تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

رئيسان بلا حكومة: لماذا تعود الحرب إلى تيغراي؟

11 أغسطس, 2026
الصورة
رئيسان بلا حكومة: لماذا تعود الحرب إلى تيغراي؟
Share

يتنازع في ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، رجلان على منصب رئيس الإقليم، الأول؛ هو الفريق تاديسي ووريدي، الذي عُيّن بموافقة أديس أبابا لإدارة المرحلة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات. أما الثاني؛ فهو دبرصيون جبرميكائيل، زعيم الحزب الذي حكم تيغراي لعقود، وقاد الإقليم خلال الحرب التي دارت بين عامي 2020 و2022، وأودت بحياة نحو 600 ألف شخص، ودفعت ما بين مليونين وثلاثة ملايين آخرين إلى النزوح.

عاد المجلس الإقليمي إلى الانعقاد، في 5 مايو/آيار، بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات، وانتخب دبرصيون رئيسًا للإقليم. غير أن شرعية المجلس نفسه موضع نزاع؛ إذ تعتبره أديس أبابا هيئة غير قانونية، بعدما أُلغي بموجب اتفاق السلام الموقّع عام 2022، فضلًا عن أن الانتخابات التي أفرزته كانت قد أُعلنت غير دستورية في حينها. هكذا، وجدت تيغراي نفسها أمام رئيسين في مدينة واحدة: لا يعترف أيّ منهما بالآخر، ولكل منهما أنصاره وقوته المسلحة.

كيف وصلت تيغراي إلى هذا المأزق؟

لفهم جذور الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى موقع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي داخل النظام الإثيوبي. فقد هيمنت الجبهة على الائتلاف الذي حكم البلاد لما يقرب من ثلاثة عقود، وكانت القوة الأبرز بين أربعة أحزاب تشكلت على أسس إثنية. لكن موازين القوة بدأت تتغير عام 2018، بعد سنوات من الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي انطلقت خصوصًا من إقليمي أوروميا وأمهرة. تحت ضغط تلك الاحتجاجات، اختار الائتلاف رئيسا جديدا من خارج الجبهة، أصبح بحكم موقعه رئيسا للوزراء: آبي أحمد، المنتمي إلى حزب أورومو.

كان دبرصيون قد نافس على المنصب نفسه، لكنه لم يحصل سوى على صوتين داخل لجنة قوامها 180 عضوا. ولم تنظر الجبهة إلى ما جرى بوصفه مجرد تغيير في قيادة الائتلاف، بل باعتباره إقصاء لها عن مركز السلطة الذي أدارت منه إثيوبيا منذ عام 1991.

يتمسك كل طرف بنصف شرعية: دبرصيون يملك التفويض من دون الاعتراف القانوني، وتاديسي يملك الاعتراف القانوني من دون التفويض الشعبي

تعمقت القطيعة في العام التالي، عندما حلّ آبي أحمد الائتلاف ودمج مكوناته في حزب وطني موحد. رفضت الجبهة الانضمام إلى الحزب الجديد، ووصفت الخطوة بأنها غير قانونية، ثم أعادت كوادرها وأموالها إلى ميكيلي. وفي سبتمبر/أيلول 2020، وبعد تأجيل الانتخابات الوطنية، مضت سلطات تيغراي في تنظيم انتخاباتها الإقليمية بصورة منفردة، في تحدٍّ واضح للحكومة الاتحادية.

لم تمضِ سوى شهرين حتى اندلعت الحرب، فاصطفت القوات الاتحادية وميليشيات الأمهرة والجيش الإريتري في مواجهة قوات تيغراي. واستمر القتال عامين، قبل أن ينتهي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 باتفاق سلام وُقّع في بريتوريا بوساطة من الاتحاد الأفريقي. ونص الاتفاق على تخلي مقاتلي تيغراي عن أسلحتهم الثقيلة، وتنحي المؤسسات المنتخبة في الإقليم لمصلحة إدارة انتقالية تختارها أديس أبابا.

كان يُفترض أن تمهّد هذه الترتيبات لإجراء انتخابات جديدة، لكن الانتخابات لم تُجرَ، وظلت المرحلة الانتقالية معلّقة. ومن هذا الفراغ السياسي خرج المشهد القائم اليوم: رئيس يستند إلى اعتراف الحكومة الاتحادية من دون تفويض انتخابي، وآخر يتمسك بتفويض انتخابي قديم لا تعترف أديس أبابا بشرعيته القانونية.

