السبت 18 أبريل 2026
عادت الأديبة النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي إلى موطنها الأم في يوليو/ تموز المنصرم للترويج لروايتها الجديدة "Dream Count" (يوم أن تحصى الأحلام) لتثير قدرًا كبيرًا من الاحتفاء، وقدرًا مماثلًا من التساؤل عن سحر كتابة أديشي، الملقبة بمؤلفة "أميركانا"، وما يغلفها من حنين جارف "لأفريقيا"، كما يتضح في نقدها الناعم لمعاناة شخصياتها المكتوبة من زيف الحلم الأمريكي، وقسوة الحياة في الولايات المتحدة، وانكسار الأحلام التي كانت تحدو تلك الشخصيات على صخرة تراتبية طبقية ولونية، وربما جندرية، تضيء أديشي جوانبها من عمل لآخر في مشروعها المتماسك والممتد بدأب ملحوظ.
انتقالًا من نص سابق يتناول قضية محلية تمامًا، وصدر قبل عشرين عامًا، وهو رواية "نصف شمس صفراء" (2006) التي تناولت الحرب الأهلية النيجيرية في ستينيات القرن الماضي، وتداعياتها وسط الإيبو، إلى ما يشبه رؤية جنوب عالمية لا تخلو من إشارات طبقية واضحة، تدين الرأسمالية والاستغلال النيوليبرالي وجوهر "الحلم الأمريكي" بكل جرأة، فإن حرص أديشي على وضع شخصيات أعمالها عند مفترق طرق هامة، يظل واضحًا وكاشفًا عن ما يختلج نفوسها من مشاعر الألم والفقد، والقدرة الهشة على التعافي من الإنكسار، وهو ما يترأى في سطور "Dream Count"، ويحمل كفرًا بواحًا بهذا الحلم بعد تعريته ورصده، والتعبير عن أوجه الصدمة التي يحدثها بجرأة واضحة.
استهلت أديشي روايتها الأخيرة بجمل آسرة، كما يغلب على أسلوبها كتابة وحديثًا، جاءت على على لسان واحدة من الشخصيات الأربع الرئيسة في الرواية، وهي تشياماكا (شخصية كاتبة مرتحلة، ويعني الاسم بلغة الإيبو "الله جميل"، ويرجح أن تكون الشخصية تعبيرًا عن أديشي نفسها)؛ التي تاقت دومًا لأن تكون معروفة، بحق، لدى إنسان آخر. وتهمس "أحيانًا نعيش لسنوات بأشواق لا يمكننا تسميتها. حتى تنشق السماء وتتسع بنفوسنا وتكشفها أمامنا، كما فعلت الجائحة (كوفيد-19)؛ حيث بدأت خلال فترة الإغلاق الشامل في التمعن في حياتي وتسمية الأمور التي طالما ظلت مجهولة الاسم...".
يؤشر هذا الاستهلال إلى أجواء مغلقة ومكتومة في بقية النص، خلافًا لافتتاحية روايتها الأشهر "أميركانا" (2013) التي تنفست فيها من الكلمة الأولى شوارع مدينة برنستون "في الصيف، بلا رائحة، ورغم حب إفيميلو للخضرة البديعة البادية في الأشجار الوفيرة، وشوارع المدينة النظيفة ومنازلها الفخمة، ومحالها التي تبيع سلعًا باهظة الثمن، فإن ما راق إفيميلو حقًا كان افتقار برنستون لرائحة (مميزة)، خلافًا لبقية المدن الأمريكية التي خبرتها، مثل فيلادلفيا التي يلفها عبق التاريخ العتيق، ونيوهيفن برائحة الإهمال..." لتدخل مباشرة في العالم الأمريكي بكل دينامياته وعلاقاته التي تمضي بلا قيم إنسانية تذكر، ولاسيما الأفريقية منها، ثم تقدم لمحة بسيطة عن مدوناتها، ومنها ما ذكرته في أحدثها عن ملاحظتها لرجل أبيض تبنى وزوجته طفلًا أسودًا؛ الأمر الذي كان محل استهجان من الجيران، وجاءت مدونتها عنه بعنوان "المدراء البيض غير المهندمين من أوهايو ليسوا كما تعتقدون دومًا"، والتي حظيت بأعلى عدد تعليقات في ذلك الشهر.
