تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

صحفيو الصومال.. حين يحلّ الاعتقال محلّ الرصاص

10 أغسطس, 2026
الصورة
صحفيو الصومال.. حين يحلّ الاعتقال محلّ الرصاص
Share

توجّه عبد الله أحمد مؤمن، الأمين العام لنقابة الصحفيين الصوماليين (SJS)، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، إلى مطار آدم عدي الدولي في مقديشو، حاملا تذكرة سفر إلى نيروبي، حيث كان يعتزم تلقي العلاج من إصابات تعرّض لها خلال احتجاز سابق. غير أنه لم يتمكن من إتمام رحلته؛ إذ اعتقله عناصر من وكالة الاستخبارات والأمن الوطني الصومالية «نيسا» عند بوابة المغادرة، وفق ما وثقته النقابة ولجنة حماية الصحفيين، جرى الاعتقال من دون مذكرة توقيف أو تهمة معلنة، كما لم تُبلّغ أسرته أو النقابة بالمكان الذي اقتيد إليه.

كان سبب استهدافه، على ما يبدو، بيانا صحفيا أصدره قبل عشرة أيام، حذّر فيه من أن الصياغة الفضفاضة لتوجيه حكومي جديد بشأن وسائل الإعلام قد تفتح الباب أمام تقييد العمل الصحفي المشروع. وعندما طُلب منه سحب البيان، رفض التراجع عنه.

مثّل ذلك بداية سلسلة من الاعتقالات. فبعد إطلاق سراحه، اعتُقل مؤمن مجددًا أثناء محاولته السفر لتلقي العلاج، قبل أن يحتجزه عناصر «نيسا» للمرة الثالثة، في فبراير/ شباط 2023، بحسب نقابة الصحفيين الصوماليين ومنظمة روبرت ف. كينيدي لحقوق الإنسان. وقال مؤمن، في تصريحات علنية وثّقتها لجنة حماية الصحفيين، إن العناصر هددوه بالقتل إذا قاومهم. ووفقًا لروايته وما أوردته النقابة، أمضى 33 يوما رهن الاحتجاز، وتعرّض خلالها لمعاملة وصفها علنا بأنها تعذيب.

على الرغم من الإفراج عنه في نهاية المطاف، لم تتوقف الضغوط عند هذا الحد. فبعد أيام، صدر أمر قضائي بتجميد الحسابات المصرفية لنقابة الصحفيين الصوماليين، وفق ما أوردته النقابة والمعهد الدولي للصحافة (IPI).في المقابل، لم يخضع أي من عناصر «نيسا» المشاركين في عمليات الاحتجاز الثلاث للتحقيق أو المساءلة التأديبية أو المحاكمة.

رغم كل ما تعرّض له، عاد عبد الله أحمد مؤمن إلى مكتبه، قائلا: "إذا توقفتُ، فقد انتصروا. وإذا توقف عدد كافٍ منا، فلن تبقى صحافة". تلخص هذه العودة، وما تنطوي عليه من رفض للاستسلام، جانبًا من أزمة حرية الصحافة في الصومال لا يحظى بالاهتمام الدولي الكافي. فالرواية السائدة تتركز عادة على الصحفيين الذين قُتلوا؛ إذ لقي 73 صحفيًا حتفهم منذ اندلاع الحرب الأهلية، وفقًا للجنة حماية الصحفيين، من دون أن تفضي أي من تلك الجرائم إلى إدانة قضائية، بحسب سجلات اللجنة. وهذه قصة حقيقية لا بد من روايتها. غير أن قصة أخرى، أقل صخبًا وأكثر تدبيرًا، أخذت تتشكل إلى جانبها، بل تكاد تحل محلها تدريجيًا: لقد أدركت الأجهزة الأمنية الصومالية أن اعتقال الصحفيين أقل كلفة، وأقل إثارة للانتباه، ولا يقل فاعلية في إسكاتهم.

