الأحد 7 يونيو 2026
أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في تطور بارز، استعادتَها السيطرة الكاملة على الحكومة المحلية في الإقليم، مما ينذر بانهيار اتفاقية بريتوريا للسلام الموقعّة مع الحكومة الاتحادية، والتي أنهت صراعا دمويا استمر بين عامي 2020 و2022. تأتي هذه الخطوة وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين بالتنصل من بنود الاتفاق، وتعقّد الحسابات السياسية الداخلية التي باتت ترجح خيارات التصعيد العسكري؛ ليتخذ المشهد وجها أكثر خطورة في ظل سياقات إقليمية متوترة قد تحول هذه الأزمة إلى شرارة تشعل المنطقة بأكملها.
نجحت اتفاقية السلام الدائم، الموقعة في بريتوريا بجنوب أفريقيا (نوفمبر/ تشرين الثاني 2022)، في إقرار وقف دائم للأعمال العدائية بين حكومة جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وقد حققت الاتفاقية - المعروفة اختصارا بـ "اتفاقية بريتوريا"- هدفها الأساسي المتمثل في إنهاء الحرب فور دخولها حيز التنفيذ، ونجح وقف إطلاق النار في الصمود حتى الآن رغم التحديات الأمنية العديدة. ومع ذلك، لا تزال الالتزامات الأخرى، الأمنية والسياسية والإنسانية، تواجه عقبات في التنفيذ؛ مِمَّا يطيل أمد الأزمة الإنسانية والسياسية، ويعقد جهود الطي النهائي لصفحة الحرب.
استندت الفلسفة العامة لهذه الاتفاقية إلى محاولة تفكيك الاستقطاب الداخلي عبر الحوار السياسي، والتعجيل بإنهاء عامين من المواجهات الدامية التي خلفت مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، فضلا عن تدمير البنية التحتية وشلل قطاع الخدمات. ورغم نص الاتفاقية على تشكيل إدارة مؤقتة للإقليم قائمة على التوافق بين طرفي القتال بما يضمن الاستقرار والتنمية، إلا أنها عجزت عن إعادة الأوضاع إلى سابق عهدها قبل الحرب، بعد أن خلّفت المواجهات شرخا عميقا بين الجانبين.
في عالم منشغل بملفات أخرى ساخنة، قد تتحول الحرب الإقليمية في الإقليم إلى مجرد خبر عابر، رغم أنه يمثل ناقوس إنذار يدعو الجميع لتجنب سيناريو الانزلاق المرعب
ستظل هذه المعضلة قائمة ما دامت حسابات الطرفين محكومة بمنطق متناقض؛ فرهانات نظام آبي أحمد تتمحور حول إضعاف الفيدرالية الإثنية التي أرسى معالمها رئيس الوزراء السابق ملس زيناوي لتفكيك نفوذ الجبهة، مستنداً إلى مقاربة ترسيخ الدولة المركزية وتقويض ما يُعرف بـ "هيمنة التيغراي" السياسية (1991-2012). وفي المقابل، تتحرك الجبهة بمنطق مضاد يرمي إلى إعادة تثبيت وجودها في الساحة السياسية المحلية، واستعادة نفوذها وإرثها بالإقليم.
انتهت الحرب غير أنها لم تغلق شرخ الخلافات بين الطرفين حول قضايا عديدة، وتبدو هذه الاتفاقية كأنها تذكرة لمسلسل الترتيبات الانتقالية الطويل والمؤجل؛ فتأخر ملف نزع أسلحة قوات جبهة تغراي وإدماج المقاتلين في المؤسسات الأمنية الفدرالية، ولم تحسم في تقرير مصير المناطق المتنازع عليها بين جبهة التغراي والأقاليم المجاورة (كغرب تيغراي مع قوات إقليم أمهرة). كما لم يتقدم النقاش بعيدا حول الإدارة المحلية وانتخاب الحكومة المحلية وتقاسم السلطة، بما يضمن استئناف الخدمات وعودة النازحين وتحقيق عدالة انتقالية، وظلت مجمل هذه التعهدات متعثرة وأسيرة اتخاذ قرارات أحادية من الجانبين، فتصاعدت حدة الاستقطاب وارتفع منسوب التوتر بين الطرفين.
جاءت الخطوة الأحادية الأخيرة من زعماء الجبهة بمثابة الشرارة التي أعادت إحياء حسابات الماضي، وساهمت في تجديد الخلافات، وتحسس الجانبين للمسدسات والمدافع، لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن المشكل يتلخص في غياب الإرادة السياسية بين الأطراف لإنهاء هذا النزاع، صحيح أن الاتفاق ليس كاملا، لكنه تحول إلى مآزق بين الجانبين، والخطير أنه لم يغلق نوافذ التغلغل الإقليمي وتحركاتها بالمنطقة.
