السبت 6 ديسمبر 2025
بعد أسابيع من إعادة انتخابها في اقتراع أثار واحدة من أعنف موجات القمع السياسي في تاريخ البلاد، تتحرك الرئيسة التنزانية سامية صولحو حسن لتعميق شراكات بلادها مع الصين وروسيا، في وقت تشهد فيه العلاقات مع العواصم الغربية توتراً متصاعداً وانتقادات حادة لسجلها الحقوقي.
وتعرضت الحكومة لانتقادات دولية واسعة بعد الانتخابات الرئاسية في 29 أكتوبر/تشرين الأول، التي فازت فيها سامية بنسبة تقارب 98%، وسط استبعاد مرشحي المعارضة الرئيسيين، واتهامات بالتلاعب واعتقالات واسعة أعقبت احتجاجات في مدن عدة. منظمات حقوقية ومعارضة محلية تحدثت عن مقتل مئات المتظاهرين، فيما وصفت تقارير دولية ما جرى بأنه أقرب إلى ”لحظة تيانانمن“ في تاريخ تنزانيا الحديث.
على خلفية هذه الأحداث، أعلنت الرئيسة تشكيل لجنة تحقيق في أعمال القتل خلال الاحتجاجات، تحت ضغط من الأمم المتحدة وحكومات غربية طالبت بكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين. كما بدأت دول غربية، بينها الولايات المتحدة، بمراجعة سياستها تجاه دار السلام، مع فرض قيود وإرشادات سفر أكثر تشدداً، في تطور وصفته تقارير متخصصة بأنه أول مؤشر على “تكلفة سياسية واقتصادية” لنهج القمع بعد الانتخابات، في بلد يعتمد نحو 17% من ناتجه المحلي على السياحة.
في المقابل، التزمت بكين وموسكو خطاباً مختلفاً تماماً. فالصين سارعت إلى تهنئة سامية بفوزها، وأكد الرئيس شي جين بينغ في رسالة رسمية أنه ”يولي أهمية كبيرة لتطوير العلاقات الصينية–التنزانية“، مع التعهد بمواصلة تعميق ”الشراكة الاستراتيجية الشاملة“ بين البلدين.
وتأتي التهنئة في سياق مسار تصاعدي للعلاقات الثنائية؛ إذ سبق أن أعلن الجانبان في 2022 رفع مستوى العلاقات إلى “شراكة استراتيجية تعاونية شاملة”، مع حزمة اتفاقات بنية تحتية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، شملت خصوصاً استعادة تنزانيا موقعها كشريك رئيسي في المبادرة.
وخلال الأشهر الأخيرة، وقعت الصين وتنزانيا وزامبيا اتفاقاً بقيمة 1.4 مليار دولار لإعادة تأهيل خط سكة حديد تنزانيا–زامبيا (TAZARA)، الذي بُني في السبعينيات لربط حقول النحاس في زامبيا بميناء دار السلام. ويُنظر إلى المشروع اليوم كأداة مركزية في ربط الممرات التعدينية في الجنوب الأفريقي بالموانئ التنزانية، ضمن رؤية صينية أوسع للسيطرة على سلاسل إمداد المعادن الحيوية.
أما على المسار الروسي، فقد شهد يوليو/تموز الماضي تدشين محطة تجريبية لمعالجة اليورانيوم في مشروع نهر مكوغو جنوب تنزانيا، تديرها شركة “مانترا تنزانيا” التابعة لمجموعة “روس آتوم” الروسية، بحضور الرئيسة سامية. وتهدف الخطة إلى إطلاق أول منجم يورانيوم تجاري في البلاد بحلول 2029، بطاقة قد تصل إلى 3 آلاف طن سنوياً، ما يضع تنزانيا على خريطة الموردين العالميين للوقود النووي.
بالتوازي، تستعد شركة ”غازبروم“ الروسية لتوسيع حضورها في سوق الغاز التنزاني عبر استثمارات في محطات الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) وتزويد شاحنات ومحطات تعبئة متنقلة، في خطوة تهدف للاستفادة من توجه الحكومة نحو التوسع في استخدام الغاز كوقود منخفض الكلفة مقارنة بالمحروقات التقليدية.
وتعزز هذه المشاريع صورة تحالف متنامٍ بين دار السلام وموسكو، خاصة مع تصريحات رسمية روسية وتنزانية متكررة تشيد بـ”تاريخ طويل من العلاقات السياسية“ بين البلدين وتسعى لترجمتها إلى تعاون أعمق في الطاقة والتعدين.
داخلياً، ترافقت إعادة انتخاب سامية مع تعديل حكومي بارز، شمل تعيين السفير السابق في بكين، خميس موسى عمر، وزيراً للمالية، في خطوة قرأها مراقبون على أنها إشارة إضافية إلى أولوية الشراكة مع الصين في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع حاجة تنزانيا إلى تمويل مشاريع كبرى في الغاز والسكك الحديدية والموانئ.
ويرى محللون أن الرئيسة تحاول عبر توثيق العلاقات مع بكين وموسكو تعويض جزء من الضغط الغربي، والحصول على تمويل واستثمارات بمشروطية سياسية أقل، لكن ذلك يهدد في الوقت نفسه بتعميق اعتماد تنزانيا على شركاء قد لا يمنحون ملف حقوق الإنسان والديمقراطية الوزن ذاته الذي تعطيه له العواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية.
وبينما تواصل الحكومات الغربية المطالبة بتحقيق شفاف في قتلى الاحتجاجات وإصلاحات سياسية وقضائية أعمق، يبدو أن دار السلام تراهن على مزيج من التهدئة المحدودة في الداخل، وتوسيع هوامش المناورة الخارجية مع قوى كبرى غير غربية، لتجاوز أخطر أزمة شرعية تواجهها البلاد منذ عقود.