بين عامي 2007 و2013، اعتمدت حملة حركة الشباب ضد الصحافة الصومالية على القتل بصورة أساسية. وبلغت الحملة ذروتها عام 2012، حين قُتل 18 صحفيًا في عام واحد، وهي أعلى حصيلة سنوية سُجلت في بلد واحد منذ ذلك الحين. أثارت هذه الجرائم إدانات دولية واسعة، واستقطبت موارد لدعم حرية الصحافة، وولّدت ضغوطًا دبلوماسية على المسؤولين عنها. كان ذلك عنفًا مكشوفًا يصعب تجاهله، وقد أدرك مرتكبوه، بمرور الوقت، أن للجرائم المرئية كلفة.

"إذا توقفتُ، فقد انتصروا. وإذا توقف عدد كافٍ منا، فلن تبقى صحافة"

هنا تروي أرقام الاعتقالات بقية القصة. ففي عام 2015، وثقت نقابة الصحفيين الصوماليين ست حالات اعتقال نفذتها قوات أمن الدولة بحق صحفيين. وبعد أربع سنوات، ارتفع العدد إلى 38 صحفيًا، مسجلًا رقمًا قياسيًا. وخلال عام 2019 نفسه، تعرّض 37 صحفيًا آخرين للضرب أو التهديد بالسلاح، وكانت معظم تلك الانتهاكات على أيدي قوات حكومية، لا حركة الشباب، وفقًا للنقابة.

استمر هذا النمط خلال السنوات اللاحقة، فبين مارس/آذار ومايو/آيار 2025، وثقت نقابة الصحفيين الصوماليين ولجنة حماية الصحفيين 41 حالة اعتقال أو اعتداء أو مضايقة استهدفت صحفيين خلال 60 يومًا فقط. كما سجل المعهد الدولي للصحافة ما لا يقل عن 18 انتهاكًا لحرية الصحافة في الصومال خلال النصف الثاني من عام 2025، وهي حصيلة كانت من بين الأعلى في القارة خلال تلك الفترة.

نادرًا ما يحظى احتجاز صحفي لليلة واحدة باهتمام وسائل الإعلام الدولية. ومع ذلك، يمكن لمصادرة المواد المصورة، أو إجبار صحفي على التراجع عن تقرير نشره، أو تجميد الحسابات المصرفية لمنظمة تدافع عن حرية الصحافة، أن تحقق أثر التكميم نفسه الذي يحدثه التهديد بالقتل، ولكن بكلفة دبلوماسية أقل بكثير. يُدفع الصحفي إلى الصمت، ويمرّ ما حدث من دون أن ينتبه إليه العالم، فيما لا يواجه العنصر الذي نفّذ الاعتقال أي عواقب.

كيف تعمل منظومة الإسكات؟

عاينتُ عن قرب من خلال عملي في مجال حقوق الإنسان في مقديشو، كيف يُستخدم الاحتجاز أداة لقمع الصحافة في الصومال. وقد وثقت نقابة الصحفيين الصوماليين، ولجنة حماية الصحفيين، ووزارة الخارجية الأميركية هذه الممارسة وأنماطها المتكررة بإسهاب.

يأتي الاعتقال غالبًا عقب النشر، عقابًا للصحفي على تقرير بعينه، أو يُستخدم الاحتجاز وسيلة ضغط لإجباره على سحب مادته أو التراجع عنها. وفي حالات أخرى، يُحتجز الصحفي فترات طويلة بمعزل عن العالم الخارجي بهدف انتزاع معلومات عن مصادره، أو تُداهم غرف الأخبار لمصادرة المواد المصورة. غير أن أخطر هذه الأساليب يتمثل في توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المنظمات التي تدافع عن الصحفيين وتساندهم، بدلًا من الاقتصار على الصحفيين أنفسهم.

