تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

عربة سلوى بكر الذهبية تلامس السماء: أولى جوائز البريكس الأدبية 2025

2 ديسمبر, 2025
الصورة
عربة سلوى بكر الذهبية تلامس السماء:  أولى جوائز البريكس الأدبية 2025
Share

تلفت الروائية المصرية سلوى بكر (ولدت 1949)، في إنتاجها المميز (سبعة روايات وسبعة مجموعة قصصية قصيرة) النظر إلى عوالم هامشية بشكل فاتن، وبلغة خشنة قاسية، تتسرب منها على حين غفلة لمحات "صوفية" حالمة، مقصودة ومحسوبة بدقة، وكاشفة لروح الإنسان البكر. كما تبنت بكر أسلوب كتابة مدهش في محاكاته للغة عصر العمل الروائي، وبلغ هذا التميز ذروته في روايتها "البشموري" (1998).

تبدو كتابة بكر متعاطفة مع شخصيات العمل، وناقدة للمجتمع/ السلطة الذي يؤذيها أو يحرمها من حقوقها؛ يبدو ذلك واضحًا في تناول بكر، وهي ابنة حي المطرية الهامشي في شمال شرق القاهرة الحديثة، والذي ضم بين جنباته آثارًا فرعونية ومسيحية وفيرة منها مسلة المطرية أو مسلة سنوسرت الأول، والشجرة المعروفة باسم "شجرة مريم" حيث إحدى محطات رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، في روايتها "البشموري" ثورة أقباط الدلتا (في شمال مصر) ضد مظالم عمال الخليفة العباسي المأمون ابن هارون الرشيد في مصر (فيما عرف بعصر الولاة) لاسيما زيادة الخراج؛ وهي الرواية التي نالت نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 جائزة البريكس الأدبية في دورتها الأولى، ولاقت بكر على إثرها حفاوة إعلامية ورسمية بالغة، تضاف للتقدير الذي طالما تمتعت به بكر، باعتبارها صوتًا روائيًا نسائيًا تقدميًا ينافح عن حقوق المهمشين بكل السبل الممكنة.

جائزة البريكس الأدبية: بديل "جنوب عالمي" لنوبل للآداب؟

ربما كانت الإجابة البديهية والحاسمة على سؤال العنوان: "نعم"، على الأقل من جهة رمزيتها وزخمها، وما تمتعت به من حفاوة إعلامية في دول البريكس العشرة وربما خارجها؛ أما عند مقارنة قيمتها المالية بنوبل فإن الأولى لا تتجاوز 1% من قيمة الثانية؛ لكن الرمزية دالة للغاية، وتعزز الإجابة الأولى، إذ جاءت الجائزة من رحم مسار "الجنوب العالمي" وقاطرته حسبما يروج تجمع البريكس الاقتصادي في المقام الأول، بقيادة صينية وروسية وإسناد أفريقي تقدمه جنوب أفريقيا؛ إذ طالما تجاهلت "نوبل" العديد من أبرز الأدباء في أفريقيا، وفي "الجنوب العالمي" بشكل عام، مع الاحتفاء بأدباء ربما كانوا أقل قيمة ومنجزًا حقيقيًا.

اعتبرها مثقفون من هذه الدول ذات أهمية في الحفاظ على الحوار الثقافي واحترام التنوع، وأنها خطوة كبيرة في تطوير التعاون الأدبي الدولي وتقوية الصلات الفكرية والثقافية بين دول البريكس

فقد ظل الكيني نغوغي واثيونغو –على سبيل المثال- مرشحًا يتم تجاوزه عامًا بعد آخر رغم نبوغه أفريقيًا وعالميًا، وتميز مشروعه وغناه على نحو قل نظيره. كما كشفت جوائز نوبل عن تحيزات اختياراتها بشكل فج العام الماضي من باب جائزة نوبل للسلام عند اختيارها زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، والمقربة من الإدارة الأمريكية الحالية، للجائزة، وما تلا ذلك من تهيئة الأجواء للهجوم الأمريكي المرتقب على بلد الفائزة بالجائزة. ما كشف عن جانب من جوانب اعتبارات الجائزة، ألا وهو التخادم السياسي والثقافي بشكل عام، بغض النظر عن تعقيدات مسألة حسمها في نهاية الأمر.

