الجمعة 13 مارس 2026
كانت الكاميرون مختبرا حيا لما يمكن أن تفعله الإمبريالية حين تُهدّد مصالحها؛ منذ منتصف الخمسينيات، شنّت فرنسا حربا صامتة على شعب طالب بحقه في تقرير مصيره، حربا امتدت بين 1955 و1970، وخلّفت آلاف الضحايا، لكنها بقيت خارج الذاكرة الرسمية، على عكس ما حدث في الجزائر حيث أُجبرت الدولة الفرنسية، ولو على مضض، على الاعتراف ببعض جرائمها.
ظلّت تلك الحرب "القذرة" في الكاميرون منسية أو مُنكرة، كأنها لم تقع أصلا، وراء هذا الصمت تاريخ طويل من الهيمنة. لم تكن الكاميرون في الأصل مستعمرة فرنسية، إذ خضعت للسيادة الألمانية بعد مؤتمر برلين عام 1885، حين اقتسمت القوى الإمبريالية القارّة الأفريقية كما تُقسَّم الغنائم. ولم يكن الاستعمار نتيجة "فتح حضاري" أو "طموح أخلاقي"، بل تجسيد مباشر لمنطق رأسمالي في أعلى مراحله (الإمبريالية) إنه منطق التوسع؛ البحث عن أسواق جديدة ومصادر للمواد الخام، ومجالات لتصدير فائض الإنتاج الرأسمالي.
بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، جرى تقسيم مستعمراتها تحت غطاء "الانتداب"، الذي كانت وثائقه الرسمية تتحدث عنه كـ "إعداد الشعوب للحكم الذاتي"، وعن "مسؤولية أخلاقية" تجاه المجتمعات المحلية، غير أن الواقع، كما ستكشفه السنوات اللاحقة، كان مختلفا تماما؛ حيث إن "الانتداب" أو "الوصاية" أو "الحماية" لم تكن سوى استعمارا مؤجّلا، يدار بلغة قانونية ناعمة.
لكنه يمارس على الأرض عبر نهب الموارد الطبيعية، وجعل البلاد خزان أرباح للبرجوازية في باريس، إضافة إلى فرض الضرائب القسرية، العمل الإجباري، وإعادة هندسة المجتمع، وصناعة نخب محلية (فرنكفونية) مرتبطة بالمركز الفرنسي؛ هذا التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما سينتج، في صمت، جيلا من الكاميرونيين الذين لم يعودوا ينظرون إلى الاستعمار بوصفه قدرا، بل بوصفه مسألة سياسية واقتصادية وثقافية تفرض الرفض والمقاومة.
في هذا المناخ، سيظهر رجل مزعج للاستعمار الفرنسي إنه روبين أوم نيوبه. كان واحدا من أولئك الرجال الذين يولدون في زمن الاستعمار، لكنهم يرفضون أن يعيشوا داخله بوصفه قدرا؛ إنه من طينة إدواردو موندلاني وأميلكار كابرال.
ولد في العاشر من أبريل/ نيسان عام 1913 في قرية سونغ مبيك بالكاميرون، حين كانت البلاد لا تزال تحت السيطرة الألمانية. أمضى طفولته الأولى محاطة بعالم ريفي بسيط، غير أن هذا العالم كان مشبعا بعلامات الهيمنة الأجنبية: سلطة غريبة وقوانين مفروضة وأفق مسدود أمام أبناء الشعب. تلقى تعليمه الأول في المدارس الابتدائية التابعة للكنيسة البروتستانتية.
فرنسا لم تكن تخشى الفوضى بالقدر الذي تخشى الشرعية البديلة، بالنسبة لها إن العنف يمكن احتواؤه، أما التنظيم الشعبي الواعي، القادر على بناء خطاب وطني جامع، فهو خطر وجودي على المشروع الاستعماري
كان الكاميرون في تلك الفترة يشهد تحوّلا تاريخيا كبيرا، فقد انتقلت إدارة البلاد إلى فرنسا وبريطانيا بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. هذا التحوّل لم يكن حدثا إداريا فحسب، بل تجربة يومية عاشها الفتى، وهو يرى أرضه تُقسَّم، وشعبه يُدار بقرارات تُتخذ في عواصم بعيدة.
في عام 1929 حصل على أول شهادة مدرسية، ثم التحق عام 1931 بمعهد لتكوين معلمي التعليم الابتدائي في فولاسي. غير أن مساره هناك لم يكتمل بسهولة؛ فقد طرد في سنته الأخيرة لأنه انتقد نوع التعليم الذي كان يُقدَّم، معتبرا أنه يهيّئ أبناء الكاميرون للخضوع لا للتحرر. ومع ذلك، لم يتراجع، وتمكّن لاحقًا من نيل شهادة التدريس.
