الجمعة 13 مارس 2026
شهدت إثيوبيا على مدار العقود الماضية أزمات سياسية طاحنة، رافقها تفشي الفقر والبطالة والأوبئة، مما دفع آلاف المواطنين إلى مغادرة البلاد سنويًا بحثًا عن حياة أفضل. وكان لجنوب أفريقيا نصيب وافر في استقبال الإثيوبيين، على مدار السنوات الأخيرة، نظرًا لاستقرارها السياسي النسبي واقتصادها القوي مقارنة بباقي دول القارة. وعلى الرغم من الآمال الكبيرة التي يحملها المهاجرون الإثيوبيون في سعيهم نحو حياة أفضل، فإنهم يواجهون تحديات معقدة ومستمرة، تتراوح بين ظروف الهجرة غير النظامية والصراعات الاجتماعية في بلد اللجوء.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 3 ملايين إثيوبي يعيشون في الخارج، وتعددت وجهات هجرتهم ما بين الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية. كما اتجهت أيضًا هجرة الإثيوبيين إلى الجنوب، حيث كينيا والسودان. ولكن على مدار العقدين الماضيين، أصبحت جنوب أفريقيا الوجهة الأكثر شعبية للمهاجرين الإثيوبيين في أفريقيا.
بدأت سلسلة الهجرة من إثيوبيا إلى جنوب أفريقيا في منتصف تسعينيات القرن المنصرم، حيث ساهمت جملة من الأحداث السياسية في كل من إثيوبيا وجنوب أفريقيا إلى خلق مناخ إيجابي للهجرة. فقد أدى الانتهاء من نظام الفصل العنصري في عام 1994 إلى فتح حدود جنوب أفريقيا، وإنشاء سياسات هجرة أكثر انفتاحا على القارة. في مقابل سقوط الحكم العسكري المستبد في إثيوبيا، وصدور دستور 1994 الذي نصت إحدى مواده على حق التنقل للمواطنين، مما سهّل بشكل كبير من عمليات الهجرة النظامية للبلدين.
انحصرت الدوافع الإثيوبية للهجرة إلى جنوب أفريقيا في البداية لأسباب سياسية، ناتجة عن عدم الاستقرار السياسي، والصراعات الداخلية المرتبطة بالممارسات الاستبدادية في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن في السنوات الأخيرة كان الاحتياجات والتطلعات الاقتصادية للشباب الإثيوبي هي ما تدفعهم للهجرة، فعلى الرغم من الخطوات الاقتصادية الكبرى التي خاضتها أديس أبابا على مدار السنوات الأخيرة، إلا أنها مازالت بعيدة عن تحقيق آمال وطموحات الشباب الواعد.
اتجه المهاجرون الإثيوبيون صوب جنوب أفريقيا بالتحديد، لما تحظى به من مكانة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية، حيث تُعد من أكبر اقتصادات أفريقيا
شهدت إثيوبيا نموًا اقتصاديًا كبيرًا في العقدين الأخيرين، وقطعت خطوات مذهلة في الحد من الفقر في المناطق الريفية، وتحسين متوسط العمر المتوقع، ورفع مستويات التعليم. ولكن هذه المكاسب جاءت مع تزايد عدم المساواة في الدخل بين المناطق الحضرية والريفية، وارتفاع التضخم والبطالة بين الشباب، وتفاقم الحرمان الاقتصادي بسبب عدم المساواة الإقليمية. كل ذلك عزز من عملية الهجرة للشباب للبحث عن حياة أفضل.
اتجه المهاجرون الإثيوبيون صوب جنوب أفريقيا بالتحديد، لما تحظى به من مكانة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية، حيث تُعد من أكبر اقتصادات أفريقيا، فبحسب صندوق النقد الدولي، تتصدر جنوب أفريقيا قائمة أكبر اقتصادات القارة الأفريقية لعام 2024، بناتج محلي إجمالي يصل إلى 373.2 مليار دولار.
يعتمد اقتصاد جنوب أفريقيا على قطاعات متعددة تشمل التعدين والصناعة والزراعة، إلى جانب قطاع الخدمات المالية الذي يلعب دورًا كبيرًا في دعم الاقتصاد. لذلك أدت هذه العوامل الاقتصادية إلى زيادة التفاوتات الملموسة بين البلدين، والتي تشكل عاملاً أساسيًا في اتخاذ قرارات الهجرة.
