الأحد 9 أغسطس 2026
اتهمت جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) الولايات المتحدة بتبني ما وصفته بـ"تقييم غير متوازن وغير مكتمل" للأزمة السياسية والأمنية المتفاقمة في إقليم تيغراي، محذرة من أن الإجراءات الأمريكية الأخيرة قد تقوض الجهود الرامية إلى الحفاظ على اتفاق بريتوريا للسلام الذي أنهى الحرب المدمرة في شمال إثيوبيا عام 2022.
جاءت تصريحات الجبهة عقب إعلان وزارة الخارجية الأمريكية فرض قيود تأشيرات على شخصيات وصفتها واشنطن بأنها متورطة في تقويض عملية السلام وإثارة التوترات في شمال إثيوبيا، مع تركيز خاص على قيادات متشددة داخل الجبهة وأفراد أسرهم المباشرين. وأكدت الإدارة الأمريكية أن الخطوة جاءت استجابة لما اعتبرته مؤشرات متزايدة على احتمال عودة الصراع المسلح بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوى نافذة داخل تيغراي، بعد سلسلة من التطورات السياسية والعسكرية المثيرة للجدل خلال الأشهر الماضية.
في رد حاد، قالت الجبهة إن القيود الأمريكية "تستند إلى تقييم غير مكتمل وغير متوازن للوضع"، معتبرة أن واشنطن حملت تيغراي مسؤولية التوترات الحالية بينما تجاهلت، بحسب وصفها، إخفاق الحكومة الإثيوبية المستمر في تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في اتفاق بريتوريا. وأضافت أن أي مقاربة دولية تركز على طرف واحد من أطراف النزاع لن تسهم في تثبيت السلام، بل قد تشجع على استمرار حالة الجمود التي تعاني منها عملية تنفيذ الاتفاق.
يأتي هذا السجال في ظل أزمة متصاعدة حول تفسير وتنفيذ اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي. فبينما ترى الحكومة الإثيوبية وحلفاؤها أن الجبهة انتهكت بنوداً أساسية من الاتفاق عبر إعادة تفعيل المؤسسات السياسية التي كانت قائمة قبل الحرب وإعادة فرض سيطرتها على الإدارة الإقليمية في تيغراي، تؤكد الجبهة أن هذه الخطوات جاءت نتيجة فشل الحكومة المركزية في استكمال البنود الجوهرية للاتفاق بعد أكثر من ثلاث سنوات على توقيعه.
تتمحور أبرز نقاط الخلاف حول قضايا ما تزال عالقة منذ انتهاء الحرب، وعلى رأسها مصير المناطق المتنازع عليها في غرب تيغراي، وعودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم الأصلية، ومستقبل الإدارة السياسية للإقليم، فضلاً عن الاتهامات المتبادلة بشأن التعطيل المتعمد لبعض البنود الأمنية والإنسانية. ويرى مقربون من الجبهة أن المجتمع الدولي ركز بصورة مفرطة على الإجراءات السياسية التي اتخذتها قيادة تيغراي، بينما لم يمارس ضغطاً مماثلاً على الحكومة الإثيوبية لمعالجة الملفات العالقة التي تعد جوهر اتفاق السلام.
كانت واشنطن قد بررت قرارها بالإشارة إلى تصاعد التوترات بين الحكومة الفيدرالية وعناصر متشددة داخل الجبهة، وإلى اشتباكات وقعت في وقت سابق من العام بين قوات مرتبطة بتيغراي والجيش الإثيوبي، وهي أول مواجهة مباشرة بين الجانبين منذ انتهاء الحرب الكبرى التي اجتاحت شمال البلاد بين عامي 2020 و2022. وأعربت الخارجية الأمريكية عن خشيتها من أن تؤدي هذه التطورات إلى إعادة إشعال النزاع في منطقة ما تزال تعاني من آثار الحرب الإنسانية والاقتصادية.
في المقابل، تؤكد شخصيات سياسية وإعلامية مقربة من تيغراي أن التوترات الحالية لا يمكن فهمها بمعزل عن التعثر المزمن في تنفيذ الاتفاق، مشيرة إلى أن عدداً من البنود التي تعهدت بها الأطراف الموقعة لم تُنفذ حتى الآن، بما في ذلك قضايا إعادة النازحين والتسويات الإدارية والأمنية طويلة الأجل. وترى هذه الأصوات أن الأزمة الراهنة ليست نتيجة خطوات اتخذتها الجبهة فحسب، وإنما انعكاس لفشل أوسع في استكمال عملية الانتقال من وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة.
تحمل هذه المواجهة الدبلوماسية بين الجبهة وواشنطن دلالات سياسية أوسع، إذ تأتي في وقت تشهد فيه تيغراي انقسامات داخلية وصراعاً على الشرعية السياسية بين مراكز القوى المختلفة في الإقليم. كما تعكس تزايد القلق الدولي من هشاشة الوضع الأمني في شمال إثيوبيا، حيث يحذر مراقبون من أن استمرار الخلافات حول تنفيذ اتفاق بريتوريا قد يدفع المنطقة نحو دورة جديدة من عدم الاستقرار، خصوصاً في ظل استمرار الملفات الأمنية والإنسانية العالقة دون حلول نهائية.
يرى متابعون أن الموقف الأمريكي الأخير قد يشكل نقطة تحول في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع أزمة تيغراي، إذ إنه للمرة الأولى منذ توقيع اتفاق بريتوريا توجه واشنطن إجراءات عقابية مباشرة تستهدف قيادات مرتبطة بالجبهة على خلفية اتهامات بتقويض السلام. غير أن رد الجبهة يعكس تمسكها برواية مغايرة تعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في عدم تنفيذ الاتفاق بصورة متوازنة، وأن تحميل طرف واحد المسؤولية قد يؤدي إلى إضعاف الثقة في العملية السلمية بدلاً من تعزيزها.
بين الروايتين المتناقضتين، تبدو عملية السلام في تيغراي أمام اختبار جديد قد يحدد مستقبل الاستقرار في إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول التعثر السياسي المستمر إلى أزمة أمنية أوسع إذا لم تتم معالجة القضايا الأساسية التي بقيت معلقة منذ توقيع اتفاق بريتوريا.