تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

روايتان سودانيتان ضمن قائمة أهم خمسين رواية عربية

5 يونيو, 2025
الصورة
روايتان سودانيتان ضمن قائمة أهم خمسين رواية عربية
Share

تلقت الساحة الثقافية العربية حقنة منشطة في الوريد، فلم تهدأ منذ إعلان صحيفة The National الإماراتية لقائمة بأهم خمسين رواية عربية صدرت خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وقد تفوقت مصر في هذه القائمة بستِ روايات، تليها لبنان وفلسطين  والسعودية، واُخْتيرت من السودان روايتان.  

أوضح التقرير الذي أعدته الصحيفة بالتعاون مع مركز أبو ظبي للغة العربية، وبمساهمة أكثر من 50 كاتبا وناشرا وخبيرا ومنظم مهرجانات عربية ولجان تحكيم الجوائز العربية من مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- بما في ذلك جائزة الشيخ زايد للكتاب والجائزة العالمية للرواية العربية أن اختيار الروايات جاء بناء على تأثيرها في المشهد الثقافي العربي، في ظل التحولات التي شهدها السرد العربي خلال العقدين الماضيين، ولاستكشافاتها العميقة، وتنوعها في الزمان والمكان.  

صاحب الإعلان جدل واسع بين المهتمين بالأدب، فيرى البعض أن روايات أكثر أهمية لم تتضمنها القائمة، وهنالك روايات وجدت لها مكانا مرموقا لا تستحقه، لكن الأمر لا يستحق أن نحمله ما لا يحتمل، فالروايات المهمة أكثر بكثير من هذا العدد الذي تم اختياره، ومن المنطقي جدا استبعاد عدد من الكتب الجيدة والمهمة لأن القائمة لا تحتمل. 

حجر في البركة الراكدة 

نفتقد في العالم العربي والعالم الثالث عموما مثل هذه التصنيفات التي تحرك بركة الثقافة الراكدة، ففي الغرب مثلا توجد إحصائيات دورية بشأن الكتب ومبيعاتها، مما يجعل من ثقافة القوائم أمرا عاديا، فنجد قوائم كنيويورك تايمز للكتب الأعلى مبيعا، وقوائم أخرى تصدرها الصحف والمجلات، يختار فيها المحررون أفضل الكتب الصادرة خلال العالم بحسب الفئات، وقوائم أخرى بالكتب التي لا بد أن تقرأها في هذا العام. 

 إضافة إلى الجوائز وما تثيره في القراء والكتاب على السواء، وحسنا فعلت صحيفة "The national" فقد حركت البركة الراكدة، ووصفت ما فعلته "بمثابة دليل وتحية للأصوات الأدبية النابضة بالحياة، التي تضيف عمقا وثراء إلى منطقة كثيرا ما يُساء فهمها، وتشير في الوقت نفسه إلى مستقبل أدبي واعد"، وربما تحذوا صحفا أخرى حذوها، فنرى قائمة في كل عام لكتب صدرت في مجالات شتى، وربما تجد روايات عظيمة أخرى سقطت سهوا- أو اضطرارا – عن قائمة ذا ناشيونال، طريقها إلى الذكر الذي تستحقه. 

يعد هذا الاختيار دفعة قوية للرواية السودانية، فقد تستقطب عددا من القراء الذين لم يكتشفوا بعد أدب هذا البلد الذي يسميه أهله قلب أفريقيا النابض، وكذلك يعد فرصة للقراء السودانيين غير المتابعين لما يحدث في ساحة الثقافة العربية 

وعن الجدل الذي دار، يقول أمير تاج السر - الذي اختيرت رواية له ضمن أهم 50 رواية عربية- في مقال له بصحيفة القدس العربي: "لطالما شاهدنا كثيرا كتبا قيمة لا يظهر لها ذكر، لأن لا أحد اهتم بها، بينما أخرى ذاع صيتها بسبب الاهتمام، وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يستطيع المؤلفون أنفسهم، تسليط الضوء على مؤلفاتهم... ولا أظن أن المؤلف الملم بالإنترنت بحاجة لإطراء من نوع القوائم التي تظهر من حين إلى آخر، وينبغي أن لا يمتعض لأن اسمه لم يكن في إحداها، بمعنى لا يجوز التسليم بهذه القوائم والرضوخ لمشيئتها، على الكاتب الحقيقي أن يكتب فقط ولا يهتم، وعلى القارئ الحقيقي، أن يستمر في النبش للحصول على الدرر التي تحتاج فعلا لمجهود للعثور عليها". 

  حضور الرواية السودانية 

ما زال السودان يعتبر من بلدان الهامش الثقافي العربي، فهو يحتاج إلى مجهود جبار وحنجرة أسطورية لإيصال صوته إلى الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وحول هذا الوضع يتهم السودانيون العرب بعدم محاولة استكشاف فنهم الأقرب إلى الروح الإفريقية، وكذلك أدبهم رغم علو كعبه في العربية. 