عمل بعد ذلك معلمًا لسنوات قليلة، ثم التحق سنة 1935 بالإدارة الاستعمارية، دون أن يتخلّى عن دراسته الذاتية. وفي عام 1939 حصل على شهادة في التعليم الثانوي، وأُرسل إلى محكمة مدينة إيديا بوصفه كاتب ضبط. هناك، في قلب الجهاز القانوني الاستعماري، اكتشف أوم نيوبه عالما جديدا: ومن هنا بدأت تتكوّن لديه قناعة حاسمة: أن الظلم نظام بنيوي، وأن تغييره يقتضي مواجهة هذا النظام بلغته نفسها. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عام 1945، شارك في تأسيس اتحاد النقابات العمالية الموحّدة بدعم من الكونفدرالية العامة للشغل في فرنسا، وأصبح أول أمين عام له.
كان أوم نيوبه يدرك، أن الاستعمار الحديث لا يقوم فقط على القوة العسكرية، بل على شرعية رمزية، تُبنى عبر القوانين والمواثيق والخطاب الدولي، لذلك، قرر أن يواجه فرنسا من داخل هذا الفضاء نفسه، مستخدما أدواتها، ومعيدا توجيهها ضدها؛ تكشف وثائق الأمم المتحدة أن أوم نيوبه كان فاعلا سياسيا يعرف بدقة كيف يعمل النظام الدولي؛ ففي خطاب ألقاه عام 1952 أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة، استطاع أن يبتعد عن الشعارات عامة، والخطاب العاطفي تجاه الحاضرين، وقدّم ملف اتهام هادئا ضد نظام الوصاية الفرنسي في الكاميرون.
إن هذا الصمت لا يمكن فهمه إلا عبر ما يسميه مبيمبي "سياسة النسيان المنظّم"، في تحليلاته عن الدولة ما بعد الاستعمار، يشرح كيف لا تكتفي السلطة بالعنف، بل تعيد كتابة التاريخ، وتمحو الأسماء التي تهدد شرعيتها
النص الكامل لهذا الخطاب، المتاح اليوم في نسخته المنشورة والمشروحة، يكشف لغة قانونية دقيقة، تُذكّر فرنسا بالتزاماتها الدولية، وتضعها في مواجهة مباشرة مع ميثاق الأمم المتحدة. طالب أوم نيوبه بثلاثة أمور واضحة لا لبس فيها: في مقدمتها الاستقلال الفعلي، تليها وحدة التراب الكاميروني، وأخيرا إنهاء الوصاية دون شروط. لقد كان هذا الخطاب صرخة ومحاججة، وهذا ما جعله خطرا على الفرنسيين.

كان أبرز قادة الاتحاد الشعبي الكاميروني (UPC)الذي تأسس سنة 1948، وسرعان ما تحولت الحركة إلى العمود الفقري للكفاح الوطني، حيث كان الاتحاد حزبا شرعيا سياسيا يسعى إلى إعادة تعريف الدولة نفسها، فما الذي أخاف السلطات الفرنسية فعلًا؟ الإجابة نجدها بوضوح في كتاب الكاتب الكاميروني مونغو بتي "القبضة على الكاميرون"(Main basse sur le Cameroun)، حيث يشرح مونغو بتي أن فرنسا لم تكن تخشى الفوضى بالقدر الذي تخشى الشرعية البديلة، بالنسبة لها إن العنف يمكن احتواؤه، أما التنظيم الشعبي الواعي، القادر على بناء خطاب وطني جامع، فهو خطر وجودي على المشروع الاستعماري.
كان أوم نيوبه يرفض القبلية، ويهاجم الجهوية، ويؤكد أن الاستعمار يعيش على تفتيت المجتمع. بالنسبة له، الشعب الكاميروني هو كيانا سياسيا يجب أن يولد موحّدا، أو لا يولد أصلا. هذا الخطاب الوحدوي، في سياق استعمار يقوم على التقسيم، جعل الرجل غير قابل للاحتواء.
قررت فرنسا عام 1955 حظر حزب "UPC" رسميا، وكان القرار "إجراءً أمنيا". لكن ما تلاه لم يكن أقل من حرب غير معلنة، القرى التي يُشتبه في تعاطفها مع الحزب تعرضت للعقاب الجماعي، والنشطاء طوردوا، والاعتقالات أصبحت يومية، كل هذا جرى في صمت إعلامي شبه كامل.
يكشف كتاب: "الحرب الخفية في الكاميرون"(La guerre cachée du Cameroun) ، أشيل مبيمبي، اعتمادا على الأرشيف العسكري والإداري الفرنسي، أن ما جرى بين 1955 و1971 كان حربا حقيقية، لكنها لم تسم كذلك (الإعدامات الميدانية والتهجير وسياسة الأرض المحروقة...) كلها موثقة في وثائق محفوظة اليوم في الأرشيف الوطني الفرنسي لما وراء البحار...( ANOM) .
