الجمعة 6 مارس 2026
في قلب القارة الأفريقية، حيث تتقاطع أطماع القوى الكبرى مع ثروات لا تنضب من المعادن الاستراتيجية، لا تُحسم الصفقات في غرف الاجتماعات فقط، بل تُعقد أحيانًا على حساب مصائر أفراد. في الأشهر الأخيرة، تكشف النقاب عن مفاوضات غير معلنة ربطت مصير معتقلين أمريكيين في الكونغو الديمقراطية بصفقات معادن استراتيجية، في ما بدا أنه استخدام مباشر لـورقة الإنسان في لعبة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية.
كشفت وكالة رويترز عن تفاصيل عملية سرية فاشلة نفذها رجل الأعمال الإسرائيلي–الأميركي موتي كاهانا وفريقه في الكونغو الديمقراطية، في مارس/آذار 2025، بأوامر مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هدفت العملية إلى إطلاق سراح ثلاثة أميركيين حُكم عليهم بالإعدام في سبتمبر/أيلول 2024، بتهمة التورط في محاولة انقلابية ضد الرئيس فيليكس تشيسيكيدي. وبحسب وثائق مسرّبة، ارتبطت المهمة بمقايضة أمنية–معدنية غير معلنة، وسط تصاعد سباق النفوذ على موارد الكونغو. لكن المهمة فشلت خلال 48 ساعة، بعد أن أثارت تحركات الفريق شكوك الاستخبارات الكونغولية، ما دفعها إلى التدخل وإفشال العملية، قبل أن يتمكن الفريق من مغادرة البلاد.
في تفاصيل ما جرى، كشفت مصادر إعلامية أن البعثة ضمّت إلى جانب كاهانا مقاتلًا سابقًا في القوات الخاصة الأميركية ودبلوماسيًا سابقًا في إدارة أوباما. ورغم نية الفريق لقاء الرئيس الكونغولي، أُلغي اللقاء فجأة ودُعوا إلى عشاء في قاعدة عسكرية يديرها مقاول أمني إسرائيلي. وبحسب تسريبات أمنية، اشتبهت الاستخبارات الكونغولية بأن العشاء غطاء لعملية استخبارية، وربما اغتيال أو تسليم معدات لوجستية، ما دفعها إلى مداهمة الفندق ومصادرة جوازات الفريق. وبعد اتصالات عاجلة مع السفارة الأميركية، جرى تأمين مغادرتهم في عملية إجلاء دبلوماسي حرج، مثّل لحظة توتر نادرة بين كينشاسا وواشنطن، وسلّط الضوء على تصاعد استخدام أدوات غير تقليدية في سياسة إدارة ترامب الخارجية، خاصة في أفريقيا.
تُسلّط هذه العملية الضوء على تصاعد اعتماد إدارة ترامب على الشركات الأمنية الخاصة في تنفيذ عمليات عسكرية حساسة خارج الأطر التقليدية، ضمن توجه أوسع لاستخدام أدوات غير نمطية في إدارة ملفات الرهائن والسجناء السياسيين
رغم فشل العملية، لم تتوقف التحركات الأميركية عند هذا الحد، بل أعقبتها تطورات لافتة على المسار الدبلوماسي. ففي غضون أسابيع، أعلن الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي تخفيف أحكام الإعدام الصادرة بحق الأميركيين الثلاثة إلى السجن المؤبد. وفي أبريل/نيسان 2025، تم ترحيلهم إلى الولايات المتحدة لقضاء العقوبة في سجن فيدرالي.
شملت قائمة المرحّلين كلًا من مارسيل مالانجا، نجل قائد الانقلاب، وتايلر تومسون، إلى جانب بنجامن روبن زلمان بولون، المواطن الأميركي من أصول يهودية، الذي أثار وجوده في قلب الملف تساؤلات متزايدة حول صلات محتملة بالموساد الإسرائيلي. ووفق تقارير أمنية وإعلامية متقاطعة، فإن بولون كان على اتصال مباشر بكريستيان مالانجا قائد الانقلاب الفاشل، ما يشير إلى علاقة قد تتجاوز حدود التعاطف السياسي نحو تنسيق استخباري فعلي، يعكس دورًا إسرائيليًا غير معلن في الانقلاب الفاشل.