لا تخفي الأنظار محاولتها تفكيك الحسابات الداخلية لهذا التحرك بالتيغراي وعرقلة اتفاق السلام، لكنها لم تستطع إخفاء الحسابات الإقليمية المفتوحة مع أطراف النزاع والمؤجلة مع نظام آبي أحمد. لوحت الجبهة بورقة ضغط قوية، إذ أكدت أنها ستمضي في تعزيز علاقاتها مع المناطق الاثيوبية المجاورة والدول المحيطة، تلميحا بالانفصال أو بالتحالفات الجديدة في أي مواجهة قادمة، بتعزيز العلاقات مع إريتريا وتتحرك في المسارات المفتوحة مع السودان، وقد تنفتح على كل القوى المناوئة لنظام آبي أحمد.
شهد العلاقات الإثيوبية الإريترية فتورا ملحوظا أعقبته حرب كلامية وتصعيد دبلوماسي، مما قوض التنسيق المشترك، وأنهى فترة التعايش السلمي التي تلت توقيع زعيمي البلدين على إعلان إنهاء الحرب عام 2018. تتجلى أبعاد هذا التوتر ظاهريا في تداعيات حرب تيغراي، ورفض تنفيذ التزامات الاتفاقية، لاسيما المطالبة الإثيوبية لجارتها بسحب قواتها، والتي تلتها اتهامهات لأسمرة بدعم المتمردين. مع أن هذا الصراع قد يبدو وليد الخلاف حول إدارة هذه الأزمة، إلا أنه يحمل في طياته أبعادا لصراع إقليمي على النفوذ؛ خاصة بعد أن أبدى آبي أحمد علانية تطلعه للوصول إلى منفد بحري، وهو ما فسرته إريتريا على أنه محاولة للسيطرة على ميناء عصب، خصوصا مع تصريحاته القوية بأن الوصول للبحر الأحمر يشكل مسألة وجودية.
تتوجس إثيوبيا من التحركات المصرية في الجوار الصومالي، وفي الوقت ذاته تخشى الأوضاع المتقلبة في السودان، مستحضرة دور الخرطوم التاريخي كخزان بشري داعم لقوات جبهة تيغراي
هكذا، لم يعد إحياء خلافات الماضي أمرا مفاجئاً، وتحديدا المخاوف من اصطفاف أسمرة إلى جانب مقاتلي تيغراي نكاية بآبي أحمد، وذلك بعد تفكك عرى التحالف الذي كان يجمعهما. ورغم نفي الطرفين إمكانية التعاون نظرا للخلفيات التاريخية المعقدة بينهما، فإن كافة المؤشرات تؤكد تحول حلفاء الأمس إلى أعداء؛ إذ تجددت الحرب الكلامية والتراشق بالتصريحات بين البلدين، وتبادلا الاتهامات بدعم المتمردين والجماعات المسلحة، قبل أن تتطور الأزمة مطلع العام إلى استنفارات حدودية، يغذيها واقع ميداني متوتر وتؤججها صور الذكاء الاصطناعي والمشاهد المعدلة والمزيفة.
مع تلاحق الاتهامات وتوسع جغرافيتها إقليميا، اتهم السودان جارتَه إثيوبيا باستهداف مطار الخرطوم عبر طائرات مُسيّرة في 4 مايو/ أيار الجاري، مؤكدا وجود روابط بين أديس أبابا وقوات الدعم السريع، والتي يُزعم استخدامها للأراضي الإثيوبية لاستهداف المصالح السودانية. في المقابل، سارعت أديس أبابا إلى نفي هذه التهم، ليدخل ملف إقليم التيغراي واجهة التصعيد مجددا؛ إذ اتهمت إثيوبيا الحكومة السودانية بتسليح مقاتلي الجبهة وتوفير الدعم المالي واللوجستي لهم.
رغم محاولات البلدين تفكيك غموض الأزمة عبر مباحثات مغلقة، فإن جهود الاحتواء تبدو متعثرة بعد أن قادت حرب التصريحات المتبادلة إلى تعليق دبلوماسي؛ بدأ مع استدعاء السودان لسفيره في أديس أبابا للتشاور، وردت عليه الخارجية الإثيوبية بخطوة تصعيدية تمثلت في تعليق اعتماد السفير السوداني الجديد لديها، بعد أن حظي بموافقة مسبقة قبل ثلاثة أشهر.
يتزامن الاستقطاب الإثيوبي الإريتري السوداني مع تصعيد إقليمي منخفض الحدة، مرشح للتوسع؛ إذ تحضر مصر بقوة في هذا المشهد، حيث تتصدر قضية "سد النهضة" - الملف المستعصي على الحسم بين القاهرة وأديس أبابا- قائمة الملفات الممتدة بين البلدين، ويعززها التنافس الإقليمي المحموم بينهما. وفي هذا السياق، تتوجس إثيوبيا من التحركات المصرية في الجوار الصومالي، وفي الوقت ذاته تخشى الأوضاع المتقلبة في السودان، مستحضرة دور الخرطوم التاريخي كخزان بشري داعم لقوات جبهة تيغراي.