تحمل جائزة البريكس الأدبية Brics Literature Award، التي تم إطلاقها خلال انعقاد منتدى بريكس "للقيم التقليدية" في موسكو في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، شعار "من أجل استعادة ثروة ثقافاتنا إلى كل منا"، بقصد نشر قيم وثقافات دول البريكس فيما بينها. ويتضح ذلك في تأكيد الجائزة على معايير اختيار الكاتب/ الكاتبة الفائز والتي تشمل: عكس القيم التقليدية الموروثة وسط كل شعب، وعكس روح هذا الشعب، وتقديم دراسة ووصف عميقين للشعوب التي تمثل دول البريكس، وإظهار مهارات أدبية وقيمة عمل فريدة.

كما تعمل الجائزة وفق عملية ديمقراطية بشكل واضح، إذ تضم لجنة تحكيم الجائزة مجموعة من الخبراء على أن يكون هناك ما لا يقل عن عضوين من كل دولة في دول البريكس. وقد فصلت اللجنة في خيارها بين عشرة مرشحين من دول البريكس في قائمة الجائزة القصيرة، والتي أعلن عنها في أكتوبر/تشرين الأول الفائت، مما يوحي بنوع من البيروقراطية.

كانت أمانة الجائزة، التي يترأسها الروسي ديمتري كوزنتسوف (D. Kuznetsov)، قد أكدت في يونيو/حزيران الفائت اتساق الجائزة مع أهداف مشروع "شبكة البريكس للأدب" التي تم تأسيسها قبل نحو عام، وتضم معًا مجموعة من الكتاب والناشرين وأساتذة الأدب في الجامعات المختلفة، والتي تتركز بالأساس في مواصلة التبادل الثقافي بين دول البريكس العشرة. واعتبرها مثقفون من هذه الدول ذات أهمية في الحفاظ على الحوار الثقافي واحترام التنوع، وأنها خطوة كبيرة في تطوير التعاون الأدبي الدولي وتقوية الصلات الفكرية والثقافية بين دول البريكس.

تبدو الجائزة جنوب عالمية بامتياز، إذ لا زالت في مهدها، وتشبه كثيرًا الجوائز التي تقدمها حكومات دول العالم النامي لمبدعيها، وغلبت في معاييرها قيمًا محددة للغاية يشترط أن تتوفر في العمل الفائز، وربما جاء فوز رواية بكر "البشموري" دالًا على ذلك.

البشموري والتمرد على الرواية الرسمية للتاريخ

بموازاة الروايات الرسمية لتاريخ الدولة العباسية في مصر (وسوريا) في عهد الخليفة العباسي المأمون بن هارون وتفاعلات الخلافة العباسية في عهده، والتي لاحظها بإيجاز البروفيسور طيب الهبري في كتابه عن "تاريخ الخلافة العباسية" (2021)، من أن سياسات هذا الخليفة الجديدة في عصره، وأبرزها الانخراط في تحالف مع الإيرانيين للحصول على دعمهم في إدارة الخلافة، قد أدت إلى تراجع قبضة البيت العباسي نفسه.

لموازنة هذا التحالف أشرف المأمون لاحقًا على تنظيم جناحين بالجيش؛ أولهما فرق الرقيق الأتراك التي تولى قيادتها المعتصم، والذي بات نائبًا للخليفة في الإقليم الغربي في سوريا ومصر. وثانيهما من الجيش القبلي العربي بقيادة ابنه العباس؛ مما يشير إلى ملاحظة منطقية باشتداد قبضة القوات الجديدة على مصر في هذا السياق، وقوامها من "العبيد الأتراك".

من هذا السياق التاريخي المحكي رسميًا جاءت رواية بكر عن ثورة الأقباط البشمورية في دلتا النيل في الفترة نفسها، لتسرد رواية مغايرة، وربما متجاهلة زيارة المأمون نفسه لمصر عام 832، أي قبيل وفاته بعام واحد تقريبًا في أغسطس/آب 833، "لمعاينة الوضع في مصر عن كثب بعد إخماد قائده الأفشين (حيدر بن كاوس، ت. 841م) لهذا التمرد" في دلتا النيل، وسردها ضمنًا تلميحات لقدوم المأمون نفسه إلى مصر لقمعه ثورة البشموريين، أقرب لأفكار التأريخ للمهمشين ورواية التاريخ من أسفل، أو ما عرف في أدبيات فلسفة هذا العلم بمفهوم "تاريخ الخاسرون"؛ وربما اقتداء بمدرسة المؤرخ البريطاني اليساري إدوارد. بالمر طومبسون.