جاءت محاولة الانقلاب في 19 مايو/أيار 2024 بقيادة كريستيان مالانجا، وهو سياسي ورجل أعمال كان لاجئاً في الولايات المتحدة، حيث هاجم مع عشرات المسلحين منزل فيتال كاميرهي، أبرز مساعدي الرئيس، وقصر الأمة، المقر الرسمي للرئاسة في كينشاسا. أسفرت العملية عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم كريستيان واثنان من أفراد الأمن، بينما اعتُقل نحو 50 شخصًا. ورغم الطابع الفوضوي للهجوم، تمكن الجيش الكونغولي من استعادة السيطرة على الوضع بسرعة، مُحبطًا المحاولة ومعلنًا إحباط مؤامرة لزعزعة الاستقرار.
تُسلّط هذه العملية الضوء على تصاعد اعتماد إدارة ترامب على الشركات الأمنية الخاصة في تنفيذ عمليات عسكرية حساسة خارج الأطر التقليدية، ضمن توجه أوسع لاستخدام أدوات غير نمطية في إدارة ملفات الرهائن والسجناء السياسيين، فبحسب مصادر مطلعة، فإن ترامب تمكّن، منذ بداية ولايته الثانية، من استعادة نحو 30 مواطنًا أميركيًا من عدة دول حول العالم، سواء عبر وسطاء أمنيين من القطاع الخاص أو من خلال تدخلات مباشرة للجيش الأميركي. لكن العمليات الأخيرة في أفريقيا تكشف عن تصعيد لافت في التوتر بين واشنطن والعواصم الأفريقية، التي باتت ترى في مثل هذه التدخلات مساسًا بسيادتها الوطنية.
جاء تخفيف الأحكام عقب زيارة مسعد بوليس، مستشار ترامب للشؤون الأفريقية، إلى كينشاسا في أبريل/نيسان 2025، حيث ناقش صفقة معادن استراتيجية مع الحكومة الكونغولية، شملت بنودًا إضافية تتعلق بتعويضات دبلوماسية، إذ وافقت السلطات الكونغولية على دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالسفارة الأميركية جرّاء احتجاجات عنيفة شهدتها العاصمة في وقت سابق. هذه التفاهمات، التي ترافقت مع مرونة قضائية مفاجئة في ملف المعتقلين الأميركيين، عكست ربطًا واضحًا بين الملفات الجنائية والمصالح السياسية والاقتصادية، في ما يشبه صفقة شاملة أعادت ترتيب أوراق العلاقة بين واشنطن وكينشاسا.
لم تكن هذه الصفقة هي التحرك الوحيد في الخلفية، بل تزامنت مع دخول فاعلين غير تقليديين على خط المصالح الأميركية في الكونغو. ففي أبريل/نيسان 2025، توصل إريك برينس، أحد أبرز داعمي ترامب ومؤسس بلاك ووتر، إلى اتفاق مع حكومة كينشاسا حول استثمارات في قطاع التعدين. ورغم أن الاتفاق رُوّج له كخطوة لتعزيز العائدات ومكافحة الفساد، إلا أن توقيته وارتباطه بتقارير عن نشر 2000 مقاتل من أميركا الجنوبية وتهريب ذهب من شرق الكونغو، أثارا شكوكًا عميقة بشأن أهدافه الحقيقية. بدا هذا التحرك وكأنه امتداد مباشر لمسار واشنطن الجديد، القائم على تزاوج أدوات الأمن والاقتصاد في أفريقيا.
تُعدّ هذه التحركات جزءًا من استراتيجية أميركية أشمل تُدار عبر عدة مستويات، تبلورت ملامحها بشكل أوضح في إعلان واشنطن 27 يونيو/حزيران 2025 عن نجاحها في رعاية اتفاق سلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية، يُفترض أن يُنهي عقودًا من النزاع الممتد منذ عام 1994. فالاتفاق الذي أتى في أعقاب تفاهمات أمنية وتجارية منفصلة، بدا وكأنه امتداد طبيعي لهذه المقايضات، حيث لم تقتصر المبادرة الأميركية على الجانب السياسي أو العسكري فحسب، بل شملت بنودًا اقتصادية تمنح الشركات الأميركية، بما فيها شركات الأمن الخاصة، حق الوصول إلى المعادن الاستراتيجية في مناطق النزاع.
غير أن هذا المسار، وفقًا لتحليلات ميدانية، يبقى محفوفًا بالهشاشة، في ظل استبعاد الميليشيات المحلية الفاعلة، ما يعزز الانطباع بأن الاتفاق أقرب إلى صفقة جيوسياسية تُدار من الخارج، بدلًا من أن تكون تسوية شاملة تستجيب لجذور النزاع المعقّدة في الداخل الكونغولي.