في هذا السياق، أصبح أوم نيوبه مطاردا، لأنه لم يُقدم للرأي العام باعتباره قائدا سياسيا، بل بوصفه "مخرّبا" و"متمرّدا"، ومع ذلك، وحتى في هذه المرحلة، لم يتحول خطابه إلى تمجيد للعنف، فقد كان يرى، كما تُظهر بيانات الحزب، أن السلاح ليس خيارًا أوليًا، بل نتيجة لإغلاق المجال السياسي بالكامل.
في صباح 13 من سبتمبر/أيلول 1958، كانت المطاردة قد بلغت ذروتها، يروي المؤرخ الكاميروني جاكوب تاتسيتسا، في مقابلة مع موقع "JusticeInfo"، أن مخبأ روبين أوم نيوبه رُصد قبل أيام من اغتياله، وأن رفاقه ألقي القبض عليهم واحدا تلو الآخر. تحت التعذيب، أدلى بعضهم بمعلومات عن مكانه. عندها تحرّكت وحدة من "القوات المساعدة" بقيادة ضابط فرنسي نحو الغابة.
وفي أكثر من مكان، أُعيدت كتابة التاريخ وصناعة الذاكرة كي يبدو الانتقال "سلسا" و"عقلانيا" و"بلا دماء"، وكأن الاستقلال كان هدية لا ثمرة نضال
يقدّم أشيل مبيمبي، في كتابه "ميلاد المقاومة في جنوب الكاميرون"، وصفا بالغ القسوة لتلك اللحظة، فيقول إن الجنود، ومن بينهم مجنّد تشادي يُدعى سارا عبد الله (Sara Abdoulaye)، كانوا "يطلقون النار في كل الاتجاهات". لم يتعرّف المتعقّبون على أوم نيوبه في البداية". عندها أشار إليه أحد المرشدين، أطلق عبد الله النار عليه من الخلف فأصابه، سقط أوم نيوبه أرضا، وسقطت منه حقيبة تحتوي على بعض الوثائق ودفاتر كان قد دوّن فيها أحلامه، ومات وهو يئن. لم يكن القتل كافيا، قبل دفنه، غُمِرت جثته في كتلة خرسانية. يضيف مبيمبي: "بتشويه الجثة، أرادوا طمس هوية الجسد، وتحويله إلى كتلة مشوّهة لا يمكن التعرّف عليها". ويعلّق المؤرخ توماس ديلتومب بأن الهدف النهائي لم يكن التخلص من رجل، بل "استئصال فكرة الاستقلال من عقول الكاميرونيين".
الأخطر من هذا وذاك أن اسمه مُنع من التداول، حزبه جُرِّم، وتحوّل الاستقلال الذي أُعلن بعد ذلك بعامين إلى سردية رسمية نظيفة، بلا دماء وبلا ذاكرة. إن هذا الصمت لا يمكن فهمه إلا عبر ما يسميه مبيمبي "سياسة النسيان المنظّم"، في تحليلاته عن الدولة ما بعد الاستعمار، يشرح مبيمبي كيف لا تكتفي السلطة بالعنف، بل تعيد كتابة التاريخ، وتمحو الأسماء التي تهدد شرعيتها. قراءة حديثة لهذا المسار يمكن تتبعها في التحقيق المنشور على JusticeInfo.net، الذي يصف أوم نيوبه بأنه رمز لجرائم استعمارية لم تحاسب
.
إن عودة اسم روبين أوم نيوبه إلى النقاش العام اليوم ليست مجرد مسألة تاريخية، إنها جزء من معركة الذاكرة التي يجب أن تدخل فيها أفريقيا، فالكاميرون، مثل كثير من الدول الأفريقية، ورثت دولة مستقلة شكليا، لكنها محكومة بتوازنات صيغت خلال الحقبة الاستعمارية.
إعادة قراءة سيرة أوم نيوبه تفتح سؤالا مزعجا: هل كان يمكن لمسار الاستقلال أن يكون مختلفا؟ بالنسبة للقارئ العربي، لا تبدو هذه الأسئلة غريبة. تاريخ المنطقة مليء بتجارب استقلال ولدت ناقصة (التبعية)، وبحركات تحرر أُقصيت أو صُفِّيت لأن مشروعها كان أكبر من قدرة النظام الدولي على احتماله؛ في أكثر من بلد، جرى اغتيال الوعي قبل أن يتحول إلى دولة. وفي أكثر من مكان، أُعيدت كتابة التاريخ وصناعة الذاكرة كي يبدو الانتقال "سلسا" و"عقلانيا" و"بلا دماء"، وكأن الاستقلال كان هدية لا ثمرة نضال.