تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

ساحل العاج والكاميرون.. الصندوق في مواجهة أعرق السلطويات في أفريقيا

24 أغسطس, 2025
الصورة
ساحل العاج والكاميرون.. الصندوق في مواجهة أعرق السلطويات في أفريقيا
Share

مطلع الخريف القادم، تشهد كل من ساحل العاجل والكاميرون في منطقة غرب أفريقيا انتخابات عامة حاسمة ومصيرية، فما تخلل مسلسل الإعداد والتحضير حتى الأن في كلا البلدين يشي بالكثير، بذلك يضع هذا المنعطف الانتخابي الاستقرار هناك على المحك، رغم تباين التجربة السياسية في المستعمرتين الفرنسيتين.

يشترك البلدان في أكثر من عنصر لدرجة أن الكتلة الناخبة المدعوة للمشاركة في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول شبه متقاربة؛ ساحل العاجل 8,7 ملايين ناخب مقابل 7,9 مليون ناخب في الكاميرون. كما أن قصة الاستبداد والسلطوية ذاتها تتكرر في كلا البلدين، رغم الاختلاف في بعض التفاصيل ما بين السياق الكاميروني والإيفواري.

كل ذلك يجعل من اقتراع أكتوبر/ تشرين الأول المقبل موعدا مفصليا، بالنظر لما تشهده المنطقة من تحولات ناعمة (السنغال) وأخرى خشنة (مالي وبوركينافاسو والنيجر) في الأنظمة القائمة. ما حدا بمراقبين وخبراء إلى توقع أثر الفراشة في هذه المحطة الاستثنائية، ما يفسر تحرك الأنظمة الحاكمة في أبيدجان وياوندي لضبط المشهد السياسي مبكرا درءا لأي مفاجئة من شأنها خلط الأوراق.

ساحل العاجل.. شبح العنف الانتخابي في الأفق

شكل إعلان الرئيس الحسن واتارا (83 عاما) الترشح لولاية رئاسية رابعة في 29 يوليو/ تموز الماضي شرارة أزمة سياسية في البلاد، تنذر بعودة شبح العنف الانتخابي الذي أودى بحياة أكثر من 3 آلاف قتيل في أعقاب انتخابات 2010، حين رفض الرئيس لوران غباغبو آنذاك الإقرار بالهزيمة، وتسليم السلطة للفائز، ما انتهى بصراع مسلح توقف بتولي الحسن واتارا الحكم عام 2011.

قبل ذلك، كانت البلاد مسرحا لحرب أهلية بنزعة عرقية ومناطقية (الشمال/الجنوب)، استمرت خمس سنوات (2002-2005)، بسبب امتناع زعيم الحكومة العسكرية الانتقالية روبرت جوي التنحي بعد خسارته الانتخابات أمام لوران غباغبو، ما قسم البلاد حينها إلى شطرين؛ شمال خاضع لسلطة المتمردين وجنوب تحت سيطرة الحكومة.

يخشى الإيفواريون استئناف فصل جديد من فصول الصراع على السلطة، مع تزايد أجواء التوتر وارتفاع منسوب الاحتقان بين مختلف القوى السياسية، بعد إعلان رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات كوليبالي كويبيرت إبراهيم، في 14 أغسطس/ آب الجاري، عن عدم إمكانية الاستجابة لمطالب المعارضة بتدقيق اللوائح الانتخابية التي استبعدت أقوى المرشحين للإطاحة بالرئيس الحالي الحسن واتارا؛ ثاني أطول رئيس حكما للبلاد (14 عاما).

يبدو أن توصية وفد الاتحاد الأفريقي بقيادة الدبلوماسي التشادي صالح النظيف الذي زار أبيدجان في يونيو/ حزيران الماضي، بالحرص على تجنب الاضطرابات في أكبر اقتصاد في المنطقة، وتوفير أجواء تقوض أي فرص لاشتعال فتيل العنف الانتخابي في منطقة تمر بمرحلة حرجة، قد ذهبت أدراج الرياح. فأبرز الشخصيات في الساحة الإيفوارية خارج السباق الانتخابي، لذلك لم يتونى البعض في وصف ما يجري هناك بأنه "انتخابات بلا معارضة".

يخشى الإيفواريون استئناف فصل جديد من فصول الصراع على السلطة، مع تزايد أجواء التوتر وارتفاع منسوب الاحتقان بين مختلف القوى السياسية

تم إقصاء رموز المعارضة في المشهد السياسي، على رأسهم السياسي والمصرفي تيجاني ثيام رئيس "الحزب الديمقراطي"؛ أقدم حزب سياسي في منطقة غرب أفريقيا برمتها (1946)، بدعوى حمله الجنسية الفرنسية عند تسجيله في اللوائح الانتخابية، رغم إعلانه التخلي عنها رسميا في فبراير/ شباط 2025، مؤكدا احترامه التام لمقتضيات الدستور الإيفواري.

واستعبدت بقية الأسماء التي تشكل تهديدا مباشر لمرشح الحزب من السباق الرئاسي، وهم: لوران غباغبو؛ الرئيس السابق للبلاد وزعيم "حزب الشعوب الأفريقية"، وشارل بيليه غرديه؛ زعيم حزب "مؤتمر عموم أفريقيا للعدالة والمساواة بين الشعوب" (2019) ووزير الشباب الأسبق الملقب ب"جنرال الشارع" بدعوته الشباب لدعم غباغبو خلال أزمة 2002، وعيوم سورو الرئيس السابق للجمعية الوطنية في ساحل العاج بمبررات مختلفة أبرزها ورقة الإدانة القضائية التي تحرمهم من الحق في الترشيح أو التصويت.

بهذا الاستعباد أولا، ثم بإخلال الرئيس الحسن واتارا بوعد قطعه عام 2020، بعزمه عدم الترشح لولاية جديدة، ثم النكول عن ذلك بعد وفاة أحمد غون كوليبالي الذي كان مهيئا لخلافته، مدافعا هن ذلك بقوله: "أنا مرشح لأن الدستور يتيح لي ذلك، ولأنني بصحة جيدة تمكنني من الاستمرار في خدمة وطني". تدرك المعارضة أن الحزب الحاكم "التجمع من أجل الديمقراطية والسلام" في أبيدجان مصر على البقاء في السلطة مهما كان الثمن. ما دفعها إلى توحيد الصفوف، بتشكيل تحالف جديد شهر مارس/آذار باسم "التحالف من أجل التناوب السلمي" لمواجهة الحزب الحاكم.

لا تقل حدة الأزمة في صفوف المعارضة عن نظيرتها في صفوف الحزب الحاكم، فالفوز بالانتخابات المقبلة بداية أزمة أخرى تتعلق بتدبير النظام للمرحلة المقبلة، فالوضع الصحي للرئيس لا يساعده على إدارة البلاد

يضم التحالف 20 حزبا سياسيا بتوجهات مختلفة، بما فيهم أحزاب وازنة في المشهد السياسي، على غرار "الحزب الديمقراطي" و"الجبهة الشعبية الإيفوارية"... في تكتل اعتبره جون كواكو نغيسان، أحد رموزه، أملا جديدا للإيفواريين، ما يضع المعارضة أمام اختبار تاريخي، فهذه سابقة من نوعها في تاريخ الممارسة السياسية في ساحل العاج.

هكذا إذن يطل شبح العنف الانتخابي على ساحل العاج، فالاستحقاق الانتخابي القادم لا يتحمل سوى أحد السيناريوهات: إما مشهد سياسي خال من المعارضة ما يضمن إجراء انتخابات شكلية بدون منافسة حقيقة تكون نتائجها محسومة سلفا للحزب الحاكم، وبالتالي ولاية رابعة للحسن واتارا. وإما خروج عن قواعد اللعب النظيف بالسقوط في دوامة العنف من أنصار الأحزاب المعارضة، ما يفتح الباب على المجهول مع تزايد حضور القوى الكبرى بأشكال مختلفة في المنطقة.

الكاميرون.. جبهتين أمام الحزب الحاكم

تمثل الانتخابات المرتقبة في الكاميرون في 12 أكتوبر/ تشرين الأول لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، لأنها تتجاوز مجرد استحقاق انتخابي داخلي نحو اختبار حقيقي لمدى قدرة البلاد على تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي على السلطة، في بلد يخضع لهيمنة حزب "التجمع الديمقراطي للشعب الكاميروني" وحكم الفرد الواحد منذ أكثر من أربعة عقود (43 عاما).

