السبت 18 أبريل 2026
يثير مقال جوشوا ميسيرفي المنشور بعنوان سبع مغالطات حول الدعم الأمريكي لصوماليلاند نقاشًا عميقًا حول أحد أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الدولية: مستقبل الدولة الصومالية، وحدود التدخل الخارجي في رسم ملامح الدول الهشة. المقال لا يكتفي بنقد الموقف الرسمي للحكومة الصومالية ممثلة بسفيرها في واشنطن، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك ما يصفه بـ الأوهام السياسية التي بنيت عليها السياسة الأمريكية في المنطقة منذ عقود.
يتعامل المقال بصرامة مع الخطابات الرسمية التي تروّج لوحدة أراضي الصومال، وكأنها حقيقة قائمة، في حين أن الواقع الميداني يناقض ذلك تمامًا. فالانقسامات الداخلية، وضعف الحكومة المركزية، واستمرار هيمنة الجماعات المسلحة مثل حركة الشباب، بالإضافة إلى الانفصال الفعلي لصوماليلاند، جميعها مؤشرات على فشل نموذج الدولة المركزية في السياق الصومالي. من هذا المنطلق، يدعو الكاتب إلى تبني سياسة أمريكية واقعية تعترف بتعقيدات المشهد، بدلًا من الإصرار على دعم كيان موحد لم يعد موجودًا إلا في الخرائط.
صحيح أن مقال ميسيرفي لا يدعو صراحة إلى الاعتراف باستقلال صوماليلاند، لكنه يُمهّد لهذا الطرح من خلال نزع الشرعية عن الحُجة القائلة بأن الاعتراف بها يمثل تهديدًا لوحدة الصومال. يرى الكاتب أن صوماليلاند تمارس منذ عقود سيادتها على أرضها، وتملك مؤسسات حكم فعّالة، وتتمتع باستقرار نسبي لا يقارن بالوضع المضطرب في الجنوب. وفي ضوء ذلك، يتساءل: لماذا تصرّ الولايات المتحدة على تجاهل هذا الواقع، والاستمرار في دعم حكومة مركزية بالكاد تسيطر على أجزاء من العاصمة؟
لم تعد الدولة الصومالية المركزية موجودة إلا في الخرائط.
ما يميز المقال هو توازنه في النقد؛ فهو لا يكتفي بتفنيد مبررات السفير الصومالي، بل يحمّل واشنطن أيضًا مسؤولية الفشل في القرن الأفريقي. يصف الكاتب السياسة الأمريكية تجاه الصومال بأنها تقوم على الراحة السياسية لا على الحقائق، وأنها لم تنتج أي استقرار حقيقي في المنطقة. فهل تستمر واشنطن في تمويل مشاريع وهمية لبناء دولة صومالية مركزية لا يريدها المجتمع المحلي أصلًا؟ أم تُعيد النظر في مقاربتها بما ينسجم مع البُنية الاجتماعية القبلية والواقع الميداني؟
يعيدنا هذا المقال إلى سؤال جوهري: هل يُبنى الاستقرار في الدول الهشّة على الأمنيات والرموز الوطنية، أم على قراءة واقعية للتركيبة الاجتماعية والسياسية؟ يرى ميسيرفي أن الوقت قد حان لسياسة أمريكية أكثر واقعية في الصومال، تعترف بالانقسامات بدلًا من إنكارها، وتدعم الحلول اللامركزية أو الفدرالية، بل وربما الاعتراف بأمر واقع مثل استقلال صوماليلاند، إذا ما توافرت له مقومات الدولة.
من المؤكد أن مثل هذا الطرح يثير الجدل، لكنه أيضًا يفتح نقاشًا ضروريًا حول نجاعة السياسات التقليدية، وجدوى الإصرار على دعم دولة لم تعد موجودة فعليًا. فهل تصغي واشنطن أخيرًا لأصوات الواقع؟
كتب السفير الصومالي لدى الولايات المتحدة - في ظل تقارير تشير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب قد تنظر في الاعتراف بمنطقة صوماليلاند الساحلية ذات الحكم الذاتي دولة مستقلة عن الصومال - ظاهر حسن عبدي، مقال رأي يزعم فيه بأن على الولايات المتحدة دعم وحدة الدولة الصومالية.
الواقع على الأرض يقول إن صوماليلاند تمارس منذ عقود سيادتها، وتتمتع باستقرار يتفوق على باقي البلاد.