من جهة أخرى، ترتبط مكاسب التحويلات المالية على إثيوبيا ارتباطًا وثيقًا بديناميكيات الهجرة، فهي تجني سنويًا أكثر من 4 مليارات دولار أمريكي من هذه التحويلات، وهو ما يفوق بكثير عائدات التصدير. وقد وصلت تلك التحويلات إلى مستوى غير مسبوق، متجاوزة ستة مليارات دولار أمريكي في السنة المالية 2023/2024، ما يمثل زيادة كبيرة في تدفقات العملات الأجنبية إلى البلاد. لا سيما منطقتا هاديا-كيمباتا، أحد أعلى معدلات التحويلات المالية، ويتجلى ذلك في انتشار البنوك الحكومية والخاصة في مناطقها الريفية.
من اللافت أن معظم المهاجرين الإثيوبيين في جنوب أفريقيا ينحدرون من جنوب إثيوبيا مقارنة بالأماكن الأخرى، وتحديدا منطقة هاديا-كيمباتا الجنوبية. أفاد تقرير صادر عن إدارة الموارد البشرية والشؤون الاجتماعية في منطقة هاديا، أن 61148 شابًا من هاديا هاجروا إلى جنوب أفريقيا بين عامي 2013 و2018. يعزى ذلك إلى حالة التهميش التي تعيشها المناطق الجنوبية، حيث لم تستفد من الفيدرالية الإقليمية في إثيوبيا من حيث التحول الاجتماعي والاقتصادي. وقد شاع الاستياء من المكانة الهامشية التي احتلتها المناطق الجنوبية في سياسة أديس أبابا مقارنة بسياستها تجاه المحيط الشمالي. لذلك، اندلعت اشتباكات بين أنصار منظمة هاديا الوطنية الديمقراطية والجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية الحاكمة، مما ساهم في دفع بعض الناس، وخاصة الشباب إلى الهجرة إلى جنوب أفريقيا.
مع اشتداد الرقابة الأمنية في جنوب أفريقيا، وزيادة العداء للمهاجرين، تسللت الأفواج الإثيوبية إلى جنوب أفريقيا بطرق غير نظامية، وتعد الهجرة غير الشرعية هي الطريقة الأسهل والأرخص مقارنة بالطرق النظامية، التي تتطلب إجراءات معقدة ومكلفة، في ظل صعوبة الحصول على تأشيرات الدخول إلى جنوب أفريقيا. يضطر كثيرون للاستعانة بالوسطاء الذين يسهلون عملية العبور، وإن كان ذلك يحمل في طياته مخاطر جمّة. وازداد تدفق الإثيوبيين إلى جنوب أفريقيا بشكل كبير نتيجةً للعمل الفعّال لشبكات تهريب المهاجرين، حيث تشير تقديرات حكومية حديثة إلى أن حوالي 120 ألف إثيوبي يعملون ويعيشون في جنوب أفريقيا، ومن بين هؤلاء، فإن أكثر من 90٪ استخدموا طرق الهجرة غير الشرعية.
تتميز المسارات التي يسلكها المهاجرون غير النظاميين إلى جنوب أفريقيا بديناميكية وسلاسة كبيرة، وتتغير باستمرار للتهرب من ضوابط الحدود ونقاط التفتيش التي أقامتها سلطات الدولتين. ومن بين أهم هذه المسارات هو طريق ملاوي، أو ما يسمى "الطريق الجنوبي". يسلكه عشرات الآلاف من الإثيوبيين غير المسجلين - ربما يصل عددهم إلى 80 ألفًا - الطريق الجنوبي كل عام. وعلى مدى العقدين الماضيين، أصبح هذا تقليدًا راسخًا في ثقافة جنوب إثيوبيا، فلدى أكثر من ثلث الأسر في هاديا، وبلدة كيمباتا-تيمبار المجاورة، ابن واحد على الأقل قام بهذه الرحلة.
تعد ملاوي بلد عبور يقع على الطريق البري إلى جنوب إفريقيا، يتم تهريب غالبية المهاجرين غير النظاميين القادمين من إثيوبيا عبر كينيا، ويمر عبر تنزانيا وملاوي وزامبيا وموزمبيق قبل الوصول إلى جنوب أفريقيا، طامعين في إيجاد فرص اقتصادية في كيب تاون.
تشير المنظمة الدولية للهجرة في دراسة لها عن "الطريق الجنوبي" مدى خطورة هذا الطريق، بسبب المسافة الطويلة المقطوعة والمعابر الحدودية المتعددة والاعتماد على الوسطاء، وتحويل الوسطاء على طول الطريق. يتعرض المهاجرون للعنف والاستغلال وسوء المعاملة، وحالات الخطف المستمرة في مقابل الفدية، كل ذلك يجعل الكثيرين عرضة للموت نتيجة لتلك العمليات.