تكشف قضية عبد الله أحمد مؤمن هذا النمط الأخير بوضوح، فبحسب نقابة الصحفيين الصوماليين ومنظمة روبرت ف. كينيدي لحقوق الإنسان، أعقب عمليات احتجازه الثلاث الموثقة صدور أمر قضائي بتجميد الحسابات المصرفية للنقابة. ورأى المعهد الدولي للصحافة في ذلك حملة منسقة ضد أبرز منظمة معنية بالدفاع عن حرية الصحافة في الصومال، جمعت بين احتجاز أمينها العام واستهداف مواردها المالية. ومع ذلك، لم يُفتح أي تحقيق في أي من هذه الانتهاكات، وفقًا للمنظمات الثلاث.

لم تكن قضية مؤمن حالة منفردة. ففي أبريل/نيسان 2024، اعتقلت وكالة الاستخبارات والأمن الوطني «نيسا» الصحفي المستقل حسين عبد الله أحمد، بعد أيام قليلة من نشره تحقيقًا تناول إقالة مسؤولين من الوكالة، وتقريرًا آخر عن بئر مهجورة يُزعم أن قوات الأمن استخدمتها مقبرة جماعية. ووفقًا للجنة حماية الصحفيين، احتُجز نحو 24 ساعة من دون توجيه أي تهمة إليه، قبل أن يُفرج عنه. لم يكن أحد بحاجة إلى قول الرسالة صراحة؛ فقد كانت واضحة بما يكفي.

الصمت الذي تعجز الأرقام عن رصده

لعل أخطر تبعات الاحتجاز التعسفي الممنهج ظاهرة لا تستطيع أي منظمة رصد توثيقها بصورة كاملة: الرقابة الذاتية. فكلما اعتُقل صحفي ثم أُفرج عنه، يرى زملاؤه ما حدث، ويعيدون رسم حدود ما يمكنهم الاقتراب منه. والنتيجة تحقيق لا يُنجز، ومصدر لا يتصل به أحد، وفقرة جوهرية تُحذف من التقرير قبل نشره.

يعد الدستور الصومالي المواطنين بصحافة حرة، لكن صحفيي البلاد يضطرون إلى دفع أثمان لا ينبغي أن تُفرض عليهم لكي يحوّلوا ذلك الوعد إلى واقع

لا تظهر هذه المساحات المحذوفة في مؤشرات حرية الصحافة، ولا تدخل ضمن إحصاءات الانتهاكات، بل تتلاشى في صمت. لكن الصمت، في هذا السياق، ليس مجرد غياب، وإنما نتيجة مقصودة لسياسة الترهيب.

لا يستطيع الصومال بناء منظومة حقيقية للمساءلة من دون صحافة مستقلة قادرة على توثيق ما تفعله الحكومة. فعندما يُحرم المواطنون من معلومات دقيقة ومستقلة بشأن القرارات المتخذة باسمهم، يفقدون القدرة على محاسبة المسؤولين عنها. ومن ثم، لا يمثل قمع الصحافة انتهاكًا لحقوق الصحفيين التي تكفلها المادة 19 من الدستور الصومالي فحسب، بل يمس أيضًا حق كل مواطن صومالي في المعرفة، الذي تكفله المادة 18 من الدستور نفسه.

القانون وغياب إنفاذه

على الورق، يكفل الدستور الصومالي المؤقت حرية الصحافة. أما في الواقع، فلا يجد هذا الضمان طريقه إلى التطبيق، وفقًا لعدد من منظمات الرصد المستقلة.

ففي تحليلها الصادر عام 2023 لقانون وكالة الاستخبارات والأمن الوطني، خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن القانون يمنح الوكالة صلاحيات واسعة في الاعتقال والاحتجاز والمراقبة، في ظل رقابة مستقلة محدودة للغاية. كما حذرت من أن صياغته الفضفاضة قد تتيح استخدامه لقمع المعارضة السياسية ووسائل الإعلام.

بدورها، وثقت وزارة الخارجية الأميركية، عبر عدد من تقاريرها السنوية، ما وصفته بثقافة واسعة وراسخة من الإفلات من العقاب داخل قوات الأمن الصومالية. وتؤكد السجلات المتاحة حجم هذه المشكلة؛ إذ لم يُحاكم أي عنصر من قوات الأمن بسبب احتجاز صحفي بصورة غير قانونية طوال الفترة التي تتناولها هذه المقالة.

