تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

رواندا والكونغو الديمقراطية: دبلوماسية القمصان في زمن البنادق

1 أغسطس, 2025
الصورة
رواندا والكونغو الديمقراطية: دبلوماسية القمصان في زمن البنادق
Share

أطلقت رواندا والكونغو الديمقراطية فصلًا جديدًا من التنافس بينهما، بعيدًا عن ساحات القتال، نحو ميادين الرياضة والقوة الناعمة. استعانت كيغالي بكرة القدم الأوروبية رافعة دبلوماسية، باستثمار ملايين الدولارات في رعاية أندية لترويج صورتها دولة حديثة وآمنة. في المقابل، تسعى كينشاسا إلى مجاراة هذا الزخم الرمزي، عبر تبنّي استراتيجية مماثلة توظف كرة القدم كأداة لإعادة تقديم البلاد على المسرح الدولي، وكسر الهيمنة الإعلامية التي تحيط بالنموذج الرواندي.

دبلوماسية ناعمة أم إهدار للموارد؟

وقّعت الكونغو الديمقراطية، في 29 يونيو/حزيران 2025، عقد رعاية مع نادي برشلونة الإسباني بقيمة 46.37 مليون دولار تُدفع على مدى أربعة مواسم، بمعدل يتراوح بين 11.6 و13.3 مليون دولار سنويًا، وبموجب الاتفاق، سيظهر شعار يروّج للسياحة في الكونغو الديمقراطية على ظهر قمصان التدريب والإحماء للفرق الرجالية والنسائية في النادي الكتالوني، إضافة إلى ظهوره في الإعلانات الرسمية ومجلة النادي. تهدف الاتفاقية إلى الترويج للسياحة وجذب الاستثمارات وتعزيز التراث الثقافي والطبيعي للبلاد، في خطوة تُعد جزءًا من تحرّك أوسع تتبناه كينشاسا لتوظيف كرة القدم أداة دبلوماسية ناعمة، تعزّز من حضورها الدولي، وتنافس بها استراتيجية رواندا التي سبقتها إلى هذا الميدان.

في إطار الاستراتيجية نفسها، وقّعت الحكومة الكونغولية عقودًا إضافية مع ناديي إي سي ميلان وموناكو، في يونيو/ حزيران الماضي، في خطوة تهدف إلى تحسين صورتها الدولية. يمتد كلا العقدين لثلاث سنوات، حيث سيحصل ميلان على 15.4 مليون دولار سنويًا، بينما سيحصل موناكو على 1.7 مليون دولار. وستحمل قمصان الأندية الثلاثة الموقعة على الاتفاقيات شعار "استكشف جمهورية الكونغو الديمقراطية، قلب أفريقيا". ويأتي الاتفاق مع ميلان تحديدًا ضمن السياق الأوسع لخطة ماتي الإيطالية من أجل أفريقيا، وهي استراتيجية أطلقتها روما لتعزيز التعاون والاستثمار في القارة، مستخدمة أدوات غير تقليدية مثل كرة القدم لربط التنمية بالدبلوماسية التجارية.

من غير المنطقي تخصيص هذا الإنفاق في وقت تمر فيه البلاد بأزمة إنسانية حادّة، تجاوز فيها عدد النازحين 7 ملايين شخص، ويعاني أكثر من 25 مليونًا من الجوع وسوء التغذية

تعرضت هذه الشراكات لانتقادات واسعة داخل الكونغو الديمقراطية، إذ عبّر السياسي البارز ومالك نادي مازيمبي، مويس كاتومبي، عن رفضه الشديد لخطة الحكومة توقيع عقود رعاية بملايين الدولارات مع أندية أوروبية. ووصف كاتومبي هذه الخطوة بأنها مستفزة، وغير مقبولة أخلاقيًا، معتبرًا أن من غير المنطقي تخصيص هذا الإنفاق في وقت تمر فيه البلاد بأزمة إنسانية حادّة، تجاوز فيها عدد النازحين 7 ملايين شخص، ويعاني أكثر من 25 مليونًا من الجوع وسوء التغذية. وانتقد كاتومبي ما اعتبره تضحية بمصالح الداخل لصالح صورة خارجية، مشيرًا إلى أن الأموال تُوجَّه لفرق غنية أصلًا، بدلًا من توظيفها في دعم الرياضة المحلية أو التخفيف من المعاناة اليومية للمواطنين.

