تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 19 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

رئيس أفريقيا الوسطى: مقاومة مشروطة أم خضوع مموّه؟

10 يونيو, 2025
الصورة
رئيس أفريقيا الوسطى: مقاومة مشروطة أم خضوع مموّه؟
Share

يحرص رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فوستان آركانج تواديرا على إلقاء كلمات أو خطب سياسية في معظم المناسبات الرسمية التي يشارك فيها على المستويين الإقليمي والدولي، ويتيح له تأهيله الأكاديمي الرفيع وفصاحته العالية في اللغة الفرنسية التعبير بوضوح عن رؤيته، التي هي بالضرورة رؤية حكومة بلاده.

بمتابعة خطبه السياسية، لا سيما خلال فترته الرئاسية الثانية (2016– 2025)، وبعد تقاربه الكبير مع روسيا الاتحادية الذي بدأ فعلياً عام 2018، يمكن ملاحظة أنها اتخذت منحىً أيديولوجيا - يتخذ من (نظريات التبعية) مرجعيةً -، فهي خطبٌ تنطوي على مظلومية، واحتجاج على الهيمنة الغربية، وتشكيك في فعالية المنظمات الدولية، والدعوة إلى نظام عالمي جديد. لكن هذا الخطاب السياسي لا يمكن وصفه بالاستراتيجي، بل هو تكتيكي يفهم ضمن سياق النزعة البراغماتية التي تسم تعامل حكومة أفريقيا الوسطى مع كثير من الملفات على المستويين الإقليمي والدولي.  

خطاب المظلومية

في خطابه أمام المنتدى الدولي للغذاء الذي عقد في العاصمة الإيطالية روما، في أكتوبر/ تشرين الأول من العام قبل المنصرم، أوضح تواديرا أن الهشاشة الاقتصادية لبلاده تتناقض مع وفرة مواردها الطبيعية وخصوبة نُظمها البيئية، وحمّل الدول الكبرى مسؤولية تأخر التنمية الزراعية في بلاده، مشيراً إلى أن مسببات ذلك تتلخص في تعليق دعم الميزانية المقدم لبلاده من جانب الشركاء في ظل التوترات الجيوسياسية بين الدول الكبرى، وتقلب الحالة الأمنية في بلاده التي يغذيها حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، لمدة عشر سنوات على أفريقيا الوسطى، والصعوبات في الحصول على الأدوات والمعدات الزراعية الحديثة، مؤكداً أن طموحات العالم في توفير الغذاء للجميع تصطدم بتفاقم التوترات الجيوسياسية، وزيادة حدة الاستقطاب بين القوى الكبرى.  

كان قبلها قد صعّد من خطاب المظلومية هذا، عندما أكد في كلمته التي ألقاها خلال مؤتمر الأمم المتحدة للدول الأقل نمواً، في العاصمة القطرية الدوحة في 09 مارس/آذار 2023، أن بلاده وقعت ضحية لرهانات جيوستراتيجية تتعلق بمواردها الطبيعية، ثم تساءل عن الكيفية التي يمكن أن تنتقل بها البلدان الأقل نمواً من طور الإمكانات إلى الازدهار، بينما تواجه تدخلات أجنبية تبقيها في حالة اعتماد على الغير وعدم أمان وعدم استقرار، وعن كيفية تصور أنّ أفريقيا الوسطى تمثل واحدة من البلدان الأكثر فقراً في العالم، رغم أنّها تمتلك ثروات جيولوجية واسعة غير مستغلة من بينها: الذهب والألماس والكوبالت والبترول واليورانيوم، ومساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة وغابات ممتدة.  

يمكن ملاحظة أنها اتخذت منحىً أيديولوجيا - يتخذ من (نظريات التبعية) مرجعيةً -، فهي خطبٌ تنطوي على مظلومية، واحتجاج على الهيمنة الغربية، وتشكيك في فعالية المنظمات الدولية، والدعوة إلى نظام عالمي جديد

اتهم الرئيس تواديرا في خطابه بعض الدول الغربية بأنها ظلت تنظر لأفريقيا الوسطى بوصفها مخزناً للمواد الأولية الاستراتيجية، مؤكداً أنّها تتعرض لنهب ممنهج ساعد فيه عدم الاستقرار السياسي الذي تسببت به بعض البلدان الغربية التي تمول شركاتها الجماعات المسلحة المعارضة، مشيراً إلى أن الهجمات المتكررة التي تشنها هذه الجماعات تهدف إلى جعل أفريقيا الوسطى غير صالحة للحكم، وإلى منع الدولة من ممارسة سيادتها على الموارد الطبيعية، ومن ممارسة الحق الشرعي في الاستقلالية.  

