جاءت زيارة رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله "عرو" إلى واشنطن في إطار سعي هرجيسا إلى البناء على الاعتراف الإسرائيلي بها في ديسمبر ٢٠٢٥، والحصول على دعم أمريكي يوسع فرص اعتراف دول أخرى. وكان لقاؤه في معهد هدسون، خلال زيارته الأولى للولايات المتحدة منذ انتخابه، فرصة لشرح الأسس السياسية والاقتصادية لهذا المسعى. لكن الارتباك في إجاباته أضعف وضوح الرسالة التي أراد إيصالها، وأثار تساؤلات بشأن التحضير للزيارة.
وتوضح مقابلة عرو مع سيمافور اتساع العروض التي تحملها هرجيسا إلى واشنطن. فقد تحدث عن فرص الاستثمار في الموانئ والموارد المعدنية، وترك احتمال إقامة قواعد وتقديم تسهيلات عسكرية للأمريكيين والإسرائيليين مفتوحًا للتفاوض، مع تأكيده أن بلاده تنتظر مقابلًا. ولم يتضمن التقرير إعلانًا عن اتفاق عسكري أو تعهد أمريكي بالاعتراف.
لذلك يظل السؤال الأساسي متعلقًا بقدرة الحكومة على تحويل هذه العروض إلى مكاسب سياسية محددة. فتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني قد يخدم مصالح الطرفين، لكنه لا يقود بالضرورة إلى تغيير الموقف الأمريكي من الاعتراف. ومن هنا تأتي أهمية تحديد شروط التفاوض وتسلسل الالتزامات، حتى لا تقدم هرجيسا تنازلات يصعب التراجع عنها بينما يبقى هدفها الرئيسي البحث عن الاعتراف مؤجلًا.
وتساعد تطورات البحر الأحمر وتهديدات الحوثيين وتداعيات الحرب مع إيران على فهم توقيت الزيارة. وقد ربط معهد هدسون اللقاء بالتنافس على النفوذ في شرق أفريقيا، بما يشمل الصين وروسيا وإيران. يمنح هذا السياق موقع صوماليلاند أهمية إضافية، ويتيح لحكومتها فرصًا لتعزيز علاقاتها الخارجية. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب تقديرًا لتبعاتها على الأمن والاقتصاد وعلاقات الجوار. فاحتياجات القوى الكبرى قد تتغير، بينما تبقى الالتزامات العسكرية وآثارها لسنوات. ولذلك يمكن القياس بمدى اقتراب الزيادة من تحقيق اعتراف واضح وشراكات ذات عائد ملموس، وبقدرة الحكومة على حماية مصالح البلاد من الانخراط في صراعات تتجاوز إمكاناتها.
وفي لقاء هدسون، بدت إجابات عرو أقل استعدادًا مما تتطلبه زيارة بهذا الطموح. فقد نقل ميدل إيست آي أنه أكثر من الضحك وتردد في الإجابة، وعندما سُئل عن المعادن التي يمكن لصوماليلاند تقديمها، قال إنه ليس جيولوجيًا، ثم أضاف: «لا أعرف… ربما كل شيء». يصعب إقناع المستثمرين أو المسؤولين الأمريكيين بجدية عرض اقتصادي بمثل هذه الإجابة. فالمعادن التي يتحدث عنها الرئيس تحتاج إلى معلومات توضح ما هو معروف عنها، وما لا يزال قيد الاستكشاف، وما يمكن استثماره بالفعل. وكان امتلاكه لهذه المعلومات سيمنح حديثه قدرًا أكبر من المصداقية.
