الاثنين 9 مارس 2026
في إطار جهود وزيارات بدأت منذ العام الماضي بغرض تعقب الشبكات المالية المرتبطة بـ"حزب الله" اللبناني، زار هذا الشهر وفد من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ساحل العاج، البلد، الذي تقول تقارير أن لبنانيين يسيطرون على ما يقدر بـ40٪ من اقتصاده.
أعاد ذلك إلى الأذهان النقاشات المثارة في الداخل العاجي، والتي كانت تأخذ في السابق منحى عنصرياً يحصرها في فكرة وجود أجانب يستغلون موارد البلد، ويستفيدون من خيراتها، ثم يأخذون أرباحهم للخارج. هذا المرة ينتقل النقاش إلى ما هو أوسع عبر ربط هذه الاستثمارات الأجنبية بتمويل الإرهاب.
حاول رافضوا تمدد الأجانب استغلال الأمر بشكل سلبي، فيما رأى آخرون أن في الاستثمار الأجنبي دليلاً على أن البلاد ما تزال مجدية ومليئة بالفرص. أما التحقيقات الجارية فهي بنظرهم مجرد مسار روتيني للتحقق من إجراءات مكافحة غسيل الأموال في البلدان الأفريقية ضمن التعاون الدولي.
فيليب سيمو، وهو رجل أعمال شاب يشتغل مؤخراً ضمن منصة بعنوان: "استثمروا في البلاد"، من أصحاب النظرة الإيجابية، التي تدعو أبناء القارة للكف عن البحث عن الثروة في الدول الأوروبية أو في دول تقع خارج القارة البكر.
الجديد في منطق سيمو هو أنه لم يكن ينطلق فقط من باب القومية الأفريقية وضرورة المساهمة في الاقتصادات المحلية، ولكنه كان يخاطب المستثمرين باللغة، التي يفهمونها، وهي لغة الربح قائلاً أنه، وعوضاً عن وضع مالك في بلد عجوز استنفذ بالفعل كل فرصه الاقتصادية، ولم يعد لديه ما يقدمه، فإن بإمكانك الاستثمار في هذه القارة، التي يمكن لدولها الصاعدة أن تمنحك الكثير.
معظم هذه الجاليات تنشغل بالتدابر والتشاكس فيما بينها، ما يجعل إسهاماتها متواضعة جداً، وكذلك برامجها الجماعية مقارنة باللبنانيين، الذين استطاعوا عبر التكتل والتوحد، أن يجعلوا لأنفسهم صوتاً مسموعاً وصورة تتجاوز في كثير من الأحيان الاقتصاد إلى التأثير في السياسة
في الرد على من يعتبرون أن الاستثمار في أفريقيا معقد، يعتبر سيمو أن نجاح الآلاف من جنسيات مختلفة، على رأسهم اللبنانيون، في خلق مشاريع مربحة هو أكبر رد على أن الأمر ممكن.
لدى الأمريكيين قناعة بوجود ارتباط بين الاستثمارات اللبنانية في غرب أفريقيا ودعم "حزب الله" المصنّف إرهابياً عندهم، خاصة مع وجود نسبة كبيرة ممن يصنفون "حواضن" للحزب، أو أصحاب صلات سابقة به بين التجار ورجال الأعمال. ساحل العاج ليست المعني الوحيد بالأمر، حيث تم بالفعل توجيه اتهامات لبعض المؤسسات في غينيا كوناكري والسنغال بهذا الصدد.
ما يثير الإعجاب في تجربة المغتربين اللبنانيين هو أنهم لا يهابون المغامرة، ففي أفريقيا، كما في أمريكا اللاتينية، لا تمنعهم حرب ولا توتر أمني ولا انتشار عصابات من تجريب حظهم، وهو ما يمنحهم أفضلية، كما حدث في ساحل العاج، التي تمثل أكبر تجمع لأبناء الجالية في المنطقة، والتي أسّسوا فيها أعمالاً في وقت كان غيرهم يرى في ذلك مخاطرة وعملاً أقرب للمقامرة.
وفق تقارير رسمية يسيطر لبنانيون على 80٪ من قطاع العقارات و60٪ من الأعمال التجارية في ساحل العاج، ما يصل حد الاحتكار شبه الكامل لبعض النشاطات، هذا إضافة لنسبة مشابهة حينما يتعلق الأمر بالصناعة. تدفع هذه الإحصاءات حول ما أحرزته الجالية اللبنانية النشطة من نجاحات إلى تسليط الضوء والمقارنة مع واقع الجاليات العربية والأفريقية في المهاجر المختلفة. باستثناءات قليلة نلاحظ أن معظم هذه الجاليات تنشغل بالتدابر والتشاكس فيما بينها، ما يجعل إسهاماتها متواضعة جداً، وكذلك برامجها الجماعية مقارنة باللبنانيين، الذين استطاعوا عبر التكتل والتوحد، أن يجعلوا لأنفسهم صوتاً مسموعاً وصورة تتجاوز في كثير من الأحيان الاقتصاد إلى التأثير في السياسة.