مهما اتسعت رقعة التصعيد، فإنها تقابل بحذر إثيوبي شديد لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع مجمل تلك القوى؛ إدراكا من أديس أبابا بأن أي تصعيد لن يتوقف عند الحدود، بل سيتخذ أبعادا إقليمية واسعة، ما دامت عوامل الاشتعال متقدة على تخوم الحدود الملغومة بالتعقيدات الجغرافية والإثنية والسياسية.
تتصاعد المخاوف من العودة إلى لغة المدافع في ظل الانسداد السياسي الحالي، والخطوات الأحادية التي تعكس توجهاً للتنصل من الاتفاقية؛ مِمَّا يثير القلق من تجدد المواجهات. وقد يأخذ هذا التصعيد بعدا محدودا ينتهي بتثبيت وقف إطلاق النار، وإحياء الترتيبات الانتقالية، كما حدث في فترات سابقة، أو قد يتسع ليتحول إلى صراع شامل يفتح المجال لاستكمال المواجهات على خطوط الصدع السابقة.
ورغم أن تحرك الجبهة الأخير لم يحظَ بإجماع داخلي، وقوبل بمعارضة داخلية من أحزاب سياسية في الإقليم اعتبرته قرارا أحاديا يعزز الانقسام، ويزعزع الاستقرار؛ فإن أطرافا أخرى تبدو مستعدة لخيار الحرب. وتراهن هذه الأطراف على المتغيرات الجديدة في الساحة الإثيوبية، وسط تكهنات ترجح تحالف الجبهة مع ميليشيات كانت متحالفة سابقا مع الحكومة الفيدرالية، أو قوى أخرى جديدة كمقاتلي فانو الأمهرية المعارضة لنظام آبي أحمد. وينضاف إلى هذه المعادلات المعقدة العامل الإقليمي، مما يضاعف المخاوف من الانزلاق إلى حرب ذات تداعيات داخلية وإقليمية واسعة.
انتهت الحرب غير أنها لم تغلق شرخ الخلافات بين الطرفين حول قضايا عديدة، وتبدو هذه الاتفاقية كأنها تذكرة لمسلسل الترتيبات الانتقالية الطويل والمؤجل
تعبّر أغلب التكهنات عن مخاوف مشروعة من الانزلاق إلى حرب جديدة؛ إذ قد تدفع الخطوات المتسارعة، وما قد يعقبها، الحكومة للتحرك عسكريا، مما يغلق منافذ السياسة بين الطرفين، وينهي مسار الاتفاق الضمني بينهما. وفي هذه الحالة، لا شك أن الترتيبات التي حكمت المواجهات السابقة ستتغير كليا، بعد أن تعقدت ملامح تحالفات القوى الإقليمية في المنطقة. ومن المرجح أن ينحاز الجيش الإريتري إلى جانب المتمردين، أو يبقى في منطقة الحياد والاستعداد، بخلاف ما حدث في الحرب السابقة التي اتسمت بالتنسيق بين آبي أحمد وأسياس أفورقي للتصدي للجبهة والثأر منها باعتبارها تهديدا وجوديا لنظاميهما. لقد جرت مياه كثيرة بين الزعيمين، وتعددت الملفات الخلافية المفتوحة بينهما، وغالبا ما تكون الحروب فرصة لتصفية مثل هذه الحسابات المؤجلة.
سيُشكل الانزلاق نحو المواجهة الإقليمية فرصة للأطراف السودانية الداعمة لمقاتلي تيغراي لرد الصاع صاعين للجيش الفيدرالي الإثيوبي، ومناسبة لفتح خطوط إمداد متبادلة، بما يحقق هدف حسم الحرب الطويلة ضد الجيش السوداني. وتُعزى هذه التكهنات إلى المخاوف الحقيقية من الانجرار نحو صراع إقليمي، في وقت تتطلع فيه الأنظار إلى تحركات القوى الإقليمية وحساباتها التي تبدلت بعد توقيع الاتفاقية. ومن شأن هذا الانجرار نحو حرب جديدة في الإقليم – المثقل أساسا بنزاعات مستديمة – أن يفجّر برميل بارود يشعل منطقة القرن الأفريقي برمتها. وفي عالم منشغل بملفات أخرى ساخنة، قد يتحول هذا المشهد إلى مجرد خبر عابر، رغم أنه يمثل ناقوس إنذار يدعو الجميع لتجنب سيناريو الانزلاق المرعب.
بالمحصلة، نجحت الاتفاقية في إنهاء حرب استعرت لسنتين، لكنها عجزت عن تفكيك جذور الصراع وتلبية المطالب القومية والعرقية لتيغراي؛ بل إنها فتحت ثغرة أمام مطالب قوميات أخرى. وستظل المخاوف قائمة من تراكم الخلافات التي قد لا تُحسم إلا بقوة السلاح، إذ لن يتحقق السلام والاستقرار في الإقليم ما لم يجر تثبيت التزامات الأطراف الموقعة وتعزيز الحوار السياسي. ودون ذلك، ستبقى شرارة الحرب متقدة، وسط مخاوف حقيقية من تحولها إلى فتيل يفجر المنطقة بأسرها.