خلال مشاركته في قمة المناخ الثامنة والعشرين (كوب 28) التي انعقدت في مدينة دبي، أكد تواديرا أن بلاده من بين البلدان الخمس الأكثر تأثراً بمهددات تغير المناخ رغم أن أفريقيا، الضحية الرئيسية للآثار المباشرة لتغير المناخ، تتحمل أقل قدر من المسؤولية في انبعاث الغازات الضارة، فهي تنتج فقط 4٪ من الانبعاثات العالمية. وأشار إلى أنه نظراً للفجوة بين البلدان المتقدمة والملوثين الرئيسيين والبلدان الفقيرة، فمن الطبيعي أن تمول البلدان المتقدمة عملية التكيف مع التغيرات المناخية قصد تمكين البلدان النامية من التعامل بشكل أفضل مع آثار تغير المناخ، والحد من آثارها على السكان، ودعا إلى إنشاء صندوق الخسائر والأضرار على أن يتم وضع آلية توافقية لإدارته، وأن يكون الصندوق ذا طابع إنساني للحيلولة دون حياده عن هدفه، وذلك بأن يصبح وسيلة ضغط لتحقيق المصالح الجيوسياسية والجيوستراتيجية.

الاحتجاج على الهيمنة الغربية

ظل الرئيس تواديرا يقدم احتجاجاً مستمراً في مقابلاته الإعلامية وخطبه السياسية على الهيمنة الغربية على بلدان العالم الثالث، وخصوصاً البلدان الأفريقية، فقد أشار، على سبيل المثال، في خطاب ألقاه في القمة السعودية الأفريقية التي انعقدت في مدينة الرياض، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، إلى أن الدول الأفريقية كثيرًا ما تتعرض لضغوط وجزاءات سياسية واقتصادية ذات طابع استعماري جديد وجيوسياسي وجيوستراتيجي أبقتها، وفقا لتعبيره، في حالة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي والفقر والتبعية.  

البلدان الغنية تسعى بجد إلى استدامة حالة تبعية البلدان الفقيرة لها، وهي تبعية اقتصادية ومالية وسياسية وإعلامية، وأن محاولات الدول الفقيرة لمقاومة هذه التبعية غالبا ما تنتهي بعقوبات اقتصادية أو غزوات عسكرية تقوم بها الدول الغنية

وقد أكد على ذات الاحتجاج في خطابه الذي ألقاه أمام الدورة العادية الـ 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إذ اشتكى من أن بعض الدول، بما تملكه من قوة سياسية واقتصادية وعسكرية، تستخدم دبلوماسية قسرية، وتستخدم المؤسسات المالية الدولية لفرض حصار اقتصادي ومالي وتجاري على البلدان التي أفقرتها العبودية والاستعمار والامبريالية.   

الدعوة إلى نظام عالمي جديد

ضمن سياق الاحتجاج على الهيمنة الغربية، ظل الرئيس تواديرا يدعو إلى نظام عالمي جديد يتجاوز القائم حاليا، ويبرر هذه الدعوة، وفقاً لخطابه الذي ألقاه أمام القمة الخامسة عشر لدول بريكس التي انعقدت في مدينة جوهانسبرج في جنوب أفريقيا، بأن المنظمات الدولية التقليدية لم تعد قادرة على إحلال السلام والأمن والتنمية المستدامة، وأنّ قمة بريكس تمثل انطلاقة جديدة نحو نشوء نظام دولي أكثر إنصافاً وشمولاً وسلمية، يقوم على الاحترام المتبادل، والشراكة المربحة للجميع، واحترام مساواة الدول وسيادتها، واحترام حق الشعوب والأمم في السيادة الدائمة على ثروتها ومواردها الطبيعية التي يجب استثمارها لصالح التنمية الوطنية ورفاه سكانها.  

إن الدول الأفريقية كثيرًا ما تتعرض لضغوط وجزاءات سياسية واقتصادية ذات طابع استعماري جديد وجيوسياسي وجيوستراتيجي أبقتها، وفقا لتعبيره، في حالة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي والفقر والتبعية

نبه الرئيس تواديرا، في خطابه بالأمم المتحدة، إلى أن استمرار وتكاثر بؤر التوتر في جميع أنحاء العالم يثير تساؤلات حول فعالية بعض آليات الأمم المتحدة، التي تتمثل مهمتها الأساسية في ضمان السلم والأمن العالميين، لمنع النزاعات وتسويتها بالوسائل السلمية، وأكد تواديرا على الموقف الأفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل زيادة عدد الأعضاء الدائمين وغير الدائمين ومنح مقعد دائم لأفريقيا.

دعا تواديرا، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي ـ الأفريقي والقمة الروسية الأفريقية الثانية التي عقدت بمدينة سان بطرسبرج الروسية، جميع قادة العالم وشعوبه إلى العمل بصراحة وحزم من أجل البناء الفعال لنظام عالمي. يقوم على المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وذلك من أجل تمكين البلدان الأفريقية من رؤية تحقق المثل النبيلة الواردة فيه وتحقق السلام والأمن والتنمية المتوازنة في العالم.  

المرجعيات الأيديولوجية لخطاب تواديرا

يتخذ خطاب تواديرا السياسي مرجعيةً له من (نظريات التبعية) التي صاغها علماء اجتماع في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، من بينهم الأرجنتيني راوول بريبيش والألماني/الأمريكي أندريه قندر فرانك، وذلك احتجاجاً على نظريات التحديث التي رأوا أنها مفرطة في مركزيتها الأوروبية وغير ملائمة لتوصيف العالم المعاصر.