لحسن حظ المستثمرين اللبنانيين فإن مساهمة الجالية الواضحة في الاقتصاد العاجي تجعل الأصوات المنتقدة لوجودهم في كل مرة معزولة وضعيفة
الأمر لا يسير على وتيرة واحدة، ولا يخلو من افتعال مشكلات ونشر شائعات، كما حدث عقب العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، حين تم تناقل أخبار مضللة عن وصول آلاف اللبنانيين إلى البلاد هرباً من الحرب. في ذلك الوقت تسببت تلك الأخبار العارية من الصحة في حالة غضب شعبي كبيرة ورفض لاستقبال أعداد جديدة من المهاجرين العرب.
استغرق الأمر وقتاً قبل أن تهدأ الأوضاع، ويكتشف الجميع أن ذلك كله هو محض شائعة. يشبه هذا ما حدث مؤخراً عبر التركيز على فكرة الربط بين الاستثمار ودعم الإرهاب، واحتجاج البعض بأنه لا يريد أن تكون بلاده قناة لدعم حرب خارجية. لحسن حظ المستثمرين اللبنانيين فإن مساهمة الجالية الواضحة في الاقتصاد العاجي تجعل الأصوات المنتقدة لوجودهم في كل مرة معزولة وضعيفة.
الواقع يقول إن قوة الاستثمار وتنوع النشاطات يعني أن الخاسر الأكبر في حال حدث أي تراجع للوجود المالي اللبناني، الذي يحقق حركة تجارية تقدر بمليار دولار، هو البلد، الذي سيصعب عليه إيجاد بديل، والمواطنون، الذين يعمل مئات الآلاف منهم في أنشطة تجارية يديرها لبنانيون. أولئك جميعاً سوف تتعرض مصادر دخلهم للخطر في حال تم تهديد الوجود اللبناني.
الهجرة اللبنانية إلى المنطقة تعود لنهايات القرن التاسع عشر، فعلى عكس الفكرة السائدة لم يكن الاستعمار الفرنسي هو من جلب اللبنانيين، بل انتقلت بعض العائلات إلى بلدان مثل ساحل العاج في خلال رحلاتها الممتدة طلباً للهجرة. من الطرائف، التي تحكى في هذا الصدد أن بعض السفن اللبنانية استقرت على الساحل الأفريقي ظناً منها أنها وصلت العالم الجديد.
لدى الأمريكيين قناعة بوجود ارتباط بين الاستثمارات اللبنانية في غرب أفريقيا ودعم "حزب الله" المصنّف إرهابياً عندهم، خاصة مع وجود نسبة كبيرة ممن يصنفون "حواضن" للحزب، أو أصحاب صلات سابقة به بين التجار ورجال الأعمال
المهاجرون الأوائل، الذين اختاروا الأرض الأفريقية كانوا من المسيحيين المارونيين، قبل أن تلحق بهم طوائف لبنانية أخرى من أهمها المسلمون الشيعة. في هذا الصدد يتفق دارسو حركة الهجرة اللبنانية على أن الأزمات والحروب، التي ظل البلد يمر بها منذ بداية القرن العشرين هي من ساعدت على استمرار هذه الحركة ورفدها بأعداد جديدة.
لا شك أن ساحل العاج استفادت من كل هذا، وهو ما يدركه سياسيوها، الذين ينظرون بتقدير لمساهمة الجالية اللبنانية في البناء الوطني، فلولا المال، ولكن أيضاً الأفكار، التي حملها شباب لبنانيون، لما كان هذا البلد الناهض على هذه الصورة، التي يبدو عليها، والتي تجمع بين الانفتاح والتحديث. لقد نجح هذا البلد الأفريقي في الاستفادة من الطاقات واستيعابها بما يخدم اقتصاده، ففعل ما تفعله دول الشمال، التي تسعى لجذب العقول ورؤوس الأموال وأصحاب المواهب.
التحديات، التي تواجه المستثمر اللبناني متعددة، لكن الخبرة الطويلة ربما تساعده على تجاوزها بعدة طرق أهمها إشعار المواطنين المحليين بأنهم شركاء في التنمية، وأنه جاء لتقديم المساعدة وتحقيق استفادة متبادلة ولم يأت لسحب البساط من بين يديهم أو لحرمانهم من فرص العمل في بلادهم.
من الانتقادات المتكررة، الذي يمكن لمن يتابع وسائل التواصل الاجتماعي العاجية أو الإفريقية أن يلاحظه، هو ذلك الاتهام، الذي يوجّه للبنانين، بأنهم لا يندمجون بشكل كاف في المجتمعات المضيفة، فيظهرون وكأنهم يعيشون في واقع موازٍ لواقع السكان المحليين أو ضمن غيتوهات معزولة لا تجعلهم يختلطون بشكل كافٍ مع عامة الشعب، الذي صاروا بعد مرور كل هذه العقود، جزءاً منه.