في المقابل، دافع وزير السياحة، ديدييه مبامبيا، عن الاتفاقيات، مؤكدًا أنها جزء من رؤية تنموية أشمل تهدف إلى جذب الاستثمارات، وتعزيز الرأس مال البشري. إلا أن جهات رقابية ووسائل إعلام أثارت تساؤلات حول جدوى هذه العقود وتوقيتها، محذّرة من أن تقع في منطقة رمادية بين الترويج السياحي المشروع والغسيل الرياضي، في وقت تتصاعد فيه التوترات الأمنية.

رواندا بين دبلوماسية القمصان وغضب الكونغو

لم تكن هذه الرؤية ابتكارًا كونغوليًا خالصًا، إذ سبقتها كيغالي إلى هذا الميدان بخطوات محسوبة ومبكرة. ففي أبريل/نيسان 2025، وقّعت رواندا عقد شراكة مع نادي أتلتيكو مدريد الإسباني بقيمة 30 مليون دولار، يمتد لثلاث سنوات، في إطار مساعي كيغالي لتوسيع حضورها الخارجي عبر أدوات القوة الناعمة. وبموجب الاتفاق، يظهر شعار "Visit Rwanda" على قمصان الفريق الرسمية للرجال والسيدات، فيما تشمل البنود الترويجية إدراج القهوة الرواندية ضمن ضيافة ملعب "واندا متروبوليتانو".

تندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها الحكومة الرواندية إلى ربط الترويج السياحي بدفع عجلة التصدير، خاصة في قطاع البن الذي يُعد أحد أعمدة الاقتصاد الزراعي في البلاد. فبين عامي 2017 و2023، صدّرت رواندا أكثر من 113 ألف طن من البن، محققةً عائدات تجاوزت 452 مليون دولار. ووفقًا للخطة الاستراتيجية الخامسة للتحول الزراعي "PSTA 5" للفترة 2024–2029، تطمح كيغالي إلى رفع إيرادات البن إلى 160 مليون دولار سنويًا بحلول عام 2029، في مقاربة تسعى إلى تعظيم القيمة الاقتصادية من بوابة الشراكات الرياضية الدولية.

أسهمت الشراكات التي أبرمتها رواندا مع أندية كرة القدم الأوروبية الكبرى في ترسيخ حضورها العالمي، متجاوزة البعد السياحي التقليدي نحو تقديم البلاد قوة صاعدة تتقن توظيف أدوات التأثير الرمزي

بدأت رواندا في بناء استراتيجيتها الناعمة عبر الرياضة العالمية عام 2018، حين وقّعت أولى اتفاقياتها مع نادي أرسنال الإنجليزي، في صفقة بلغت قيمتها نحو 39 مليون دولار لمدة ثلاث سنوات. وفي العام التالي، وسّعت رواندا من نطاق تحركها بعقد شراكة جديدة مع نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، بقيمة 11 مليون دولار للمدة نفسها، ما عزّز حضورها في أحد أبرز الدوريات الأوروبية. بحلول عام 2023، انضم نادي بايرن ميونيخ الألماني إلى قائمة الشراكات الرواندية باتفاقية تمتد لخمس سنوات، وتبلغ قيمتها أكثر من خمسة ملايين دولار سنويًا. مثّلت هذه الخطوات المتتالية ملامح سياسة خارجية غير تقليدية، اعتمدت على كرة القدم كأداة تأثير، لترويج صورة البلاد.

بحسب تقرير "Le Monde"، أسهمت الشراكات التي أبرمتها رواندا مع أندية كرة القدم الأوروبية الكبرى في ترسيخ حضورها العالمي، متجاوزة البعد السياحي التقليدي نحو تقديم البلاد قوة صاعدة تتقن توظيف أدوات التأثير الرمزي. فقد نجحت كيغالي في رسم صورة لدولة طموحة، تُعيد بناء هويتها الدولية بثقة، وتشكل نموذجًا أفريقيًا يُحتذى به في إدارة السمعة وتعظيم القوة الناعمة، خصوصًا في ظل محدودية الموارد التقليدية للنفوذ.

