تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

ساحل الأزمات: هل تنجو السنغال من الفوضى؟

23 نوفمبر, 2025
الصورة
ساحل الأزمات: هل تنجو السنغال من الفوضى؟
Share

تدخل المنطقة التي تعرف باسم "الساحل الأفريقي" مرحلة جديدة من الاضطراب. من نيجيريا التي تتصاعد فيها أعمال العنف ضد المسيحيين إلى مالي، التي يحاصر المسلحون عاصمتها منذ أسابيع. لكن الإرهاب ليس الأزمة الوحيدة، التي تواجه هذه الدول، حيث تواجه أغلبها حالات متفاوتة من التجاذب السياسي والتنازع حول شرعية الأنظمة.

تتشارك هذه البلدان في أنها متنازعة بين تيارين، يرى الأول أنه قد آن الأوان للتخلص من التبعية الغربية وتحقيق استقلال حقيقي، وهو تيار يحظى بالشعبية، لكنه مكروه من قبل الدول، التي لم تعتد على التعامل بندية مع الدول الأفريقية، وتيار آخر يرى أن المصلحة تكمن في الطريقة التقليدية، التي تجعل هذه الدول تدور في فلك المستعمر ولا تخرج عن طوعه.

من بين الدول، التي يمكن أن تكون مثالاً جيداً للتنازع بين هذين التيارين السنغال. هذه الدولة، التي ظلت تحظى باستقرار سياسي، وبعلاقة خاصة مع فرنسا حصل فيها تحول مهم، حيث بدأت مع وصول الرئيس بشير أو باسيرو فاي للسلطة في النأي بنفسها عن المستعمر القديم بشكل واضح، لدرجة أن البعض أطلق شائعة العام الماضي مفادها أن الدولة بصدد استبدال اللغة الفرنسية باللغة العربية.

الاسمان المهمان على الساحة السياسية السنغالية هما: الرئيس باسيرو فاي ورئيس وزرائه عثمان سونكو، ويجمع بينهما الانتماء لحزب "باستيف"، الذي يمثل الاتجاه المناوىء للمظلة الفرنسية، والذي نجح في كسب الانتخابات وفي خلافة الرئيس السابق ماكي سال.

هناك خطر جديد بدأ يلوح في الأفق، خلال الأشهر الماضية، وهو خطر يهدد الرئيس فاي بالتأكيد. لكنه يهدد في المقام الأول استقرار البلد ونظامه السياسي، وهي تلك الرغبة الواضحة لدى سونكو في فرض تصوراته المتطرفة

عثمان سونكو، المعتقل السابق والمناوىء الأشهر لماكي سال، كان يظهر تشدداً أكثر من فاي فيما يتعلق بالعلاقة مع فرنسا، لدرجة أن سال نجح، باستخدام القضاء المسيّس، في حرمانه من دخول المعركة الانتخابية.

اتبع فاي بالمقابل سياسة عقلانية، فهو من ناحية لم يخفي رغبته في التحرر من الهيمنة الفرنسية، إلا أنه في الوقت ذاته لم يكن يريد أن يدخل بلاده، التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية في تحدٍ مباشر مع فرنسا، على غرار ما فعلت الدول، التي أسفرت عن عدائها لباريس عبر طردها، وتحجيم مصالحها.

على عكس سونكو، الذي كان يبدو في خطاباته الجماهيرية مستعداً للمواجهة، خاصة حينما يبدأ في التساؤل عن مصير القواعد العسكرية الفرنسية ومدى فائدتها، وكذلك عن ضرورة تعديل الاتفاقيات والعقود التجارية والاقتصادية، فإن فاي كان يظهر حكمة تعود لقناعته بأن فرنسا لن تنسحب بهدوء، وبشكل كامل، من هذا البلد دون أن تحدث فيه أضرار وخسائر، قد تكون البلاد غير قادرة على احتمالها.

فاي كان يعلم أنه مواجه بأخطار على مستويات مختلفة. الدول الغربية، التي تتابع تجربته بقلق ودول الجوار، التي تتربص به وبتجربة بلده الديمقراطية، وأيضاً هناك التحدي الداخلي، حيث اللوبيات، التي ربطت نفسها بشكل تاريخي مع المصالح الفرنسية.

إلا أن هناك خطراً جديداً بدأ يلوح في الأفق خلال الأشهر الماضية، وهو خطر يهدد فاي بالتأكيد، لكنه يهدد في المقام الأول استقرار البلد ونظامه السياسي، وهي تلك الرغبة الواضحة لدى سونكو في فرض تصوراته المتطرفة.

يرى سونكو ومساندوه أن الشعب انتخبهم لاقتناعه ببرنامجهم القائم على المواجهة والتحدي، وأن في خضوع الرئيس لما يعتبرها إكراهات الواقع، التي تدفعه لاتخاذ مواقف من بينها تعطيل محاكمة الرئيس السابق ومساعدته على الإفلات من العقاب على تهم الفساد والتخابر وقتل المتظاهرين خيانة لمشروع باستيف.

الجدير بالذكر هنا أن سونكو كان الاسم الأبرز في "باستيف"، وأن الرجل هو من ساهم في قبول الناخبين بترشح فاي، حينما أعلن عن دعمه له مرشحا ورئيسا للحزب، بعدما تعذرت مشاركته.

