السبت 7 مارس 2026
استقبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، الجمعة، قائد قوات الدعم السريع السودانية محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، في قصر الرئاسة بمدينة عنتيبي جنوب غرب العاصمة كامبالا، في أول ظهور دولي له منذ سبتمبر/أيلول الماضي، في خطوة أثارت جدلاً وانتقادات واسعة داخل السودان وخارجه.
منذ اندلاع الحرب، تمكنت قوات الدعم السريع في مراحلها الأولى من السيطرة على مساحات واسعة من العاصمة الخرطوم ومناطق استراتيجية أخرى، قبل أن ينجح الجيش في الأشهر الأخيرة في استعادة أجزاء مهمة من الخرطوم ودفع قوات الدعم السريع خارج مواقع رئيسية. في المقابل، عززت قوات حميدتي نفوذها في إقليم دارفور، وسيطرت على معظم مناطقه، بما في ذلك مدن رئيسية، بينما لا تزال المعارك مستمرة في كردفان والنيل الأزرق.
تصريحات حميدتي في عنتيبي حول الطائرات المسيّرة القادمة من "دول مجاورة" تعكس اتهامات متبادلة بين أطراف النزاع بشأن الدعم الخارجي، وهو عنصر زاد من تعقيد الصراع وحوّله من مواجهة داخلية إلى ساحة تنافس إقليمي غير مباشر.
حديث حميدتي عن رفض "تقسيم السودان" يحمل دلالات تاريخية، في ظل تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011. كما أن استبعاده "سلاماً مثل سلام جوبا وسلام نيفاشا" يشير إلى انتقاده لاتفاقيات سابقة – مثل اتفاق نيفاشا عام 2005 – التي أنهت حرباً أهلية طويلة لكنها مهّدت لاحقاً للانفصال. بذلك يحاول حميدتي تقديم نفسه طرفاً راغباً في "سلام مختلف"، وإن كان من دون تقديم تصور واضح لشكل هذا السلام.
في الوقت ذاته، نفى سعيه للوصول إلى الرئاسة، مؤكداً أن هدفه "اقتلاع الإسلاميين"، في إشارة إلى التيار المرتبط بنظام الرئيس المعزول عمر البشير. هذا الخطاب يوجّه رسائل إلى الداخل السوداني وإلى قوى إقليمية ودولية ترى في عودة الإسلاميين إلى السلطة تهديداً للاستقرار.
تثير استضافة أوغندا لحميدتي تساؤلات حول دور أوغندا في الملف السوداني. فالرئيس موسيفيني يتمتع بعلاقات تاريخية مع أطراف متعددة في المنطقة، ويُعرف بلعب أدوار وساطة في نزاعات أفريقية. اللقاء قد يعكس محاولة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع أطراف الصراع، أو تحركاً ضمن جهود إقليمية أوسع تقودها دول في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي لدفع مسار تفاوضي جديد. لكن الخطوة قوبلت بانتقادات من قوى سودانية، ترى أن استقبال قائد متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة يمنحه شرعية سياسية في لحظة حساسة.
تواجه قوات الدعم السريع اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، حيث تحدثت تقارير دولية عن عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وتهجير قسري. وتتهم منظمات حقوقية القوات باستخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب، وهي اتهامات تنفيها قيادة الدعم السريع أو تقلل من شأنها.
الحرب في السودان خلّفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين داخلياً وخارجياً، وانهيار قطاعات الصحة والتعليم والاقتصاد. وفي ظل هذا الواقع، تبدو أي تحركات دبلوماسية – سواء في عنتيبي أو غيرها – جزءاً من سباق بين التصعيد العسكري ومحاولات فرض مسار سياسي جديد.
زيارة حميدتي إلى أوغندا قد تكون مؤشراً على سعيه لإعادة تموضع سياسي بعد الانتكاسات العسكرية، أو محاولة لكسر العزلة الدولية، أو حتى تمهيداً لمبادرة تفاوضية. غير أن نجاح أي مسار سلام سيظل مرهوناً بوقف إطلاق النار أولاً، وتوفر إرادة حقيقية لدى أطراف النزاع لتقديم تنازلات، وهو أمر لا تزال مؤشراته ضعيفة حتى الآن.