ولم يكن ملف المعادن جديدًا على عرو؛ فقد تحدث إلى رويترز في فبراير ٢٠٢٦ عن الاستفادة من موارد بلاده في تطوير التعاون مع إسرائيل، وأشار التقرير حينها إلى اتفاق لاستكشاف الليثيوم. لذلك كان السؤال متوقعًا، خصوصًا في زيارة تسعى إلى جذب الاهتمام الأمريكي بهذه الموارد. وحين ترافقت الإجابة المبهمة مع الضحك المتكرر، بدا أن التحضير للقاء لم يحظَ بالعناية اللازمة. وهذه مسؤولية يتحملها الرئيس وفريقه؛ إذ كان يفترض أن تسبق الزيارة إحاطة واضحة بالملفات المطروحة، تساعده على شرح عروضه والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها، بدل ترك انطباع بأنه لا يعرف تفاصيل إحدى الحجج التي يستند إليها.
وتملك صوماليلاند فرصًا اقتصادية يمكن الحديث عنها بوضوح وثقة. ففي بربرة، على خليج عدن، افتتحت موانئ دبي العالمية عام ٢٠٢١ محطة رفعت الطاقة الاستيعابية للميناء إلى خمسمئة ألف حاوية نمطية سنويًا. ويوفر هذا التطور أساسًا ملموسًا لعرض فرص التجارة والنقل والاستثمار. أما طرح استخدامات عسكرية للميناء أو محيطه، فيحتاج إلى نقاش أوضح بشأن شروطها وتأثيرها في النشاط التجاري وأمن المنطقة. ومن حق المواطنين معرفة العائد المتوقع منها، والالتزامات التي ستتحملها الحكومة، وكيف ستخضع الاتفاقات للرقابة. فقيمة بربرة لا تعفي الحكومة من شرح خياراتها؛ إنها تزيد مسؤوليتها عن حسن التفاوض عليها.
لكن توسيع التعاون مع واشنطن لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم في مسألة الاعتراف. فقد زار قائد أفريكوم ميناء بربرة في نوفمبر ٢٠٢٥ لتقييم بيئته الأمنية وقدرته التشغيلية، بما يعكس اهتمامًا أمريكيًا باستكشاف فرص الاستفادة منه. وقد تجد واشنطن أن بإمكانها تحقيق بعض مصالحها عبر ترتيبات أمنية واقتصادية لا تستدعي تغيير سياستها من "الصومال الواحد". وهذا احتمال ينبغي أن يحضر في حسابات هرجيسا وهي تحدد ما ستقدمه وما تنتظره في المقابل. فمن دون تفاهم واضح على الشروط ومواعيد تنفيذها، قد يتسع التعاون وتزداد الالتزامات الصوماليلاندية، بينما يبقى الاعتراف مؤجلًا.
وفي هذا السياق، يصعب تجاهل ما نقله سيمافور عن اقتراح عرو تسمية مطار بربرة باسم ترامب، أو الترحيب بإنشاء برج يحمل اسمه في هرجيسا. قد تلفت هذه المبادرات انتباه الرئيس الأمريكي، لكنها لا تقدم أساسًا كافيًا لعلاقة سياسية مستقرة. كما أن ربط منشأة عامة باسم زعيم أجنبي، في سياق السعي إلى كسب تأييده، يستحق نقاشًا حول جدواه والرسالة التي يوجهها إلى المواطنين. فالحكومة مطالبة بإظهار ما يمكن أن تحققه من هذه المجاملات، وبناء دعم لقضيتها داخل المؤسسات الأمريكية يتيح للعلاقة أن تستمر بعد انتهاء ولاية ترامب.
وامتدت عروض عرو إلى المشاركة العسكرية في غزة. ففي مقابلة منفصلة نشرتها تايمز أوف إسرائيل في ١١ سبتمبر، قال إن بلاده تستطيع تقديم ما يصل إلى ألفي جندي لقوة الاستقرار الدولية، مع تأكيده أنها لم تتلق طلبًا بذلك من واشنطن أو تل أبيب. وفي غياب هذا الطلب، يبقى الحديث تعبيرًا عن استعداد سياسي لم تتضح شروط تنفيذه. لكن طرحه يستدعي تفسيرًا للمصلحة التي ستعود على صوماليلاند من إرسال قوات إلى غزة، ولطبيعة الدور الذي تتصور الحكومة أن يؤديه جنودها هناك، والكلفة التي تستعد لتحملها.