قد يبدو من السهل تفسير هذا المأزق بوصفه نتيجة لفشل اتفاق بريتوريا، ثم البحث عن الأسباب التي أدت إلى انهياره. لكن هذا التفسير ينطلق من افتراض غير دقيق، أن الاتفاق أرسى تسوية سياسية قابلة للحياة قبل أن تتداعى لاحقا، والحقيقة أنه لم يُنشئ مثل هذه التسوية أصلا.

نجح اتفاق بريتوريا في وقف القتل الجماعي للمدنيين، لكنه ترك سائر القضايا السياسية بلا حسم. وكانت النتيجة هي تيغراي التي نراها اليوم، حيث يتنافس طرفان على السلطة من دون أن يمتلك أيّ منهما مقومات الحكم كاملة. فدبرصيون يستند إلى تفويض انتخابي، لكنه يفتقر إلى السند القانوني، بينما يحظى تاديسي باعتراف قانوني من الحكومة الاتحادية من دون أن يمتلك تفويضًا شعبيًا من سكان الإقليم.

في ظل هذا الانقسام، لا يستطيع أيّ من الرجلين حكم نحو ستة ملايين شخص برضاهم. وحين يتعذر الحكم بالقبول الشعبي، تصبح القوة الوسيلة الوحيدة المتبقية لفرض السلطة. وهذا ما يتجه إليه الطرفان بالفعل، ومن هنا يتصاعد خطر عودة الحرب.

شرعيتان متنافستان... وكلتاهما منقوصة

عند التدقيق في الأساس الذي يستند إليه كل طرف في المطالبة بالسلطة، يتضح أن كليهما يعاني خللا جوهريا. يستند دبرصيون إلى الانتخابات الإقليمية التي نظمتها تيغراي في سبتمبر/أيلول 2020، متحدية أديس أبابا، في خطوة كانت من بين العوامل التي أسهمت في اندلاع الحرب. وقد منحته تلك الانتخابات تفويضًا شعبيًا حقيقيًا في حينه، لكنه تفويض مضت عليه ست سنوات، وعاش السكان الذين منحوه أصواتهم منذ ذلك الوقت حربًا أودت بحياة مئات الآلاف منهم وغيّرت واقع الإقليم جذريًا.

يزداد موقف دبرصيون تعقيدا من الناحية القانونية، فقد شطب مجلس الانتخابات، العام الماضي، الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من سجل الأحزاب السياسية. بذلك، لم يعد الحزب الذي يدير الإقليم معترفا به قانونيا، كما أن المجلس الذي عاد إلى الانعقاد، وانتخب دبرصيون لا يتمتع هو الآخر بصفة قانونية.

أما تاديسي، فحالته معكوسة تمامًا. فتعيينه يستند إلى إطار قانوني، لكنه يفتقر إلى القبول الشعبي. فقد تولى إدارة الإقليم بالتعيين، لا بالانتخاب، خلفًا لغيتاتشو رضا عام 2025. وعندما انتهت ولايته، مددت أديس أبابا بقاءه عامًا إضافيًا من دون التشاور مع أي طرف داخل تيغراي.

حين يتعذر الحكم بالقبول الشعبي، تصبح القوة الوسيلة الوحيدة المتبقية لفرض السلطة. وهذا ما يتجه إليه الطرفان بالفعل، ومن هنا يتصاعد خطر عودة الحرب

لم يسبق لأي ناخب في الإقليم أن صوّت لتاديسي، ولم يكن اتفاق بريتوريا ينص أصلا على انتخابه؛ إذ منح الحكومة الاتحادية سلطة تعيين الإدارة الانتقالية. هكذا، يتمسك كل طرف بنصف شرعية: دبرصيون يملك التفويض من دون الاعتراف القانوني، وتاديسي يملك الاعتراف القانوني من دون التفويض الشعبي.