قدمت بكر نماذج مغايرة للمرأة لا يتوقعها المجتمع "الذكوري" سواء من جهة تعبيرها عن مشاعر جريئة (شكليًا في نظر التقاليد ربما)، أو جنوحها للعنف كموقف أخير لمواجهة ظلم مستدام

تستهل بكر روايتها الفائزة بجائزة البريكس بوصف دقيق وساحر للبيئة المسيحية/ الكنسية في حي مصر القديمة التاريخي، الذي كان أيضًا، مثل حي المطرية، محطة في رحلة العائلة المقدسة لمصر، ويضم عددًا من أهم الآثار اليهودية والمسيحية والإسلامية جنبًا إلى جنب في تراصف طبوغرافي فريد، وداخل جزء صغير من الحي الحالي معروف باسم "قصر الشمع" ببابليون، الذي يقع – للمصادفة التاريخية بين الثورة البشمورية والنضال المسيحي التاريخي في مصر- على بعد نحو مائتي متر فقط شمالًا من المقابر الأثرية القائمة هناك تحت اسم "مقابر عصر الشهداء- أو عصر الإمبراطور الروماني دقلديانوس الذي حكم في الفترة 284-305م"، وملحق بمحيطها كنيسة مريم العذراء بابليون الدرج وكنيسة الشهيدين وغيرها من مرافق كنسية أثرية، وهي بيئة غنية تماثل (وإن بتنوع أكبر) الحي الذي نشأت فيه الكاتبة، وتمثلت روحه في مقاربتها لكتابة النص.

إذن لا تفارق (رواية) البشموري عملية نحت تاريخ حقيقي، بلغة ذكية وموغلة في الأصالة والإحالات ذات الدلالة الاجتماعية في المقام الأول، في مواقع الرواية المختلفة بين قصر الشمع ومصر القديمة (أو عند أطراف جنوب مدينة الفسطاط عاصمة مصر حينذاك)، أو في بغداد عاصمة الخلافة، أو القدس وغيرها، مع استطراد مسهب في مواضيع كثيرة كوسيلة سرد دمجت فيها بكر معلومات تاريخية ثمينة على لسان شخصيات الرواية بمهارة واضحة، رغم قدر من المبالغة وعدم المنطقية في طول الحوار في بعض الأحيان.

ومن نص البشموري تتضح اهتمامات جائزة البريكس المستحدثة، مع ملاحظة أنها تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية عام 2001 (الجامعة الأمريكية بالقاهرة)، بمسائل الهوية المميزة (في دول المجموعة)، والثراء الثقافي الذي تعبر عنها الرواية، والتجربة التاريخية الدالة، والتي يمكن توظيفها في عالم اليوم للتدليل على أهمية التسامح وقيم المواطنة.

عربة سلوى بكر الذهبية تلامس السماء

إذا كانت البشموري المنجز الأدبي الأكثر تماسكًا وسحرًا في مؤلفات بكر، فإن للروائية أعمال هامة أخرى؛ تدور في فلك محبة الروائية للمهمشين والذين جارت عليهم نوازع الحكام وسلطاتهم، ومن ذلك روايتها "كوكو سودان كباشي" (2004) القصيرة والأقل تماسكًا من جهة اللغة والقدرة على دمج "نصوص تاريخية" ضمن السرد الروائي، ربما لانتقال الرواية بين أكثر من فترة زمنية، وغلبة النزعة الحقوقية لدى بكر على نحو باتت تتحدث فيه في الرواية بضمير صريح ومباشر (وربما فج)، وتناولت فيها مأساة إرسال حكومة مصر الخديوية مئات الجنود من السودان، ضمن من عرفوا بالأورطة المصرية (السودانية)، للقتال في المكسيك في صف فرنسا ضد الولايات المتحدة في ستينيات القرن التاسع عشر.