يواجه المهاجرون الإثيوبيون مستويات متزايدة من كراهية الأجانب. فرغم نهاية نظام الفصل العنصري، لم تنخفض أعمال العنف ضد الأجانب، بل ازدادت في السنوات الأخيرة، وشملت نهب ممتلكاتهم وقتل بعضهم.
تواجه الهجرة الإثيوبية إلى جنوب أفريقيا عدة تحديات معقدة، تبدأ من لحظة اتخاذ قرار الهجرة وحتى الاستقرار في بلد المقصد. أول هذه التحديات هو التهميش المؤسسي الذي يعاني منه المهاجرون الإثيوبيون في جنوب أفريقيا، حيث تُعيقهم سياسات الدولة من الحصول على الإقامة القانونية، وتسجيل أعمالهم التجارية، وحتى إدخال أطفالهم إلى المدارس العامة. هذا التهميش لا يأتي فقط من الدولة، بل يمتد داخل مجتمعهم ذاته، حيث يتعرض الأفراد للتمييز بناءً على الجنس والطبقة. وغالبًا ما يفضي هذا الوضع إلى ظروف من عدم المساواة والعنف، سواء على المستوى الشخصي أو من قبل مؤسسات الدولة.
أثناء سعيهم للهروب من شحّ الفرص في وطنهم للبحث عن طرق للنجاة، اتجه المهاجرين الإثيوبيين إلى الهجرة غير النظامية، وتتفاقم الأبعاد المأسوية للهجرة غير النظامية من إثيوبيا إلى جنوب أفريقيا
كذلك، يواجه المهاجرون الإثيوبيون مستويات متزايدة من كراهية الأجانب، فرغم نهاية نظام الفصل العنصري، لم تنخفض أعمال العنف ضد الأجانب، بل ازدادت في السنوات الأخيرة، وشملت نهب ممتلكاتهم وقتل بعضهم. وقد وصفت الأمم المتحدة الوضع في عام 2022 بأنه على شفا "عنف متفجر معادٍ للأجانب"، وسط اتهامات لبعض الأحزاب السياسية باستغلال هذا الخطاب العنصري في حملاتها.
على صعيد آخر، مع تصاعد التهديدات الجهادية في شرق وجنوب أفريقيا، ازدادت حراسة الحدود، وصعوبة الحصول على وثائق السفر. وقد شجع ذلك على الهجرة غير النظامية، وتوسّع اقتصاد التهريب المربح. وتُعدّ وفيات المهاجرين المُوثّقة في أفريقيا من بين الأعلى عالميًا، مما يعكس المخاطر الكامنة في الهجرة غير النظامية. وبطبيعة الحال. وأثناء سعيهم للهروب من شحّ الفرص في وطنهم للبحث عن طرق للنجاة، اتجه المهاجرين الإثيوبيين إلى الهجرة غير النظامية للتوجه نحو جنوب أفريقيا.
تتفاقم الأبعاد المأسوية للهجرة غير النظامية من إثيوبيا إلى جنوب أفريقيا، حيث تندلع جرائم إنسانية خطيرة أثناء عمليات تهريب المهاجرين غير الشرعيين، على سبيل المثال، استطاعت شرطة جنوب أفريقيا في أغسطس/ آب 2024 العثور على 90 فردًا من إثيوبيا، محتجزين في غرف مغلقة في ظروف غير إنسانية، جاءوا بطرق غير نظامية آملين الإقامة في جنوب أفريقيا.
ولم تكن هذه الحادثة سوى حلقة من سلسلة المآسي التي تلاحق المهاجرين الإثيوبيين، ففي سبتمبر/ أيلول 2023، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، أن سبعة مهاجرين إثيوبيين لقوا حتفهم في حادث مروري أثناء طريقهم من تنزانيا الي زامبيا، وكشفت المنظمة أن مهاجرين تسعة أخرين أصيبوا إصابات بالغة.
في ضوء ما سبق، تتجلى الهجرة الإثيوبية إلى جنوب أفريقيا كنتاج مركّب لتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل إثيوبيا، مع الطموحات الفردية والجماعية لمستقبل أفضل. إلا أن هذه الرحلة، التي تبدأ بأمل النجاة والتحقق، غالبًا ما تنقلب إلى مسار محفوف بالمخاطر والانتهاكات، في ظل تفاقم التحديات الأمنية وغياب سياسات لجوء عادلة ومستدامة. إن استمرار هذا الواقع يُلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق الحكومتين الإثيوبية والجنوب أفريقية، كما على المنظمات الإقليمية والدولية، لتبنّي سياسات تنموية شاملة، وحلول إنسانية تحترم كرامة المهاجرين، وتكفل حقوقهم، وتحد من أسباب الهجرة القسرية من جذورها.