وحين توضع المطالبتان على محك الإدارة اليومية، تتكشف المشكلة بصورة أوضح. فمن سيدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية بعدما جمّدت أديس أبابا ميزانية الإقليم وتعطلت الرواتب؟ وأي توقيع يُعتد به داخل مؤسسات ميكيلي؟ وأوامر من تنفذها الشرطة في المدن؟ وإلى أيّ من الرئيسين تحتكم المحاكم؟

لا تقدم التقارير المتاحة إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، لكن غياب الإجابات ليس مجرد نقص في المعلومات؛ بل هو جوهر الأزمة نفسها. عند هذه النقطة، يتجاوز النزاع مسألة الألقاب والمناصب، ويتحول إلى صراع على السلطة الفعلية، بما يفتح الطريق أمام الحرب. فالمعركة تدور حول من يمتلك القدرة على إدارة الإقليم، لا يستطيع أيّ من الرجلين الحكم من دون سلطة، ولا يمكنه تثبيت سلطته ما لم يعترف السكان بأحقيته فيها. وفي ظل غياب مخرج سياسي من هذه الحلقة المغلقة، يتجه الطرفان إلى البحث عن الحسم بوسائل تقع خارج السياسة.

لا يتمثل الخطر الأكثر إلحاحًا في مواجهة محتملة بين ميكيلي وأديس أبابا، بقدر ما يكمن في اندلاع اقتتال داخلي بين أبناء تيغراي أنفسهم. فتاديسي ووريدي ليس مجرد مسؤول إداري؛ بل هو القائد الذي تولى قيادة جيش تيغراي خلال الحرب. وهو يرفض التخلي عن السلطة، مستندًا إلى شبكة من العلاقات داخل المؤسسة العسكرية تمكّنه من حشد قوات موالية له. ويرى محللو «أكليد» أن السيناريو الأول والأرجح يتمثل في اندلاع قتال بين فصائل تيغراي، يجد فيه القادة العسكريون أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين الحزب الذي يستند إلى انتخابات عام 2020، والجنرال الذي يشغل المنصب المعترف به رسميًا.

يبدو أن الجبهة أدركت هذا الاحتمال قبل أن تتحرك. ففي أبريل، ضمنت تأييد عدد من كبار القادة العسكريين، ثم أعادت المجلس الإقليمي إلى الانعقاد في مايو. وبعبارة أخرى، أحصت البنادق قبل أن تحصي الأصوات.

هكذا يبدو الحكم بلا قبول شعبي

بدأت الإدارتان المتنافستان بالفعل في التعامل مع السكان الذين تدّعيان حكمهم بوصفهم خزانًا بشريًا للتجنيد. ففي 4 يونيو/حزيران، وثّقت منظمة «هيومن رايتس فيرست إثيوبيا» الحقوقية المحلية عمليات تجنيد قسري وحملات واسعة للمداهمة والاعتقال الجماعي، تُعرف محليًا باسم «أفيسا»، في مناطق شمال غربي الإقليم ووسطه وشرقه. وأُمر جنود سابقون بالعودة إلى وحداتهم، فيما أُبلغت الأسر التي لم تفقد أحدًا في الحرب السابقة بأن عليها تقديم أحد أبنائها للحرب المقبلة. كذلك اقتيد شبان من الأسواق ومناجم الذهب والتجمعات الكنسية للالتحاق بالقوات.

دفعت حملات التجنيد بعض الشبان إلى النوم في الحقول والتنقل بين منازل أقاربهم، خشية الوصول إليهم، فيما فر آخرون إلى أديس أبابا. وأفادت منظمة هيومن رايتس ووتش لاحقًا بأن عمليات التجنيد طالت أطفالًا لا تتجاوز أعمار بعضهم 15 عامًا، اختُطفوا خلال مداهمات ليلية نُفذت من منزل إلى آخر.

في يونيو/ حزيران، أضفى المجلس الإقليمي غطاءً قانونيًا على هذه الممارسات، بإصداره قانونًا للتعبئة يجعل الخدمة العسكرية إلزامية. وينص القانون على معاقبة من يتهرب من التجنيد أو يفر من الخدمة أو ينتقد حملة التعبئة بالسجن لمدة تصل إلى 25 عامًا، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام.

تكمن المفارقة في أن الحزب يستمد شرعيته أساسًا من أصوات الناخبين في انتخابات عام 2020، لكنه بات اليوم يسوق الأشخاص الذين منحوه تلك الأصوات إلى التجنيد القسري، ملوحًا بعقوبة الإعدام في وجه من يعترض علنًا.

ولو كان تفويض عام 2020 لا يزال حيًا في وعي السكان، لما احتاج الحزب إلى هذه الوسائل؛ إذ كان المتطوعون سيأتون من تلقاء أنفسهم. لكن الواقع يظهر عكس ذلك: يختبئ الشبان في الحقول، أو يفرون إلى عاصمة الحكومة التي يُفترض أنهم يُحشدون لمحاربتها.