يحسب للعمل إبداع تناول المسألة على خلفية علاقة ناعمة بين الابنة (الرواية) وأبيها المقاتل السابق الذي فقد أحد أطرافه في الحرب، وعاش متأنقًا ومتذوقًا للطرب الشرقي متمثلًا في شخص الموسيقار فريد الأطرش، قبل أن يبحر "إبحاره النهائي في محيطات العدم" تاركًا خلفه فتاة ثائرة متمردة ومؤمنة بالعدل وقوية باستثناء ضعفها نحوه.

تنسج الراوية تفاصيل أحداث العمل، الوجيز للغاية (مقارنة بنصيها البشموري والعربة الذهبية لا تصعد إلى السماء)، برهافة وسمة سينمائية غالبة حوارًا ووصفًا بصريًا، تضيع عنده ربما عند القارئ حدود الوعي بهذا الأسلوب أم التأثر غير الواعي به. وتختتم الرواية بتتبع مآلات الأورطة السودانية حتى مشاركة بعض جنودها في ثورة الزعيم المصري أحمد عرابي، والتي أفضت في النهاية إلى اكتمال الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882.

تتضح اهتمامات جائزة البريكس المستحدثة، بمسائل الهوية المميزة (في دول المجموعة)، والثراء الثقافي الذي تعبر عنها الرواية، والتجربة التاريخية الدالة، والتي يمكن توظيفها في عالم اليوم للتدليل على أهمية التسامح وقيم المواطنة

أما الرواية الأكثر شهرة في أعمال بكر، قبل نيل جائزة البريكس عن "البشموري"، فكانت "العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء" (1992)؛ والتي استلت بعض حكاياتها لكتابة فيلم سينمائي متوسط المستوى (كارت أحمر- 1994)، وتناولت الرواية مجموعة قصص لنزيلات سجن مخصص للنساء، وحظيت هذه "التيمة" بقبول جماهيري ملحوظ.

بأي حال تنبه ماجدة النويهي، أستاذ اللغات والثقافات الشرق أوسطية والآسيوية المشارك بجامعة كولومبيا، في مقال حول إعادة رؤية الجماعة الوطنية (2000) في هذه الرواية، إلى وجود خلط أولى بين عمل بكر ومؤلفات الكاتبة المصرية الشهيرة (والمثيرة للجدل وفق تصور قطاعات جماهيرية في مصر) نوال السعداوي التي انحازت للمرأة، وتناولت مسائل السجينات. واعتبرت النويهي، أن مشروع بكر في هذه الرواية، والذي يتسم بجرأة مجتمعية حادة في واقع الأمر، بالغ الأهمية في مناهضة إرث السلطة في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات التي فتحت آفاقًا "لحرية الحديث" مع الضغط لتوجيه هذه الحرية للالتزام بأخلاق القرية وقيم الأسرة المصرية. كما قدمت بكر نماذج مغايرة للمرأة لا يتوقعها المجتمع "الذكوري" سواء من جهة تعبيرها عن مشاعر جريئة (شكليًا في نظر التقاليد ربما)، أو جنوحها للعنف كموقف أخير لمواجهة ظلم مستدام.

وربما لامست عربة سلوى بكر الذهبية آفاقًا بعيدة لعمق رؤيتها للمرأة ومشاعرها وإخفاقاتها وكيفية التعامل مع كل ذلك؛ وأكسب أدبها أصالة فائقة مستمدة من تجارب شخصية حقيقية، أي دون افتعال أو تزييف أو تبرج دأب عليه كثيرون. ولمس ذلك بعمق رشيد العناني في مقال بديع حول "جنون عدم الامتثال: المرأة ضد المجتمع في سرد سلوى بكر" (2006)، فالقمع، في الرواية كما الحياة، يستدعي المقاومة، وكانت نساء الرواية من أشد المقاومات شراسة، بما تيسر لهن من وسائل القتال، من تدمير العدو الذكر إلى الجريمة العنيفة إلى النزوع للهرب في شكل "الجنون"، وينقل عنها تعمدها سرد شخصياتها من الرجال دون ملامح مميزة قائلة: "إنني لا أدين الرجل كنوع (عرق أو جنس في الأصل)، لكنني أدين شكل حياتنا ككل، والأفكار المسبقة التي نقبلها كأمور مسلم بها، وإن كانت ليست كذلك، ولا يجب أن تكون. إنني أدين الشائع والمعتاد والمسلم به".