ما الذي ينبغي تغييره؟

يتطلب كسر هذا النمط اتخاذ ثلاثة إجراءات محددة. أولًا، ينبغي للنائب العام الصومالي فتح تحقيقات جنائية في أخطر حالات الاحتجاز الموثقة، بدءًا من عمليات احتجاز عبد الله أحمد مؤمن الثلاث، لإرساء مبدأ واضح مفاده أن الاحتجاز التعسفي للصحفيين تترتب عليه عواقب قانونية.

ثانيًا، ينبغي للبرلمان الصومالي سن قانون خاص بحرية الصحافة، يحظر صراحة اعتقال الصحفيين بسبب محتوى منشور، ويشترط الحصول على إذن قضائي لاستمرار احتجاز أي صحفي أكثر من 24 ساعة.

لعل أخطر تبعات الاحتجاز التعسفي الممنهج ظاهرة لا تستطيع أي منظمة رصد توثيقها بصورة كاملة: الرقابة الذاتية. فكلما اعتُقل صحفي ثم أُفرج عنه، يرى زملاؤه ما حدث، ويعيدون رسم حدود ما يمكنهم الاقتراب منه

ثالثًا، يتعين على الشركاء الدوليين الذين يمولون قطاع الأمن الصومالي، بما في ذلك وكالة «نيسا»، ربط استمرار هذا التمويل بإحراز تقدم موثق وفق معايير واضحة لحماية حرية الصحافة. فمواصلة تقديم الدعم من دون اشتراط المساءلة ترتب على هؤلاء الشركاء نصيبًا من المسؤولية عن عمليات الإسكات التي يتيحها ذلك الدعم.

الصحفيون الذين لم يتوقفوا

تكشف حصيلة السنوات الأخيرة حجم هذا النمط واتساعه. فوفقًا لما وثقته نقابة الصحفيين الصوماليين، ولجنة حماية الصحفيين، والمعهد الدولي للصحافة، وهيومن رايتس ووتش، ووزارة الخارجية الأميركية، تعرّض أكثر من 200 صحفي للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي على أيدي قوات الأمن الحكومية في الصومال بين عامي 2019 و2026. وخلال الفترة نفسها، لم يُحاكم أي عنصر أمني بسبب احتجاز صحفي بصورة غير قانونية.

تقف تجربة عبد الله أحمد مؤمن في قلب هذه الحصيلة. فقد احتُجز ثلاث مرات خلال 13 شهرًا، وأمضى 33 يومًا رهن الاحتجاز، وتعرّض لمعاملة وصفها علنًا بأنها تعذيب، بينما استُهدفت نقابة الصحفيين الصوماليين التي يقودها ماليًا، وفقًا للنقابة والمعهد الدولي للصحافة. ومع ذلك، لم يُحاسب أحد على أي مما تعرض له أو لحق بمنظمته. أما مؤمن، فلا يزال يشغل منصب الأمين العام لنقابة الصحفيين الصوماليين، ولا يزال يواصل عمله في توثيق الانتهاكات.

يعد الدستور الصومالي المواطنين بصحافة حرة، لكن صحفيي البلاد يضطرون إلى دفع أثمان لا ينبغي أن تُفرض عليهم لكي يحوّلوا ذلك الوعد إلى واقع. وتُقاس الفجوة بين النص الدستوري والواقع الموثق بالاعتقالات، والمواد المصورة التي حُذفت أو صودرت، والحسابات المصرفية التي جُمّدت، وبقضاء صحفي 33 يومًا داخل أحد مراكز احتجاز «نيسا» لمجرد إصداره بيانًا صحفيًا.

هذه الفجوة ليست مجرد إخفاق قانوني، بل خيار سياسي. ويبقى السؤال: هل ستتعامل الحكومة الصومالية وبرلمانها وشركاؤها الدوليون، أخيرًا، بالجدية اللازمة مع ما يخاطر هؤلاء الصحفيون بحياتهم من أجل توثيقه؟

المزيد من الكاتب