قال أمانويل أسيفا، نائب رئيس الجبهة، لوكالة الصحافة الفرنسية إن التجنيد يقوم في الظروف العادية «على الموافقة فقط»، لكنه أضاف أن اللجوء إلى الاستثناءات مبرر لأن على كل فرد من أبناء تيغراي الدفاع عن الإقليم في مواجهة تهديد وجودي. غير أن هذه الحجة تكشف مأزق حزب لم يعد يجد عددًا كافيًا ممن يستجيبون لدعوته طوعًا.

أما أديس أبابا، فتمارس إكراهًا أقل صخبًا، لكنه يكشف بدوره عن العجز ذاته عن كسب القبول الشعبي. فبعدما أخفقت الحكومة الاتحادية في إقناع تيغراي بقبول رئيس لم ينتخبه أحد، جمّدت ميزانية الإقليم وقيّدت إمداداته من الوقود، لتخوض بذلك معركة تستهدف الرواتب والمولدات الكهربائية.

في الوقت نفسه، أغلقت الحكومة المسار القانوني الوحيد للخروج من المأزق؛ فالحزب المشطوب من سجل الأحزاب لا يستطيع خوض الانتخابات. ولم يقتصر التصعيد على الضغوط المالية والقانونية، إذ شهد يناير أول اشتباكات واسعة بين القوات الاتحادية وقوات تيغراي منذ انتهاء الحرب. وبحلول فبراير، كان الجيش الاتحادي ينقل الدبابات إلى ولقايت، في غرب الإقليم المتنازع عليه.

حين يغيب السند الداخلي، يبدأ البحث في الخارج

حين تعجز سلطة ما عن استمداد الدعم من سكانها، تضطر إلى البحث عنه، أو شرائه، في الخارج. وهذا ما يفعله الطرفان الآن. ففي عام 2020، أرسلت إريتريا جيشها إلى تيغراي للمساعدة في القضاء على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. أما اليوم، فقد بدّلت موقعها واصطفّت إلى جانب الجيش السوداني، دعمًا لتحرك عسكري من تيغراي نحو المناطق الغربية المتنازع عليها.

في منتصف مايو/آيار، اجتمعت في السودان، بصورة علنية وتحت مظلة واحدة، شخصيات مرتبطة بأسمرة وبورتسودان، إلى جانب قوميين من الأمهرة وجماعات إثيوبية مسلحة أخرى معارضة. وشكّل الاجتماع أول تحالف معلن يجمع دولًا وحركات متمردة في مواجهة أديس أبابا. وفي المقابل، يواجه آبي أحمد اتهامات بتسليح قوات الدعم السريع السودانية في حربها ضد الخرطوم.

نجح اتفاق بريتوريا في وقف القتل الجماعي للمدنيين، لكنه ترك سائر القضايا السياسية بلا حسم. وكانت النتيجة هي تيغراي التي نراها اليوم، حيث يتنافس طرفان على السلطة من دون أن يمتلك أيّ منهما مقومات الحكم كاملة

هكذا، باتت كل حكومة في المنطقة تموّل المتمردين لدى جارتها، فيما تبادل أعداء عام 2020 مواقعهم. ويكشف هذا التحول أن تلك التحالفات لم تقم يومًا على ثوابت دائمة، بقدر ما كانت أدوات لاكتساب النفوذ والضغط والمساومة.

كان محللو «أكليد» قد حذروا منذ وقت طويل من أن أي تحرك لقوات تيغراي نحو غرب الإقليم، وهو الملف الذي تركه اتفاق بريتوريا بلا حل، سيعني تجاوز أخطر الخطوط الحمراء. فمن شأن هذا التحرك أن يشعل مواجهة واسعة، وأن يجر إريتريا والسودان وميليشيات «فانو» التابعة للأمهرة إلى القتال في وقت واحد.

في الأيام الأخيرة، جرى تجاوز ذلك الخط بالفعل. فقد اندلعت اشتباكات في شيريرينا، داخل المنطقة الغربية المتنازع عليها التي يسيطر عليها قوميو الأمهرة منذ الحرب الماضية. وامتد القتال قرابة يومين، استُخدمت خلالهما المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة.

أشارت التقارير إلى وجود قوة تابعة لتيغراي، تُعرف باسم «الجيش 70»، في قلب المواجهات. وكان مقاتلو هذه القوة قد فروا إلى السودان خلال الحرب، قبل أن ينخرطوا في القتال إلى جانب الجيش السوداني. وهكذا، لم يعد الدعم الخارجي مقتصرًا على الاجتماعات والتحالفات المعلنة، بل أصبح مقاتلين يعبرون الحدود من جديد لخوض الحرب.