لكن حُجج السفير تستند إلى عدد من المغالطات، وفيما يلي توضيح لها:
أولا: الصومال يتمتع حاليًا بوحدة الأراضي، والاعتراف بصوماليلاند سيؤدي إلى كسر هذه الوحدة.
الواقع أن الحكومة الصومالية لا تسيطر على كامل أراضي البلاد؛ فحركة الشباب الإرهابية تسيطر على أجزاء منها، وصوماليلاند ليست فعليًا جزءًا من الدولة الصومالية منذ عقود. كما أن بونتلاند وجوبالاند كثيرًا ما تتحدى سلطة مقديشو، وبالتالي فإن هذه الحجة تستند إلى واقع زائف.
ثانيا: الشراكة الأمريكية الصومالية عززت الاستقرار الإقليمي.
في الحقيقة، لا يزال الإقليم يعاني من حالة من عدم الاستقرار منذ عقود.
ثالثا: الطموحات القائمة على العشيرة تهدد تماسك الدولة الصومالية.
لا يوجد تماسك وطني حقيقي قابل للانهيار، إذ لا تزال العشائر هي المبدأ الأساسي لتنظيم المجتمع الصومالي. بدلًا من إنكار هذه الحقيقة، يجب أن يبني الصوماليون نظامًا لامركزيًا يأخذ في الاعتبار الولاء الأول للعشيرة. ويجب على الولايات المتحدة وشركائها التوقف عن التظاهر بإمكانية نجاح حكومة مركزية قوية في الصومال.
السياسة الأمريكية في القرن الأفريقي لم تُبنَ على حقائق، بل على أوهام مريحة.
رابعا: يجب على الولايات المتحدة أن تظل ملتزمة بسيادة الصومال ضمن حدود عام 1960 المعترف بها؛ وهي سياسة دائمة ساعدت في استقرار منطقة حيوية استراتيجيًا في العالم.
هذه من أغرب مزاعم السفير عبدي، إذ كانت الصومال من أقل دول العالم استقرارًا منذ عام 1969، وقد أسهمت بشكل كبير في زعزعة استقرار المنطقة. إن السياسة الأمريكية القائمة على وهم الوحدة الصومالية أثبتت فشلها.
خامسا: صومال مقسّم سيصرف الحكومة المركزية عن عمليات مكافحة الإرهاب ويقوض النجاحات المحققة.
الصومال مقسّم بالفعل. إضافة إلى ذلك، تسمح الحكومة في مقديشو لنزاعات سياسية تافهة بصرف انتباهها عن محاربة حركة الشباب. وقد أثبتت مرارًا وتكرارًا أنها ليست شريكًا كفؤًا في مكافحة الإرهاب للولايات المتحدة.
سادسا: يمكن لصومال موحد أن يعزز الشفافية، ويجذب الاستثمارات المسؤولة، ويضمن استفادة شعبه من الموارد – مع توفير بيئة مستقرة تخدم المصالح الأمريكية.
لا تستطيع الحكومة الصومالية تحقيق هذه الأهداف الطموحة لأنها لا تملك السيطرة الكاملة على البلاد. ويُظهر التاريخ أن الصومال سيظل منقسمًا في المستقبل القريب. كما أنه من غير الواضح أن الوحدة ستؤدي تلقائيًا إلى الشفافية أو الحكم الرشيد، وهما أمران لا توفرهما الحكومة الحالية.
هل آن الأوان لسياسة أمريكية تعترف بالواقع بدلاً من الهروب منه؟
سابعا: من خلال مساعدة الصومال على تقوية مؤسساته، وتعزيز قواته الأمنية، وتشجيع حوار سياسي شامل، تضمن الولايات المتحدة أن تثري الانتماءات العشائرية الهوية الوطنية بدلاً من تقسيمها.
لقد بُنيت السياسة الأمريكية على هذا المبدأ لأكثر من عقد، لكنها لم تنجح. فما الذي تغير الآن ليجعلها تنجح فجأة؟
في جوهر الأمر، تعتمد حجج السفير – وكذلك سياسة واشنطن الحالية تجاه الصومال – على أوهام: أن الصومال موحد سياسيًا واجتماعيًا، وأن الحكومة الحالية تساهم في الاستقرار الإقليمي، وأن أفعال مقديشو مفيدة للمصالح الأمريكية.
لا يمكن لواشنطن تحقيق أهدافها في القرن الأفريقي دون الاعتراف أولًا بالواقع، ووضع سياسات تعكس هذا الواقع بدلاً من التمسك بأوهام مريحة.
المقال الأصلي هنا