"دعونا نستيقظ، لطالما تحدثنا عن التهميش السياسي (للإيبو). وفيما أنه يوجد بالفعل فإنه علينا أن نوقف ذلك النقاش حتى ننظف منزلنا. علينا أن نتحد. إن الوحدة لا تعني غياب الاختلافات- إنها قرار بأن نظل معًا رغم هذه الاختلافات"
ورغم الحيوية البادية في السطور الأولى من "أميركانا" مقارنة بتمهيد لأجواء قاتمة في "Dream Count"، فإن ما يظل حاضرًا في العملين، وفي بقية كتابات أديشي في واقع الأمر، التباس الحزن العميق والمكتوم بشخصياتها، مع استثناء لحظات نزق شعوري ضاغطة، وكاشفة برفق لما تعانيه من تيه وعدم قدرة على التكيف مع العالم المحيط بها.
تتعامل أديشي في روايتها الأخيرة مع مسائل مثل الهجرة والعدالة والعائلة، وأنجزت فيها، حسب الناقدة كيت بيرتنر (C. Burtner)، حكيًا متماسكًا ورائعًا، غير أن شخصيات العمل المشتتة، وبناء العمل المفكك يخلق فجوات تؤدي في النهاية إلى تراجع حجم التوقعات المرجوة من الرواية .
تنقسم الرواية إلى أربعة أقسام تحمل عناوين أربعة شخصيات لنساء؛ ثلاثة نيجيريات وغينية واحدة، وهن –إضافة إلى تشياماكا- المحامية زيكورا (صدرت لأديشي عام 2020 قصة قصيرة منفردة تحمل اسم زيكورا، والتي نقلت حرفيًا بين دفتي الرواية الحالية؛ مما يعزز فرضية بيرتنر بتفكك العمل شكلًا إلى حد ما)، وأوميلوجور Omelogor (ابنة عم تشياماكا)، ومدبرة المنزل كادياتو (الغينية).
مثلت حالة الإغلاق الشامل ووجود الشخصيات الأربعة في مكان واحد لفترة طويلة نسبيًا خلفية ملائمة للاسترسال في السرد؛ مع قدر من الإطالة والتكرار الملحوظ والجمل الحوارية المتوقعة و"الآلية" في العمل الأخير، وهو ما لاحظه نقاد كُثر. وكما الحال في كتابات أديشي، يلاحق الفشل في تحقيق "الحلم الأمريكي" شخصياتها؛ وتتجسد هنا بشكل واضح في مواقف هذه الشخصيات من صناعة "الإباحية الجنسية" (pornography) الرائجة في الولايات المتحدة، وسياقاتها الاجتماعية، والخلاف الحاد الذي نشب بين أوميلوجو (التي كانت تحيا حياة مرفهة في أبوجا) ومشرفتها الأكاديمية "الأمريكية" في الجامعة على أطروحة الأولى بخصوص هذه الصناعة، وتصورها كوسيلة للاستغلال، فيما تلمح المشرفة للطابع "التحرري" لهذه الصناعة، وعجز أوميلوجو عن الفكاك من عطن الحياة الأكاديمية (حيث تعجز عن استبدال المشرفة لاحقًا، ولا تستطيع في الوقت نفسه الفكاك من رؤيتها للموضوع)، وضوابطها التراتبية المفرطة في السيطرة، والتي تكرس الهيمنة المعرفية.