يتولى الرئيس بول بيا الحكم في ياوندي منذ 1982، ما يجعله من أقدم الرؤساء في أفريقيا إلى جانب الزعيم الأوغندي يوري موسيفني، والذي اختار تحدي عائق السن والحالة الصحية بإعلانه الترشح لولاية رئاسية ثامنة غير مبال بالأصوات المطالبة بانفتاح سياسي، فأكثر من نصف الكتلة الناخبة المدعوة لهذا الاستحقاق شباب فتحوا أعينهم في ظل حكم الرجل.

خلافا لساحل العاج لا تزال المعارضة في الكاميرون عاجزة على تشكيل تحالف انتخابي قوي بمقدوره حسم النزال الانتخابي لصالحه، رغم أن بين يديها فرصة مواتية لذلك

لا شك أن الرغبة في التغيير طموح يراود كافة الكاميرونيين، ولا أدل على ذلك من الرقم القياسي لملفات الترشيح المعلن عنها من قبل اللجنة الوطنية للانتخابات الذي بلغ 82 ملف ترشيح، موزعة ما بين 55 مرشحا باسم الأحزاب السياسية، 27 مرشحا مستقلا. لكن اللجنة لها رأي آخر، إذ لم تعتمد سوى 13 ملف ترشيح فقط، مستبعدة أسماء قوية من السباق الرئاسي كالمرشح موريس كامتو الذي حل في المركز الثاني في انتخابات 2018.

خلافا لساحل العاج لا تزال المعارضة في الكاميرون عاجزة على تشكيل تحالف انتخابي قوي بمقدوره حسم النزال الانتخابي لصالحه، رغم أن بين يديها فرصة مواتية لذلك، فالظاهر أن هناك انقساما واضحا في صفوف الحزب الحاكم حيال المستقبل السياسي للرئيس الكاميروني، وبدا ذلك واضحا من إعلان وزيرين من الحكومة قرارهما الترشح للانتخابات الرئاسية.

من جهة أخرى، تمثل التحديات الأمنية غير المسبوقة مع استمرار هجمات الحركات المتطرفة، والتوترات السياسية في المناطق الناطقة بالإنجليزية (شمال غرب وجنوب غرب) حيث تتزايد النزعة الانفصالية التي تحولت إلى نزاع مسلح منذ عام 2017 بهذه الأقاليم، ما يشكل تحديا كبيرا للحكومة بإمكان المعارضة استثماره في المعركة الانتخابية، فالأرقام تتحدث عن كتلة ناخبة قوية هناك تقدر بنحو 2 مليون ناخب.

لكن ذلك لا يقلل من حظوظ نظام القيصر بيا وافرة في الفوز بهذه الاستحقاق الانتخابي، مستندا في ذلك على شبكة قوية من العلاقات في مفاصل الدولة (الجيش والأمن والإدارة والقضاء...)، يستغلها لضبط الأوضاع في البلاد حتى تبقى على مقاس السلطة، كما حدث مثلا في تعديل الدستور عام 2008، وإقرار قانون مكافحة الإرهاب عام 2014 الذي تحول إلى أداة لقمع المعارضين.

لا تقل حدة الأزمة في صفوف المعارضة عن نظيرتها في صفوف الحزب الحاكم، فالفوز بالانتخابات المقبلة بداية أزمة أخرى تتعلق بتدبير النظام للمرحلة المقبلة، فالوضع الصحي للرئيس لا يساعده على إدارة البلاد، ما يفتح الباب على مصراعيه داخل مربع السلطة للتموقع بحثا عن مكانة لخلافة الشيخ الهرم. بذلك تكون المعركة على واجهتين؛ الأولى خارجية ضد المعارضة السياسية، والثانية داخلية بين الإخوة داخل الحزب تحضيرا لما بعد الرئيس بيا.

بلدين مختلفين ومتباعدين نسبيا، لكن مطالب الشعبين تبقى نفسها؛ الديمقراطية والحرية والكرامة لا تتغير، حقيقة إنسانية لا تزال الأنظمة السلطوية هنا وهناك في أفريقيا تجاهلها بأساليب ومراوغات بالية، تدفع الشعوب ثمنها غاليا بالدماء والأرواح.