذ الأزل. أغانيها بسيطة اللهجة، سودانية الروح، لكنها عميقة المعنى. تُقدَّم كلماتها الفنية بعيدةً عن التكلف اللغوي، وبمفردات يدركها كل سوداني. وهي واعية بأن للفن أثرًا كبيرًا في نفوس البشر. ومن هذه النافذة يمكن القول إن الأبنوسة تؤكد بشكل مباشر أو غير مباشر أن الفن لأجل الشعب، وليس الفن لأجل الفن. الأستاذة فدوى هي إحدى عظيمات بلادي. وكيف لا وقد جاء في الأثر أن المرء ينال من اسمه نصيبًا. واسمها فدوى فريد فهي فريدة في فنّها، مميزة في إيقاعها، مخلصة في أداء رسالتها الفنية. وأتساءل: كيف تُحدث كلماتها هذا الأثر البليغ في آذان السامعين. وتقول في إحدى أغانيها:

"جهوية ما بينا أصلنا من آدم

تجمعنا أحلامنا نطيب ونتسالم

نرمي السلاح لازم ونبني الوطن تاني

بليتو بلاني دمرتوا سوداني"

في أغنية "بليتو بلاني" كسرت شعارات الحرب بين أبناء الوطن الواحد، وطرحت رؤية تؤسس لأرضية تجمع الشمل. لتأتي بأغنية "ساب البلد" بلحن أكثر هدوءً لتقول: سوف "نعمر الخرب كان وقفت الحرب" أي ما لم يسكت صوت الرصاص، فلن يأتي العمران ولا المعمار. فبمفردات رقراقه تترك أثرًا عميقًا في نفس المتلقي. وفي أغنية "الناس بالناس" تقول: “أنا زول مجروح كايس لي وطن". وهنا تستخدم كلمة "زول" بدل إنسان لتشير إلى أن المعني هو الإنسان السوداني تحديدًا، فالسودانيون على وجهه الكرة الارضية هم الشعب الوحيد الذي يستخدم مفردة "زول" كهوية لغوية خاصة بهم.

تصوّر فدوى أن الحرب حرام من منطلق ديني ووطني وإنساني. وتبلور بهذه المفردات رؤيتها لحقن الدماء. إذ ترى أن السلاح والرصاص هما عدوّ الإنسان والإنسانية منذ الأزل. أغانيها بسيطة اللهجة، سودانية الروح، لكنها عميقة المعنى

ما تمّ سرده هو من منطق فني خالص. ويمكن بطبيعة الحال تأويل بعض الأغاني وتحليلها من منظور سياسي أيضًا. غير أنّ ذلك قد يجرّد المفردة من نقائها أو يدنّس شيئًا من جمالها. لذلك رغبتُ في صياغة هذا الحديث في إطار فني ووطني وإنساني. وهذا هو عمق الفن عند الأبنوسة إذ تتيح لك الأغنية الواحدة أن تستخرج منها لا معنى واحدًا بل معاني متعددة، بقراءات وتأويلات مختلفة.

وبهذا تكون قد أهدت للموسيقى السودانية قليلًا من الكلمات، وكثيرًا من المعاني. ففدوى فريد، تنظر إلى الفن بوصفه رسالة سامية يجب توظيفها لتوعية المجتمع، ورسالة إنسانية تجمع شتات القلوب. وتبني جسرًا فنيًا يساعد على فهم المجتمعات البشرية.

لذلك لم تُغنِّ للحرب يومًا، لأن النسيج الاجتماعي السوداني، يحتاج أكثر من أي وقت، إلى صوت كصوت فدوى فريد ومن يشبهونها، ليشكّلوا نواةً لمجتمع متصالح مع نفسه أولاً ومع غيره من أبناء الوطن. وكأنها تقول بين حنايا أغانيها إن قليلًا من الموسيقى يشفي، وقليلًا من الإيقاع يرمّم الجراح. فالأبنوسه هي صوت تعكس الواقع السوداني المرير، لكنها تقدمها على هيئة صوت موسيقي مميز. فالبنية الفنية عند الفنانة فدوى تقوم على خمسة أعمدة: التساؤل، الحب، الحرية، الوطن، والسلام. أمّا الموسيقى في أغانيها فهي لغة، ورسالتها الفنية سلام ثم السلام.

المزيد من الكاتب