 يرد العرب بأن السودانيين لا يقدمون أنفسهم، وإعلامهم مقصر جدا في الوصول إلى أبعد من حدود بلاده، وحتى لعهد قريب حين يُذكر الغناء السوداني على الصعيد العربي فإن اسم سيد خليفة هو الاسم الوحيد الذي تلهج به الألسنة، وحين تأتي سيرة الشعر فلا اسم غير الفيتوري وبالكاد الهادي آدم الذي تغنت أم كلثوم بقصيدته اليتيمة أغدا ألقاك، أما حين تُذكر الرواية السودانية فإن اسما واحدا هو الذي يخطر على البال، ويمكنك ببساطة أن تُخمِّن– عزيزي القارئ- من هو، نعم، إنه الطيب صالح، صاحب موسم الهجرة إلى الشمال التي اختيرت ضمن أفضل مائة عمل إنساني في القرن الماضي.  

ثمة طفرة في الرواية السودانية في القرن الحادي والعشرين، جعلتها تُحظى كل يوم بانتشار عربي، فقد ظهرت أسماءٌ كثيرة، ربما بسبب اغتراب عدد من الكتاب السودانيين في دول الخليج مما سهل لهم الاندماج مع المحيط العربي والمشاركة الفعالة في الفعاليات والمعارض والجوائز العربية، كذلك ساهم الأنترنت ومواقع التواصل في بروز عدد مقدّر من الكتاب، وعدد لا بأس به من روايات ذاع صيتها في الفضاء العربي والعالمي، وقد تضمنت قائمة ذا ناشيونال اثنتين من الروايات السودانية، هما: "صائد اليرقات" و"شوق الدرويش". 

يعد هذا الاختيار دفعة قوية للرواية السودانية، فقد تستقطب عددا من القراء الذين لم يكتشفوا بعد أدب هذا البلد الذي يسميه أهله قلب أفريقيا النابض، وكذلك يعد فرصة للقراء السودانيين غير المتابعين لما يحدث في ساحة الثقافة العربية، خاصة مع صعوبة وصول الكتب الورقية إلى السودان لعوامل عديدة. وفي هذه المقالة سنلقي الضوء على الروايتين السودانيتين، صائد اليرقات ذات البعد السياسي وشوق الدرويش التي غاصت في أعماق التاريخ السوداني، فربما تحفز الذين لم يطلعوا عليهما حتى الآن لقراءة ممتعة لجوهرتين من جواهر الأدب السوداني المعاصر. 

 شوق الدرويش 

رواية "شوق الدرويش" هي واحدة من أبرز الأعمال الروائية السودانية المعاصرة، كتبها حمور زيادة المقيم في القاهرة، ونُشرت لأول مرة عام 2014 عن دار العين للنشر في القاهرة. حازت الرواية على اهتمام نقدي واسع، كما أنها فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، الجائزة التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبلغت القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2015، مما زاد من شهرتها عربياً وعالمياً، وترجمت لعدد من اللغات منها: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية. 

أثارت الرواية نقاشاً حاداً في السودان بين من رآها فضحاً ضرورياً لماضٍ دموي، وبين من اعتبرها تشويهاً لرموز دينية وتاريخية، واتهم البعض حمور زيادة بأنه يقدم صورة منحازة لمصر، وأنه لم يقدم الثورة المهدية كما ينبغي. 

تدور أحداث الرواية في السودان في أواخر القرن التاسع عشر، أثناء فترة الثورة المهدية وسقوط الخرطوم، وهي فترة مشحونة بالصراعات السياسية والدينية والاجتماعية، تقدم شوق الدرويش نقداً جريئاً للمهدية بوصفها نظاماً استبدادياً، رغم أن الخطاب الرسمي السوداني كثيراً ما يحتفي بها، أما على الصعيد الشعبي فما زال البعض يحلفون بالمهدي إيمانا بمهديته التي تصفها الرواية بأنها حالة من الدروشة ليس إلا. ورغم البنية السياسية للرواية، إلا أنها رواية حب ومأساة أيضاً. 

تساءلت الرواية عن معنى الحرية، وعن كيف يحطم العنف حياة البشر ويشوّه أرواحهم، فبطل الرواية يُدعى بخيت منديل، وهو عبد سابق يعاني من العبودية والتهميش والقهر، يسجن بخيت ظلماً، ويقضي سبع سنوات في السجن، كسني يوسف العجاف، ثم يأتي الفرج بسقوط الخرطوم، "من يومين سقطت المدينة، بلغهم أن خليفة مهدي الله وقادته قد فروا. دخل المصريون أم درمان"، وبدخولهم فُتحت أبواب السجون وتحطمت الأغلال، وخرج بخيت "إلى الشارع متعثرا، النار والدخان في كل مكان، المدينة مستباحة، العساكر السودانية تنهب البيوت"، يتسلل إلى بيت مريسيلة، ليبدأ حياة جديدة، يبحث فيها عن الانتقام والعدالة والحب الضائع.  

