تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

شاعر إريتريا العالمي ريسوم هايلي.. معركة تعريف الذات والوطن الحلم

1 سبتمبر, 2025
الصورة
شاعر إريتريا العالمي ريسوم هايلي.. معركة تعريف الذات والوطن الحلم
Share

في أحد أيام عام 2003 لفظ شاعر إريتري عالمي- آخر أنفاسه مودعا ملكوت الشعر، ودنياوات القريض، بعد أن أكمل 57 عاما، وهب جلها لسلطنة الأدب، التي شكلت شخصيته الإبداعية. ذلك هو الشاعر ريسوم هايلي، الذي ولد عام 1946 في إريتريا، منحدرا من عائلة تقليدية تعمل بالزراعة.

وُلد ونشأ وتلقى تعليمه حتى المرحلة الثانوية، وبعد عمله صحفيا إذاعيا وتلفزيونيا في إثيوبيا- ترك بلاده خلفه، ويمم وجهه شطر الولايات المتحدة، حيث واصل تعليمه، فحصل على درجة البكالوريوس من كلية بابسون في ماساتشوستس، ثم حصل على درجة الدكتوراه في علم بيئة الإعلام من جامعة نيويورك. أهّله ذلك ليكون طاقم عمل على مستوى العالم في تخصصه، الذي لم يشوش على موهبته في مجال الإبداع الشعري.

ظل ريسوم هايلي في المنفى خلال حرب إريتريا من أجل الاستقلال عن إثيوبيا، التي استمرت نحو 30 عاما. وقد عمل في منفاه بالتدريس في مجال الاتصالات في كلية نيو سكول للبحوث الاجتماعية في نيويورك، كما عمل لأكثر من عقدين مستشارًا في مجال الاتصالات التنموية، إضافة إلى ذلك عمله مع وكالات الأمم المتحدة والحكومات والمنظمات غير الحكومية حول العالم قبل أن يعود إلى إريتريا عام 1994. وقد مثلت تلك العودة، التي أعقبت استقلال بلاده عن إثيوبيا عام 1991- محطة مهمة في حياته عبر عنها بقوله: "عدتُ لأجد لغاتنا وشعرنا قد تضررا بعض الشيء. لكننا حملنا لغاتنا وفنوننا في ذاكرتنا وأصواتنا، واستخدمناها بفعالية، كما استخدمنا أسلحتنا للدفاع عن أنفسنا طوال فترة النضال".

تأتي ضمن اللغات التي قصدها الشاعر ريسوم هايلي، ووصفها بأنها تضررت عندما قفل راجعا إلى بلاده- اللغة التيغرينية، إحدى لغات بلاده الأساسية، التي ظل يكتب بها شعره، ويفكر بها، وبها يتحقق انتماؤه إلى حركة متنامية من الكُتّاب الأفارقة، الذين يكتبون حاليا بلغات إفريقية، تمثل لغاتهم الأم، بدلًا من اللغات الاستعمارية: الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، أو في حالة الكُتّاب الإريتريين، الإيطالية، وحتى الأمهرية، والأخيرة لغة رئيسية فُرضت على إريتريا قبل انتصارها في حرب الاستقلال عام 1991.

ريسوم هايلي: مسيرة العبور من المحلية إلى العالمية

تشير بعض الدراسات إلى أن ريسوم هايلي كتب ألفي قصيدة بلغة التيغرينيا. وأن مجموعته الشعرية بهذه اللغة، التي حملت عنوان: "Waza ms Qum Neger nTensae Hager" (يعني حرفيا: الدعابة برفقة الجدية من أجل نهضة الوطن)- فازت بجائزة رايموك عام 1998، وهي أعلى جائزة للأدب في إريتريا. وأنه نشر ديوانين شعريين آخرين، ترجمهما عن اللغة التيغرينية إلى الإنجليزية تشارلز كانتالوبو، وهما: "لدينا أصواتنا" We Have Our Voices) 2000(، و"اخترعنا العجلة" We Invented the Wheel (2002). كل ديوان منهما ثنائي اللغة (تيغرينيا- إنجليزية). وفي هذين الديوانين تتجلى شاعرية ريسوم، وتتشكل رؤيته للعالم، والكيفية التي ينظر بها إلى الأشياء من حوله، بل تتجلى أكثر فلسفته للحب، وحبه المقاومة، وعشقه المتماهي للوطن.