ولا تسمح المعلومات الواردة في المقابلة بتقدير جاهزية القوات لهذه المهمة؛ إذ لم يشرح عرو ترتيبات التدريب والنقل والتمويل والإمداد، أو الجهة التي ستتولى القيادة وقواعد استخدام القوة. وهذه تفاصيل تتوقف عليها سلامة الجنود وقدرتهم على أداء المهمة. كذلك تحتاج الحكومة إلى توضيح موقفها من حقوق الفلسطينيين، وكيف ستضمن أن تحظى المهمة بقبولهم وألا تُستخدم القوات لفرض ترتيبات عليهم. وقبل الحديث عن عدد الجنود الممكن إرسالهم، ينبغي أن يعرف المواطنون لماذا سيُرسلون، وتحت أي تفويض، وما حدود مسؤوليتهم هناك.
ويثير حديث عرو عن الحماية الخارجية أسئلة إضافية حول حسابات هذه السياسة. فقد قال في المقابلة نفسها إن التهديدات زادت بعد الاعتراف الإسرائيلي، ورأى أن وجودًا عسكريًا إسرائيليًا قد يساعد على ردعها. لكن هذا الخيار يحتاج إلى تقدير لتبعاته؛ فقد يوفر حماية من بعض التهديدات، وفي الوقت نفسه يعرض صوماليلاند لمخاطر مرتبطة بصراعات إسرائيل في المنطقة. ولذلك تحتاج الحكومة إلى توضيح كيف سيعزز هذا الوجود أمن البلاد، وما قد يترتب عليه بالنسبة إلى المدن والموانئ وعلاقات الجوار. فطلب الحماية لا يعفيها من مسؤولية النظر في المخاطر التي قد تنشأ عن الوسيلة التي تختارها لتحقيقها.
وفي غياب طلب أمريكي معلن، يبدو عرض إرسال قوات إلى غزة أقرب إلى محاولة لكسب الاهتمام السياسي منه إلى مشاركة يجري الإعداد لها. وحتى لو قُبلت مساهمة صوماليلاندية لاحقًا، فلن يعني ذلك بالضرورة حصول هرجيسا على الاعتراف الذي تسعى إليه. ويشير تقرير «تايمز أوف إسرائيل» إلى حساسية هذه الخطوة لدى مصر وتركيا وقطر، التي تعارض استقلال صوماليلاند وتؤدي أدوارًا في ملف غزة. لذلك يصعب التعامل مع العرض باعتباره صفقة واضحة يمكن أن تفضي فيها المشاركة العسكرية إلى الاعتراف. وقد تتحمل هرجيسا أعباء المشاركة وتبعاتها السياسية من دون أن تحصل على المقابل الذي تأمله، وهو احتمال يستحق أن يدخل في حساباتها منذ البداية.
وكان في وسع عرو أن يمنح تجربة بلاده السياسية حضورًا أقوى في الزيارة. فقد وصل إلى الرئاسة بعد انتخابات نوفمبر ٢٠٢٤، التي فازت فيها المعارضة وانتقلت على إثرها السلطة؛ وهي تجربة توفر أساسًا لشرح ما بنته صوماليلاند من مؤسسات وما تحتاج إليه لتطويرها. لكن اتساع العروض، حين اقترن بضعف الإجابات عن تفاصيلها، أضعف الرسالة التي أراد إيصالها. وستتضح قيمة الزيارة بما تثمره من التزامات محددة ومنافع يمكن تقييمها. وحتى ذلك الحين، تحتاج الحكومة إلى بيان ما تحقق، وما لا يزال مطروحًا للنقاش، والشروط التي ستلتزم بها قبل اتخاذ قرارات تمس موارد البلاد وأمنها وحياة جنودها.