غير أن هذه الاستراتيجية لم تمر دون معارضة، ففي فبراير/شباط 2025، ومع تصاعد التوتر في شرق الكونغو الديمقراطية وسيطرة قوات حركة "M23" المدعومة من رواندا على مدينة غوما، أطلقت كينشاسا حملة دبلوماسية ضد الشراكات الرياضية الرواندية. فقد وجّهت وزيرة الخارجية الكونغولية، تيريز كاييكوامبا فاغنر، رسائل إلى إدارات أندية أرسنال وباريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ، تتساءل فيها عن البعد الأخلاقي لتلك العقود، واصفة إياها بأنها "ملطخة بالدماء"، في ظل تقارير أممية تؤكد وجود أكثر من 4000 جندي رواندي داخل الأراضي الكونغولية.

أرباح الترويج الرياضي بين الواقع والطموح

استطاعت رواندا، خلال العام الأول من شراكتها مع نادي أرسنال الإنجليزي، أن تحقق مكاسب اقتصادية وإعلامية كبيرة، إذ استردّت الحكومة الرواندية ما يفوق 100٪ من عائدات الاستثمار التسويقي، عبر تحصيل ما يقارب 40 مليون دولار في عام 2018 وحده. هذا النجاح المبكر ترافق مع مؤشرات مباشرة على مستوى حركة السياحة، حيث شهدت البلاد زيادة بنسبة 5٪ في أعداد الزوار القادمين من المملكة المتحدة، وارتفع عدد السياح إلى 1.7 مليون، بزيادة تبلغ 8٪ مقارنة بالعام السابق، ما ساهم في ترسيخ القناعة داخل دوائر صنع القرار في كيغالي بفعالية هذه المقاربة في إعادة صياغة موقع رواندا في النظام الدولي.

في عام 2024، واصلت البلاد هذا المسار التصاعدي محققة نموًا استثنائيًا في قطاع السياحة، حيث استقبلت أكثر من 1.36 مليون زائر، وبلغت الإيرادات السياحية نحو 647 مليون دولار، مقارنة بـ620 مليون دولار في العام السابق، مدفوعة بأداء قوي في قطاعات فرعية متعددة، من أبرزها سياحة الفعاليات، حيث استضافت رواندا 115 فعالية دولية رفيعة المستوى استقطبت أكثر من 52 ألف مشارك، وهو ما ورد في تقرير صادر عن مجلس التنمية الرواندي.

ساهم في ترسيخ القناعة داخل دوائر صنع القرار في كيغالي بفعالية هذه المقاربة في إعادة صياغة موقع رواندا في النظام الدولي

كما لعبت سياحة الغوريلا دورًا محوريًا في هذا النمو، إذ نمت إيراداتها بنسبة 27٪ لتتجاوز حاجز الـ200 مليون دولار، مما عزز من موقع رواندا باعتبارها دولة رائدة في السياحة المستدامة على مستوى القارة. كما شهدت المتنزهات الوطنية ارتفاعًا في أعداد الزوار بنسبة 10٪ لتصل إلى 138 ألف زائر، بإيرادات بلغت 38.8 مليون دولار، بينما استمرّت دول شرق أفريقيا في تصدّر الأسواق المصدّرة للسياح بأكثر من 1.09 مليون زائر، إلى جانب حضور متنامٍ من أوروبا (83,076 زائرًا)، وأمريكا الشمالية (52,805)، وآسيا (36,256)، وهو ما يعكس الأثر التراكمي لاستراتيجية الترويج السياحي في المحافل الرياضية والإعلامية العالمية.

تخوض رواندا والكونغو الديمقراطية معركة جديدة على أرض الملاعب، حيث تحولت القمصان الرياضية إلى أدوات دبلوماسية، وشعارات السياحة إلى رسائل سياسية تسعى لإعادة رسم صورة أفريقيا كقارة طموحة ومنفتحة. غير أن هذه الاستراتيجية تثير تساؤلات حول الأولويات وجدوى توظيف الرموز في ظل أزمات خانقة. ويبقى النجاح مرهونًا بقدرة كل دولة على تحقيق توازن حقيقي بين بناء السمعة الخارجية والاستجابة لتحديات الداخل، حتى لا تتحول الشعارات إلى مجرد حبر على قماش يُثقل كاهل شعوبها.