كان ريسوم مغرما جدا بتنوع الموضوعات، التي تحملها قصائد شعره. كان ببساطة منحازا منفتحا لكل شيء يمكن أن يعبر عنه الشعر: الحرية والكتابة والتاريخ والجريمة والكهنة والسفر والجمال والتعليم والعودة إلى الوطن والمنفى والدين والآمال والشجاعة والأميّة والطموح والانقسام والديمقراطية... إلخ. إضافة إلى ذلك ظل في شعره ـ وفيا في الغوص في مختارات موضوعاته، ومرتكزا على ثابتين جوهريين، أولهما: أن شعره في الواقع، يمتلك حسًا سياسيًا شاملًا وحكيمًا، غير استقطابي، سهل المنال وصريح. وأنه موجود تقريبًا في كل قصيدة من قصائده. وثانيهما: موسيقاه الخاصة المستمدة من لغة التيغرينيا، التي يكتب بها.

"إن نضال إريتريا من أجل الاستقلال هو الدافع الرئيسي لفني. وإن فني ما هو إلا استمرار وامتداد لهذا النضال الهادف إلى تعريف الذات"

تحلّى شعر ريسوم بروح الدعابة، التي نجدها مبثوثة في ثنايا قصائده. مما جعل ذلك الشعر يناسب الجميع، ويفسر الشعبية الكبيرة لشعر الشاعر في إريتريا بلاده. هذه الروح التي تستعصي على الشعراء عادة، تعد عاملا رئيسيا في شهرته العالمية المتزايدة.

تحدثنا أدبيات في هذا السياق أن عروض ريسوم باللغتين التيغرينية والإنجليزية- ألهمت الجماهير في أنحاء مختلفة من إفريقيا وأوروبا وأمريكا. وتضيف تلك الأدبيات أن الجاذبية الشعبية الهائلة لشعره المطبوع، والمبثوث على الإنترنت- تتجلى من شوارع أسمرا، إلى الحقول البعيدة في الريف الإريتري، حيث يقترب منه الصغار والكبار، وجميع أنواع الأشخاص، الذين يسعدون باقتباس أبياته له.

فلا غرو إذاً بعد ذلك أن تجد أشعاره والمضامين، التي تحملها- اهتماما علميا ونقديا وتغطية إعلامية واسعة، من مختلف القنوات والفضائيات المحلية والإقليمية والدولية. وذلك أن ريسوم على الرغم من تركيزه على الثقافة الإريترية- فشعره المقاوم يتسم ببعد عالمي، كجزء من نضال الإنسانية الذي لا يقهر. وقد أعلن عن "رسالته" المتمثلة في بناء روابط بين بلدي والعالم. علاوة على ذلك يحتفي شعره بـ"ثقافة إريترية أصيلة"- تُعبّر عن "جوهر النضال الإنساني"، كما يراه، ويمكنه في الوقت نفسه أن يستمدّ إلهامًا أدبيًا عالميًا، يُحيي حقيقة أدبية بديهية. ولعل هذه الخواص هي المسؤولة عن إضافة البعد العالمي، الذي لفت الأنظار إلى منجز ريسوم الشعري.

ريسوم والوطن: تعريف الذات عبر المقاومة والاحتجاج

لم يكن الوطن بحقيقته ورمزيته موضوعا عابرا في إبداع ريسوم هايلي- فقد نَسبتْ بعض الدراسات أقوالا له في غير مقام الشعر، وقد عززت لاحقا بالشعر- تدعم هذا الخط، وتؤكد صدقيته، على شاكلة قوله: "إن نضال إريتريا من أجل الاستقلال هو الدافع الرئيسي لفني. وإن فني ما هو إلا استمرار وامتداد لهذا النضال الهادف إلى تعريف الذات". وقوله أيضا: "إن أعداء استقلال إريتريا المتعاقبين- حاولوا على مرّ السنين تعريف إريتريا بطرقٍ تبرر الإجراءات الفظيعة، التي اتخذوها لحرمانها من مكانتها البارزة". وفي سياق مشابه يضيف ريسوم "لقد حاولوا تهميش إريتريا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، حتى أصبحت مجرد تابعٍ لبناة الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والجديدة. ولكن إريتريا أثبتت قدرتها على الصمود"؛ ذلك الذي مثّل مادة ملهمة- تجلت في أشعار ريسوم الوطنية.

قالوا: يجب أن تموتوا / صدق أو لا تصدق/ يريدون قتلنا/ ويُجبروننا على الاختيار/ سنقف دائمًا/ إلى جانب شهدائنا/ لن نخسر أبدًا

وفي السياق ذاته، وارتكازا على دراسات نقدية تمت في هذا المجال- فإن شعر المقاومة لا ينفصل عن حياة ريسوم ووطنه، لقد كان، بأسلوبه البسيط، شاعرًا احتجاجيًا، يُعبّر عن الظلم، الذي لحق بوطنه إريتريا على يد من استعبدوها، وسلبوها حريتها واستقلالها.

لنستمع إلى صوت ريسوم المتهدج، يطرح أسئلة ليست الإجابة، فالإجابة تطرح مزيدا من الأسئلة- في قصيدة "صدق أو لا تصدق":

صدق أو لا تصدق/ يريدون قتلنا/ تذكروا الإيطاليين/ الذين غزونا وقالوا:/ كُلوا ولا تتكلموا/ تذكروا الإنجليز/ الذين غزونا وقالوا:/ كُلوا ولا تتكلموا/ تذكروا الأمهرا/ الذين غزونا وقالوا:/ لا تتكلموا ولا تأكلوا/ ما نزال مصدومين/ "الويانيون" غزونا/ وقالوا: يجب أن تموتوا / صدق أو لا تصدق/ يريدون قتلنا/ ويُجبروننا على الاختيار/ سنقف دائمًا/ إلى جانب شهدائنا/ لن نخسر أبدًا.

قصائد بنكهة السلام والوطن الحلم

لريسوم هايلي قصائد كثيرة تستحق التأمل، لا سيما عندما يكون القريض في حضرة السلام والطمأنينة والعشق والمرأة الإريترية والوطن الذي يحلم به. فبالإضافة إلى قصيدة "صدق أو لا تصدق"، هناك قصيدة بعنوان: "السلام قادم"، تساءل في ثناياها عما إذا كان السلام ممكنًا في إريتريا.

يقول ريسوم: أُعرّف الحياة/ بأنها وطني:/ الولادة، الروح،/ الكفاح، والموت/ أُعرّف الآخرة/ بأنها بلد الجميع:/ غير مكتشفة/ ولم يعد أحد بعد.

الشاعر هنا يساوي بين الحياة (الدنيا) ووطنه، وبين الآخرة ووطن الجميع المجهول باطنا، مُظهرا نوعا من التضاد والتقابل بشكل يكسب المعنى بلاغة ووضوحا. ويضيف إلى الصورة، التي يريد أن يبثها ألفاظا موحية: "الولادة" إشارة إلى قادم جديد، غالبا يمهد للسلام. و"الروح" كناية عن أمل يتبع السلام القادم. "الكفاح" ويرمز به إلى وجود مشقة، قد تقود إلى "الموت". وفي الوقت نفسه لا نعرف ما ستؤول إليه الأمور (لم يعد أحد بعد من الآخرة بلد الجميع)؛ ليخبرنا بما حدث، ولكن في نهاية هناك أمل بحدوث انفراجة.

أُعرّف الحياة/ بأنها وطني:/ الولادة، الروح،/ الكفاح، والموت/ أُعرّف الآخرة/ بأنها بلد الجميع:/ غير مكتشفة/ ولم يعد أحد بعد.

وقصيدة "ابنة إريتريا"، التي يقول فيها: ابنة إريتريا/ تبني وطناً/ للصغار والكبار/ سلام/ ابنة إريتريا/ تقطر عسلها/ أعظم من ذهب إريتريا/ ابنة إريتريا/ تعرف الحرب أيضاً/ تنسى الخوف/ ترتدي حزاماً واقياً/ سلام/ ابنة إريتريا/ أحبها في كل ما تفعله/ وتقطر عسلاً عليك.

لا شك أن الشاعر في عموم هذه القصيدة يجمع بين الحقيقة والمجاز، وبين الماضي (الأليم) والمستقبل (المشرق). يحدثنا عن المسؤولية المتعاظمة، التي تتفانى في رحابها المرأة الإريترية، وهي تقوم بخدمة وطنها، لذلك تستحق الإشادة، فهي تعمل بجد كالنحلة، وهي امرأة أغلى من الذهب، جربت حياة الحرب، التي نزعت منها الإحساس بالخوف. هي امرأة تمتلك الإرادة دائما لمواجهة الشدائد؛ لذلك تجد المحبة من الكل، وتنال التقدير المستحق للأدوار الجوهرية، التي تؤديها للوطن.

أما قصيدة ريسوم التي بعنوان "النشيد الأفريقي"، التي ترجمها إلى العربية بنيامين يوحنا دانيال- فيطوف فيها الشاعر في عوالم تخص وطنه الذي أحبه. يشعر القاريء، وهو يملأ روحه بتفاصيلها بإغواء القصيد، وبمتعة عشق الوطن، عندما يكنى بأم يبحث وليدها عما يليق بها، وهنا يبلغ الرمز منتهاه.

يقول ريسوم: قوس قزح، قوس قزح/ أين أنت؟/ أمي بحاجة إلى وشاح،/ يليق ببشرتها./ سيل من الألوان،/ تسترعي انتباهها./ ثوب من النور./ عبر الفلك/ مشرقا مثل وجهها/ منبجسا من الشمس./ سبعة ألوان مختلفة،/ لتظهر به المتميزة لدي/ لون واحد لا يكفي/ ولا واحد منها دون الآخر/ بل كلها مجتمعة معا./ ينبغي أن تكون جديرة بأمي./ قوس قزح، قوس قزح/ أين أنت؟/ أمي بحاجة إلى وشاح/ يلائم بشرتها.

تكتنز قصيدة "النشيد الأفريقي" برمزية عالية، وقدرات تخيلية تدعو للتأمل. يشعرك ريسوم أن في مخيلته إسقاطا لتجربة جنوب أفريقيا. فهو في هذه القصيدة يدير حوارا قصيرا مع قوس قزح، ولأنه في حاجة ملحة إليه يخاطبه مرتين (قوس قزح، قوس قزح)، وكمن يفتقده بشدة يسأله (أين أنت؟). وقوس قزح ما هو إلا رمز يدل على التعدد والتعددية (سبعة ألوان مختلفة) في مقابل الآحادية الممقوتة (لون واحد لا يكفي) و(ولا واحد منها دون الآخر)، يتطلع الشاعر إلى تلك التعددية (بل كلها مجتمعة معا). يا قوس قزح إريتريا (أمي بحاجة إلى وشاح) (يليق ببشرتها) (سيل من الألوان) (تسترعي انتباهها). أمي/ إرتيريا تستحق أن تلبس ثوب التعددية؛ لأنها تتشكل من قوس قزح (=التركيبة الإثنية)؛ فهي أجدر أن تلبس وشاحا من سبعة ألوان مختلفة، تعكس تلك التركيبة، إذ لا يناسبها ذلك الوشاح، الذي قوامه لون واحد (الحزب الواحد/ حكم الفرد).

ترك الدكتور ريسوم هايلي، شاعر إريتريا، وأول شاعر يشتهر عالميًا في بلاده- وراءه إرثًا يجعله رمزًا أدبيًا حقيقيًا للقارة؛ إرثا يستحق كثيرا من التأملات الفاحصة الواعية، والقراءات النقدية المتعمقة. فجولة في عالم شاعر متقن لفنه، يثبت كثيرا من الأمل في انحيازه للغته الأم، وفي انفتاحه على موضوعات كثيرة، عبّر عن كنهها بحسّ المبدع.