لا يزال الطرف الذي بدأ الاشتباكات موضع خلاف، فيما يعكس الارتباك المحيط بالواقعة طبيعة الأزمة نفسها. تقول حكومة تيغراي إن القوات الاتحادية شنّت الهجوم عند الفجر، بينما أكد وزير اتحادي من أبناء تيغراي وقوع المواجهات، لكنه حمّل قوات دبرصيون مسؤولية بدئها. أما الجيش الاتحادي، فلم يصدر أي تعليق، في حين عجز الصحفيون الموجودون على الأرض عن التحقق بصورة مستقلة من رواية أيّ من الطرفين.

لكن السؤال عمن أطلق النار أولًا يفقد أهميته في هذه المرحلة؛ فالحقيقة الأهم هي أن الرصاص أُطلق بالفعل، وأن المواجهة المسلحة عادت إلى الميدان. ومن المشروع الاعتراض بأن الضغوط التي يمارسها الطرفان ليست متكافئة، وهي ليست كذلك بالفعل. فأديس أبابا تملك جهاز الدولة والاعتراف الرسمي والموارد المالية، بينما لا تملك تيغراي سوى إقليم مدمّر وإرث ثقيل من الحزن. ولا يمكن مساواة تجميد ميزانية إقليم باختطاف طفل في الخامسة عشرة من عمره.

مع ذلك، ينبع سلوك الطرفين من مأزق واحد: محاولة الحكم من دون رضا المحكومين. وهذه البنية المشتركة هي التي تفسر لماذا تنزلق الاستحقاقات السياسية تباعًا نحو العنف. فلا يمكن إقصاء أيّ من الرئيسين عبر صناديق الاقتراع في غياب الانتخابات، ولا يمكن ثني أيّ منهما بالحجة، لأن كليهما يعتمد على أدوات القوة بدلًا من الإقناع. وفي النهاية، لا يبقى سوى الأسلوب الذي حُسم به الصراع في المرة الماضية: السلاح.

فالمجلس الذي عاد إلى الانعقاد في ميكيلي يوم 5 مايو لم يُبعث من الموت، لأنه لم يمت أصلًا. والحرب بدورها لم تنتهِ، بل عُلّقت مؤقتًا، لتصبح اليوم المؤسسة الوحيدة التي لا تزال قادرة على العمل.

أما الثمن، فسيدفعه ستة ملايين شخص. ففي الحرب الماضية، وارت كل أسرة تقريبًا في تيغراي أحد أفرادها الثرى. ومنذ ذلك الحين، لم يُعَد إعمار الإقليم، ولم يرجع النازحون إلى ديارهم، ولم يُحصَ الموتى حتى الآن.

لم يختر هؤلاء السكان أيًّا من الرئيسين المتنافسين. كما لم يسألهم أحد إن كانوا يريدون إحياء تفويض انتخابات عام 2020 باسمهم، أو قبول إدارة انتقالية تفرضها عليهم أديس أبابا.

في الأيام الأولى من أغسطس/آب، عندما دوّت المدافع مجددًا في الغرب، جاءت إجابتهم بالطريقة الوحيدة التي بقيت متاحة لهم: غادروا سيرًا على الأقدام نحو الحدود السودانية، وبينهم جرحى، عائدين إلى البلد الذي سبق لكثير منهم أن لجؤوا إليه خلال الحرب الماضية. ففي الصراع بين الرجلين اللذين يدّعيان حكمهم، لم يكن لصوت السكان مكان أصلًا.

قال أحد الرجال الذين فروا من حملات التجنيد لوكالة الصحافة الفرنسية هذا الصيف: «حافظوا على راحتهم ونسوا الشهداء»، معبرًا عن شعور بات واسعًا في تيغراي بأن ما سيأتي لن يخدم سوى القلة الموجودة في قمة السلطة. وأضاف: «يجب ألا تقع الحرب. ينبغي حل الأزمة سياسيًا، فإطلاق الرصاص لا يحل شيئًا». وهو محق. لكن هنا تكمن المشكلة برمتها: تحتاج تيغراي إلى السياسة لمنع الحرب، في وقت لم تعد فيه سياسة قادرة على أداء هذه المهمة.

المزيد من الكاتب