مشروع أديشي الراهن، وفي محطته الأحدث "يوم أن تحصى الأحلام"، يكتسب أهميته من التماهي مع مفردات عالم المهجر الأفريقي وتحدياته في مواجهة مجتمع متوحش بشكل فج ومباشر، ومتربص بعنصرية لونية وطبقية للانقضاض على أي طموح لشخص أسود
إلى جانب هذا القمع الأكاديمي، وما استدعاه من إطلاق حوارات فكرية معمقة حول قضايا الرأسمالية والماركسية والطبقة وغيرها في سطور الرواية، انشغلت الأخيرة بتجسيد هذه الجوانب عبر حكاية كادياتو، وهي عاملة بالفنادق من غينيا، جاءت طالبة للجوء في الولايات المتحدة، واستلهمت أديشي حكايتها من حادثة اتهام المهاجرة الغينية –أيضًا- نفيساتو دياللو التي كانت عاملة تنظيف في فندق فاخر بمدينة نيويورك، واتهمت عام 2011 دومنيك ستروس-كاهن، رئيس صندوق النقد الدولي حينذاك- بالاعتداء جنسيًا عليها، ووجهت له اتهامات بمحاولة اغتصابها قبل إسقاط هذه الاتهامات في أغسطس/آب من العام نفسه؛ فيما عمدت الميديا الأمريكية لوصم دياللو بشكل منهجي بأنها كاذبة وداعرة. وتسرد أديشي حكاية "كادي" بعد هذه الحادثة ومعاناتها في وسط المجتمع الأمريكي.
لم تخل الرواية من التعرض لثنائيات الثقافة التقليدية (المشتركة هنا بين الإسلام والثقافة الأفريقية) والرغبة في الانفصال عنها، بشكل أو بآخر، في موقف زيكورا بعد إنجابها مولودًا ذكرًا من أب هجرها بالفعل رغم محبتها العميقة له، ورفضها ختانه رغم إصرار والدتها المرافقة لها على ختان الطفل بمجرد تصريح الطبيب بإمكانية ذلك.
عبرت أديشي في جمل حوارية قصيرة عن هذه الثنائية، قطعتها جمل وصفية بديعة لمعاناة زيكورا جراء حبها المرضي للأب الغائب. ووصفت زيكورا، المتطلعة لحياة متحررة من الألم والفقد على الأقل ظاهريًا، الختان بأنه (طقس) همجي.. وكيف أنها "تذكرت منشورًا على موقع خاص بالحمل نصه "أنتم أيها الأمريكيون قد تختنون أطفالكم الرضع، لكننا لا نقوم بمثل هذه الهمجية. إننا لا نلحق ألمًا غير ضروري بأطفالنا. والسبب الوحيد لتسامحنا إزاء كل ذلك هنا هو أننا لا نريد أن نُتَهم بكراهية الإسلام islamophobic"، بينما واصلت أمها الحرص على ختان حفيدها، وهو الأمر الذي تم في نهاية الأمر بعد توقيع زيكورا على استمارات الختان حتى لا يكون ابنها مختلفًا عن أقرانه مستقبلًا، حسب نصيحة إحدى الممرضات.
ليس مفاجئًا أن تحمل شخصيات الروائية أديشي الرئيسة الكثير من روحها وتجربتها الشخصية. كما لا يخفى أن لأديشي رجحان عقل كبار الكتاب، وأن ترقب أن تصبح وريثة الروائي النيجيري الأبرز تشينوا أتشيبي يقوم على أسس راسخة، مثل ذيوع مؤلفاتها وأصالتها، وقدرتها على التواصل مع الثقافتين النيجيرية والغربية.