في امتداد لهذا النهج غير التقليدي، كشفت منظمة جلوبال ويتنس عن مسار موازٍ يتمثل في توظيف أدوات الضغط واللوبيات المرتبطة بإدارة ترامب كوسيلة للتأثير في السياسات الأفريقية. ففي مواجهة خفض المساعدات الأميركية، لجأت دول مثل الصومال والكونغو الديمقراطية إلى إبرام عقود مباشرة مع جماعات ضغط مقربة من ترامب، في محاولة لتأمين النفوذ والدعم السياسي مقابل فتح أبواب الموارد. وتظهر الوثائق أن الصومال، مثلًا، وقّعت عقدًا مع شركة "BGR" بقيمة 550 ألف دولار، بينما بلغت قيمة العقود الإجمالية خلال الأشهر الستة التي تلت الانتخابات الرئاسية الأميركية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نحو 17 مليون دولار، وُقّعت مع عدد من الدول الأقل نموًا في العالم.
ورغم تمتع الرؤساء الأميركيين بحماية جهاز الخدمة السرية، فإن ترامب أصرّ على الاحتفاظ بقوة أمن موازية تعمل خارج الأطر المؤسسية، وتفتقر إلى الرقابة القانونية والإشراف المالي المعتاد
هذا التوجه يعكس تحولًا أوسع في السياسة الأميركية تجاه القارة. فوفقًا لإيميلي ستيوارت، من منظمة جلوبال ويتنس، فإن هذا الانزلاق نحو صفقات يائسة يضع الدول ذات الدخل المنخفض في مواجهة مباشرة مع مخاطر الاستغلال غير العادل لمواردها الطبيعية، ما يسلّط الضوء على تعمّق استراتيجية أميركية تُدار عبر النفوذ لا عبر الشراكة.
من جهة أخرى، يمكن تتبع هذا النهج إلى جذوره منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض، حيث كثّف اعتماده على الشركات الأمنية الخاصة، مجددًا ثقته في الحلقة الضيقة من رجال الأمن والاستخبارات المرتبطين به. ورغم تمتع الرؤساء الأميركيين بحماية جهاز الخدمة السرية، فإن ترامب أصرّ على الاحتفاظ بقوة أمن موازية تعمل خارج الأطر المؤسسية، وتفتقر إلى الرقابة القانونية والإشراف المالي المعتاد، ما أثار جدلًا حول قانونية مثل هذه الترتيبات. وسط مخاوف متصاعدة من تحولها إلى أداة قمع، خاصة إذا ثبت تمويلها من خارج موازنة الدولة دون موافقة الكونغرس، بما قد يُعد خرقًا لقانون مكافحة العجز المالي.
بالعودة إلى السياق الأوسع لتوجهات واشنطن في أفريقيا، تُعدّ سياسة إدارة ترامب الأخيرة امتدادًا لمسار استراتيجي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، حين قرّرت الولايات المتحدة تقليص تدخلها العسكري المباشر في القارة عقب إخفاقها في الصومال عام 1993 وفشلها في منع الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. آنذاك، تبنّت واشنطن مبدأ الحلول للمشكلات الأفريقية، تزامن هذا المبدأ مع خصخصة واسعة للمهام الأمنية.
طُرحت هذه البرامج تحت عنوان دعم السلام وبناء القدرات، إلا أنها عملت فعليًا على تأمين المصالح الأميركية واحتواء النفوذ الصيني، ما أدى إلى بروز الشركات الأمنية الخاصة كفاعلين مستقلين يتمتعون بحرية ميدانية واسعة دون رقابة فعّالة من الدول المضيفة أو من الكونغرس الأميركي. وبهذا، تحوّلت الخصخصة الأمنية إلى أداة جيوسياسية رئيسية، تُستخدم ليس فقط للحماية أو التدريب، بل لإعادة هندسة موازين النفوذ في القارة، من واشنطن إلى كينشاسا، ضمن شبكة معقدة من المصالح التي باتت تمزج الأمن بالاقتصاد، والسياسة بالاستخبارات.
تكشف العملية السرية الفاشلة في الكونغو وما تبعها من تفاهمات أمنية وتجارية عن ملامح مرحلة جديدة في السياسة الأميركية تجاه أفريقيا، تتسم باستخدام أدوات غير تقليدية تخلط بين الدبلوماسية القسرية والمصالح الاقتصادية المغلّفة بشعارات الأمن والتنمية. لم يعد النفوذ الأميركي في القارة يُمارس فقط عبر القواعد العسكرية أو السفارات، بل بات يمتد عبر شبكات من الشركات الأمنية الخاصة، وعقود الضغط السياسي، وصفقات المعادن الاستراتيجية التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة.