الثلاثاء 19 مايو 2026
شهدت منطقة بحيرة تشاد فصلاً جديداً من فصول التدهور الأمني الدامي، إثر هجوم مباغت شنته جماعة "بوكو حرام" على القاعدة العسكرية في "باركا تولوروم"، ما أسفر عن سقوط نحو ثلاثين قتيلاً وجريحاً في صفوف الجيش التشادي. وأكدت مصادر ميدانية أن القائمة شملت عدداً من كبار الضباط، في ضربة موجعة للمؤسسة العسكرية، حيث نُقل عشرات المصابين عبر مروحيات الإخلاء إلى العاصمة نجامينا تحت وطأة جراح بليغة.
وأثارت المشاهد المسربة لعمليات الإخلاء موجة من الانتقادات الحادة للسلطات، حيث أظهرت الصور جنوداً ينزفون على نقالات بدائية وفي وضعيات قاسية تفتقر لأدنى معايير الرعاية اللائقة، وسط فوضى تنظيمية داخل المستشفيات. واعتبر مراقبون أن تحويل هذه اللحظات المأساوية إلى مادة للبث الإعلامي الرسمي، وظهور الرئيس محمد إدريس ديبي وسط الناجين، يغلب عليه الطابع الدعائي والاستعراضي على حساب تقديم الرعاية الطبية الفورية والخصوصية التي يستحقها حماة البلاد.
وضع الهجوم الأخير الوعود الحكومية السابقة بـ "النصر النهائي" على الإرهاب في محل شك كبير، إذ يكشف تكرار هذه الاختراقات عن فجوات أمنية عميقة وتدهور مستمر في القبضة العسكرية بمنطقة البحيرة. ورغم الميزانيات الضخمة المرصودة للدفاع، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استراتيجية قاصرة لم تنجح حتى الآن في تحييد خطر الجماعات المتطرفة التي لا تزال تمتلك القدرة على المبادرة وضرب العمق العسكري.
تعكس هذه التطورات حالة من الإنهاك الذي بدأ يحل بالجيش التشادي، الذي بات يبدو غير مهيأ بشكل كافٍ لمواجهة حرب العصابات الطويلة والمستنزفة، مما يعرض القوات للخطر بشكل متزايد. وفي الوقت الذي تكتفي فيه السلطات بالخطابات الرنانة، يدفع الجنود والمدنيون على حد سواء ثمن غياب رؤية عسكرية واضحة المعالم تضع حداً لهذه السلسلة من النزيف البشري والمادي المتواصل.
لقد باتت منطقة بحيرة تشاد مسرحاً لمآسٍ متكررة تضع مصداقية الدولة على المحك، حيث تتكرر مشاهد الضحايا دون تغيير حقيقي في المعادلة الأمنية. ويطرح هذا التصعيد تساؤلات ملحة حول جدوى الخطط الحالية، ومدى قدرة القيادة السياسية على حماية وحداتها العسكرية بعيداً عن الاستعراض الإعلامي، في ظل بيئة أمنية تزداد تعقيداً وخطورة يوماً بعد يوم.