 صائد اليرقات 

رواية "صائد اليرقات" هي واحدة من أبرز أعمال الروائي السوداني أمير تاج السر، نُشرت عام 2010، ولاقت ترحيباً واسعاً نقدياً وجماهيرياً، وتم ترشيحها للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2011. تعد نموذجاً للروايات التي تتكأ على ثيمة الرقابة، إذ أنها تكشف علاقة السلطة بالمثقف بطريقة ساخرة، وتكمن المفارقة الساخرة في بطلها الذي كان جزءً من المنظومة الرقابية، فيتحول إلى مُرَاقب عندما يتقمص دور المثقف، تُدرس الرواية في أقسام الأدب المقارن في جامعات أجنبية، ضمن الأدب العربي المعاصر، وتُرجمت لعدد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية وغيرها. 

تدور الرواية حول عبد الله حرفش، ضابط أمن سابق، عاش حياة مليئة بالمراقبة والتجسس على الكتّاب والمعارضين. وبعد التقاعد، يُقرر أن يصبح كاتباً روائيا، كوسيلة لتفريغ ما يعانيه من ارتياب واضطراب ما بعد الصدمة نتيجة مهنته السابقة، والتي فقد فيها ساقه عندما وقع في كمين، ورغم عدم امتلاكه لأي تجربة أدبية حقيقية، لكنه يُدلل على إمكانية الكتابة بنماذج قرأ عنها في الصحف، فقد قرأ أن بائع ورد بنغالي في مدينة نيس الفرنسية قد كتب رواية عن الورد بطلتها امرأة من المهاجرات الإفريقيات، ورواية أخرى يكتبها إسكافي عن الحرب الأهلية في رواندا ببراعة أكثر من الذين خاضوها، وقرأ أيضا أن بائعة هوى تائبة في سايغون كتبت روايتين رائعتين تترجمان إلى كل اللغات وينبهر بهما القراء". وبهذا قد أقنع نفسه عملا بالمقولة الشهيرة التي تستخدمها كتب مساعدة الذات: ما هو ممكن لغيري، ممكن لي". 

ثمة طفرة في الرواية السودانية في القرن الحادي والعشرين، جعلتها تُحظى كل يوم بانتشار عربي، فقد ظهرت أسماءٌ كثيرة، ربما بسبب اغتراب عدد من الكتاب السودانيين في دول الخليج مما سهل لهم الاندماج مع المحيط العربي والمشاركة الفعالة في الفعاليات والمعارض والجوائز العربية 

يدخل عبد الله حرفش- أو عبد الله فرفار- عالم الأدب من باب الفضول والمكر المهني القديم، فهو لم يكن قارئا، ولم يقف أمام مكتبة من قبل إلا حين يدخلها مشبوه تلاحقه الأجهزة الأمنية، أو إذا جاءت تقارير تفيد بأن كتبا ممنوعة دخلت البلاد خفية بواسطة مهربي كتب محترفين وتوزع من تحت الطاولات، لكن الآن تغير المنظور، ويبدأ في تعقب الكتّاب في ملتقياتهم، كما كان يفعل وهو ضابط، يراقب الروائي (أ، ت) الذي تحتشد حوله النساء، يريد أن يتعلم منه فن الكتابة، يحاول أن يقرأ لينسج على منوال ما يقرأ، وبذهابه إلى الملتقيات الأدبية، يصطدم بتجربة مختلفة تماماً عن عالمه السابق. لكن بدلاً من أن يبدع، يبدأ في تقليد ما يقرأه، ويستمر في استخدام نفس أدواته القديمة: الشك والمراقبة والتحليل الأمني، في تحليل النصوص والأشخاص. 

تتسم الرواية بنبرة تهكمية لاذعة، تسخر من الواقع الثقافي والسياسي، ومن الكتّاب المزيفين، والنقاد المتكلفين، والسلطات الأمنية التي تتسلل إلى الأدب. وه " ليست فقط عن الأمن وتدخلاته، بل أيضاً عن زيف بعض الممارسات الثقافية، وعن كتاب لا يمتلكون رؤى، ونقاد يغرقون في التنظير الفارغ. وتتساءل الرواية أيضا عن ما يجعل شخصاً ما "كاتباً"؟ هل هي الموهبة؟ أم التجربة؟ أم النشر؟ أم مجرد الادعاء؟ 

هذه تقديمة للاحتفاء، ربما نحتاج إلى كتابات نقدية لسبر أغوار الروايتين، فقراءتهما فرصة ممتازة للنظر إلى حياتنا التي تحاول الأنظمة أن تصيغها بالطرق التي تخدم بقاءها؛ وتسعى إلى تكميم الأفواه التي تقدم طرحا مختلفا عن طرحها، وكذلك إعادة النظر في تاريخنا وتأثيراته في تشكيل الواقع بعيدا عن النظرة الأحادية لقراءة التاريخ التي يسعى البعض إلى تكريسها، ومن بينهم مثقفون للأسف، فالأدب الجيد هو ما يدفعنا للنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة، ويضطرنا إلى طرح الأسئلة.