يعتبر أنصار سونكو أن منصب رئيس الوزراء، الذي يشغله الآن، هو أقل من إمكانياته السياسية وأنه، وحتى إن كان رضي بذلك تواضعاً، فإنه يجب على الرئيس أن يستمع إليه، وأن يقبل برؤيته.

الاتجاه الراديكالي، الذي يساند سونكو، لا يخفي استياءه من طريقة عمل فاي، فهم يرون أن لا شيء تغير في البلاد، وأن رئيسهم المنتخب يظهر حرصاً مبالغاً فيه على المصالح الفرنسية، وهو ما تؤكده زياراته المتعددة لباريس ولعواصم أفريقية معروفة بموقفها الحازم ضد التيار المناهض لفرنسا.

كان سونكو الاسم الأبرز في "باستيف"، وأن الرجل هو من ساهم في قبول الناخبين بترشح فاي، حينما أعلن عن دعمه له مرشحا ورئيسا للحزب، بعدما تعذرت مشاركته

النقاش الآن يدور حول سؤالين كبيرين، أحدهما: هل كان فاي موفقاً في سياسته، وهل يمكن أن نجد له العذر، لأننا نعلم أن الوضع يختلف بشكل كبير ما بين أن تكون مجرد ناشط، وأن تكون رئيساً مسؤولاً عن ملايين المواطنين؟ أما السؤال الآخر، فهو كيف يمكن أن تشكل البلاد سياستها الداخلية والخارجية في ظل تبني قيادتها لموقفين متناقضين.

سونكو يدعو على سبيل المثال لتفكيك منظمة "إيكواس" الإقليمية، التي يراها مجرد ذراع للمصالح الفرنسية، وإلى تغيير عملة "فرانك سيفا" الاستعمارية، بينما يظل فاي متمسكاً بموقفه المعارض لهذا الاتجاه الثوري، الذي يمضي إلى درجة البحث عن سبل تقارب مع دول المقاومة المجاورة، أو إلى التدخل المباشر لدعم مالي في مواجهة الإرهاب.

فاي حاول أن يمسك العصا من المنتصف وأن لا يخسر أي طرف، فقد سعى للاحتفاظ بعلاقة طيبة مع منظمة "إيكواس" ومع الدول، التي خرجت عن المنظمة وصنعت رابطة خاصة بها تحت اسم "تحالف الساحل". أراد فاي أن يساعده هذا في التوسط بين الجانبين، وفي نزع فتيل التوتر بين دول المنطقة، لكن جهوده لم تثمر عن شيء، بل مضت الأمور على عكس ما أراد، حيث بدأ الجميع ينظرون إليه بتشكك نظرتهم لزعيم لم يختر معسكره بعد.

المقلق في الأمر هو أن هذا الحال لن يستمر طويلاً، فإما أن ينجح الزعيمان في التوافق على رؤية واحدة حول إدارة ملفات البلاد، وإما أن نصل في نقطة ما إلى حد تفكير أحدهما في إقصاء الآخر. إما سونكو، الذي يمكنه الاتكاء على إرثه السياسي وشعبيته الكبيرة، وإما فاي، الذي يمكنه في المقابل أن ينطلق من شرعيته الانتخابية.

ولادة تحالف "جوماي فاي رئيساً" ربما يكون خطوة في طريق فك الارتباط بين الرجلين، حيث لجأ فاي لاختيار شخص آخر ليدير هذا الجسم الجديد، الذي يهدف بالأساس للتحضير لولاية ثانية.

يعتبر أنصار سونكو أن منصب رئيس الوزراء، الذي يشغله الآن، هو أقل من إمكانياته السياسية وأنه، وحتى إن كان رضي بذلك تواضعاً، فإنه يجب على الرئيس أن يستمع إليه، وأن يقبل برؤيته

الظروف السياسية المعقدة، التي مُنع سونكو بموجبها من الترشح، فرضت شخصية فاي ممثلا لاتجاه "باستيف"، لكن المطلوب كان أن يتنحى بعد الولاية الأولى من أجل منح الفرصة لسونكو، أو هذا ما فهمته الجماهير، التي كانت متعلقة بشخصية سونكو بشكل أكبر.

لا تخفى رغبة فاي في التمسك بالسلطة، كما أن سلوكه المعتدل وخشية الدوائر الإقليمية من تصدر سونكو وتياره الراديكالي للمشهد قد يدفعان القوى الدولية، وعلى رأسها فرنسا، إلى دعمه والتمسك به شريكا مقبولا، خصوصا إذا ما ابتعد أكثر عن "الأصوات المتطرفة" وعن رفاقه القدامى، وعمل على تحجيمهم وإضعافهم.

باستخدام شرعيته وسلطته يمكن لفاي القيام بأشياء كثيرة لإقصاء سونكو على رأسها توظيف القضاء ضده وترسيخ الأحكام، التي يواجهها بالفعل، والتي تمنعه من الترشح للرئاسة، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فالأكيد أنه سيتم استقبال مثل هذه الإجراءات بردود فعل عنيفة من قبل أنصار سونكو، وهو ما قد يهدد بدخول البلاد في دائرة من العنف والفوضى.