تأسست نظريات التبعية على رؤية ثنائية للنظام العالمي الذي يقسم العالم إلى بلدان (غنية/ صناعية/ مهيمنة) وبلدان (فقيرة/ متخلفة/ تابعة)، وتتبنى فرضيات معينة من بينها أن البلدان الفقيرة توفر الموارد الطبيعية والعمالة الرخيصة للبلدان الغنية التي، بدورها، تقوم بإرسال تقنيات قديمة لهذه الدول الفقيرة وبيعها منتجات مصنعة، وبذلك تحصل المجتمعات في البلدان الصناعية على مستوى معيشي عالي جداً، وأن البلدان الغنية تسعى بجد إلى استدامة حالة تبعية البلدان الفقيرة لها، وهي تبعية اقتصادية ومالية وسياسية وإعلامية، وأن محاولات الدول الفقيرة لمقاومة هذه التبعية غالبا ما تنتهي بعقوبات اقتصادية أو غزوات عسكرية تقوم بها الدول الغنية.  

خطاب سياسي تكتيكي

لا يمثل استخدام الرئيس تواديرا لهذا الخطاب السياسي بهذه الخلفية الأيديولوجية ملمحاً استراتيجياً في السياسة الخارجية لبلاده، بل هو خطاب تكتيكي يسعى لتحقيق غايات براغماتية محددة ضمن السياق الدولي الراهن. فهو خطاب يسعى، أولاً، للتماهي مع السياسة الخارجية لروسيا، الحليف الأهم لجمهورية أفريقيا الوسطى، وهي السياسة التي عبر عنها "منتدى أنصار مكافحة الممارسات الحديثة للاستعمار الجديد" الذي عقد في فبراير/شُباط 2024م بموسكو، وشارك في جلساته الرئيس تواديرا.

يتخذ خطاب تواديرا السياسي مرجعيةً له من (نظريات التبعية) التي صاغها علماء اجتماع في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، وذلك احتجاجاً على نظريات التحديث المفرطة في مركزيتها الأوروبية وغير ملائمة لتوصيف العالم المعاصر

جاء تأسيس هذا المنتدى، وفقاً لمقال نشره موقع وزارة الخارجية الروسية على الأنترنت في 26 يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، على خلفية أن النظام الاقتصادي العالمي يعاني من عدم مساواة شديدة في التنمية نشأت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي والمجموعة الاشتراكية، وذلك بسبب رغبة الغرب في إعادة توزيع موارد بقية العالم لصالحه، مستخدماً الأدوات السياسية والاقتصادية والقوة لتحقيق هذه الرغبة. وأنّ الغربيين يخفون ممارسة نهب الشعوب الأخرى، تحت شعارات الحرية والديمقراطية والتقدم واصفاً ذلك بالاستعمار الجديد، وأنّ العواقب العملية الملموسة لمثل هذه السياسة هي اختلالات خطيرة في الاقتصاد العالمي، واختلال في التوزيع العالمي للعمالة والدخل.  

كما يسعى خطاب تواديرا، ثانياً، إلى خلق تضامن مع جمهورية أفريقيا الوسطى على المستوى الدولي، وهو ما حدث بالفعل. فعلى عكس المتوقع من أن يتسبب هذا النوع من الخطاب في توتير علاقات أفريقيا الوسطى مع الدول الغربية الأمر الذي ربما يدفع هذه الأخيرة لاستخدام أسلحة العقوبات عبر المؤسسات الدولية لإعادة أفريقيا الوسطى إلى بيت طاعة ما يعرف بالمجتمع الدولي. فإن أفريقيا الوسطى تمكنت من تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية مهمة، أبرزها الحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي في نهاية يوليو/تموز من العام الماضي بالرفع الكلي لحظر مبيعات الأسلحة المفروض عليها منذ عام 2013، وكذلك الحصول على قرار من (عملية كيمبرلي) في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي أيضاً بالرفع الكامل لحظر مبيعات الماس المفروض عليها أيضاً، منذ أكثر من عشر سنوات، وذلك عقب اندلاع الحرب الأهلية واتهام الجماعات المسلحة بتمويل أنشطتها من الاتجار في الماس، وأيضاً استئناف فرنسا مؤخراً تقديم الدعم المالي لميزانية حكومة الرئيس تواديرا، وأخيراً إعادة تطبيع أفريقيا الوسطى لعلاقاتها مع مؤسسات التمويل الدولية.  

وقد تحققت هذه المكاسب لأن حكومة أفريقيا الوسطى لم تتبع القول بالفعل، بل ظلّت، على المستوي العملي، تخضع، لما تسميه بنفسها "مؤسسات الهيمنة الغربية"، ومنه خضوعها الكلي لشروط صندوق النقد الدولي عبر تنفيذها لبرنامج إصلاح اقتصادي كبير نظير استفادتها من برنامج (التسهيل الائتماني الممدد).