دشنت أديشي جولتها النيجيرية للترويج لروايتها الأخيرة في مدينة إنوجو بجنوب شرق البلاد، حيث ولدت بها أديشي عام 1977 لأبوين يعملان في جامعة نيجيريا، وخلال فعاليات "يوم الأشياء تتداعى" (Things Fall Apart Day) الذي يعقده سنويًا "مركز الذكريات" بالمدينة احتفاء بعمل أتشيبي الأشهر الذي تدور أحداثه في قرية أوموفيا بإقليم الإيبو. وحسب منظمي المؤتمر فإن عمل أديشي يناقش (من خلال سيرة النساء الأربع) قضايا حول الحب والهوية في آن. بينما ركزت أديشي حديثها خلال وجودها في نيجيريا على ضرورة الحفاظ على لغة الإيبو وثقافتهم وهويتهم، تمامًا كما دعا أتشيبي في روايته التي صدرت قبل نحو سبعة عقود كاملة.
ولئن نجحت رواية أتشيبي في تحقيق تقدير عالمي نادر للرواية الأفريقية في فترة مبكرة نسبيًا، وبسبب إغراق الأولى في تفاصيل محلية لإحدى قرى الإيبو، وتصويب كثير مما يساء فهمه عن أفريقيا، فإن مشروع أديشي الراهن، وفي محطته الأحدث "يوم أن تحصى الأحلام"، يكتسب أهميته من التماهي مع مفردات عالم المهجر الأفريقي وتحدياته في مواجهة مجتمع متوحش بشكل فج ومباشر، ومتربص بعنصرية لونية وطبقية للانقضاض على أي طموح لشخص أسود، وفد من خارج هذا المجتمع (بغض النظر عن عدم تاريخانية هذا الادعاء). وقد نجحت أديشي في تقديم سرد ناعم، ولئيم ربما، لمثل هذه العنصرية، وإن جنحت إلى تعميقها على مستوى التمييز النسوي أو الجندري.
يبدو أن لأديشي توجهًا قويًا لتأكيد تميز مجتمع الإيبو (الذي تناولته في عملها الشهير "نصف شمس صفراء" قبل نحو عقدين)، والدفاع عنه ضد ما وصفته بالتهميش السياسي والاقتصادي المستمر، فإنها من أهم المدافعين عن وحدة نيجيريا، واندماج مكوناتها الإثنية والسياسية داخل هذه الوحدة، أو حسبما قالته في خطاب الاحتفاء بكتابها: "دعونا نستيقظ، لطالما تحدثنا عن التهميش السياسي (للإيبو). وفيما أنه يوجد بالفعل فإنه علينا أن نوقف ذلك النقاش حتى ننظف منزلنا. علينا أن نتحد. إن الوحدة لا تعني غياب الاختلافات- إنها قرار بأن نظل معًا رغم هذه الاختلافات".
بقراءة أعمق لعمل أديشي يلاحظ أن تداعي الحلم الأمريكي، ووقوع فشل متكرر يحول دون تحقيق شخصيات كتاباتها لطموحها في المهجر، واستمرار حالة فقد وولع بحلم لا يتحقق، شعوريًا ومهنيًا، قد يؤشر إلى عمق إنسانية أعمال أديشي وتفسيرها في مستويات متعددة تتخطى نزعة النسوية ونقد الطبقية والعنصرية الخافتة في المجتمع الأمريكي، إلى ضرورة فهم ما تطرحه من تفكيك لأسس هذه الطبقية والعنصرية، وتجاوزها "لحظة الولع" عند الانتقال من أفريقيا إلى العالم الغربي، إلى تقديم رواية أفريقية عميقة وأصيلة تفسر هذا الانتقال على أنه انتقال من غابة، بكل اتساع أفقها ودينامية الحياة فيها رغم قسوتها البادية، إلى حديقة حيوان خانقة توضع فيها "مجموعات الحيوانات" في أقفاص وسياجات محكومة بدقة، وتعج بالقسوة والألم الذي لا ينتهي (دون أي مجاز في ذلك، كما يتضح من حكايات أديشي)، رغم ما قد يبدو من جماليات التصميم والتنسيق والوفرة.