السبت 6 ديسمبر 2025
بعد مرور خمسةٍ وعشرين عاماً على مؤتمر عرتا، ما يزال الصومال على انقسامه القديم؛ تهديدٌ أمنيٌّ قائم للمنطقة والعالم، واعتمادٌ مستمر على المساعدات الخارجية لتسيير مؤسساته الأساسية، وغيابٌ لحقّ الاقتراع المباشر لاختيار القيادات. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ مشروع «بناء الدولة» يتمدّد ويتشعّب طوال هذه السنوات.
السؤال البديهي هنا: لماذا لم يُفضِ ربع قرن من "البناء" إلى دولةٍ مستقرة؟ يكمن الجواب داخل المشروع نفسه؛ إذ أنتج بنيةً سياسية هشّة ومجزّأة ومرتهنة للخارج، بحيث غلب منطق إدارة العملية على منطق تأسيس الدولة.
ولا يعود ذلك إلى قصدٍ مبيّت لدى دول الجوار أو المجتمع الدولي، فلا أتبنّى هذا التصوّر المتشائم، بالعكس، استقرار الصومال مصلحةٌ مشتركة لهذه الدول. إنما الخطأ في زاوية النظر: فقد قُرئت حالة “اللا-دولة” بوصفها مسألةً أمنية صِرف، وافترض صانعو السياسات أن جمع الفصائل المتحاربة وتقاسم السلطة على أسسٍ قبلية سيُنتج تلقائياً دولةً فاعلة، وما يتبقّى هو الإشراف على المسار.
كان هذا التصوّر مغرياً. صراعٌ بين أمراء حرب يتنافسون على الموارد عبر سياسات الهوية، فتبدو صيغةٌ قبلية لتقاسم الموارد حلاً عملياً. وهذا ما طُبِّق فعلياً في مؤتمر عرتا ثم مباغاثي. غير أنّ ما لم يُحتسب آنذاك هو تحوّل المشروع ذاته إلى موردٍ جديد للتنازع؛ فانصرف جهد الفاعلين، في معظمه، إلى الصراع على "حصص" داخل مشروع إعادة البناء، لا إلى إعادة البناء نفسه.
والحصيلة أنّ مشروع الدولة صار غايةً في ذاته، ومسرحاً للتنافس على النفوذ والتمويل والاعتراف، بينما ظلَّ سؤال الدولة المؤسّسة والقادرة مؤجَّلاً. هذه المفارقة هي جوهر أزمة الصومال اليوم، وهي ما يجعل أي حديثٍ عن استقرارٍ دائم بلا مراجعةٍ صريحة لقواعد اللعبة مجرّد رهانٍ على الوَهْم.
مرَّ هذا التنازع بمراحل عدة، بدء من الخلافات المتكررة بين الرئيس ورئيس الوزراء؛ ثم تحوّل إلى صراعات بين الحكومة الاتحادية والولايات الأعضاء؛ وانتهى في الآونة الأخيرة إلى تناحر بين "أمراء" اتحاديين متنازعين بعدما تلاشى التوافق على المشروع نفسه. لم تعد المشكلةُ خلافاً على سياساتٍ أو برامج، بل على آليات العملية نفسها: من يملك الشرعية لتحديد حصص التمثيل، ومن يتولى رسم قواعد اللعبة، وأيُّ الأطراف تُقصى أو يُستوعَب. لفهم كيف وصلنا إلى هنا، يلزم أن نعود إلى تاريخ مشروع بناء الدولة وأُسسه.
إن استعادة السياسة إلى فضاءات التشاور المفتوحة، لا إلى غرف الفنادق المغلقة، هي الشرطُ الأول لبلورة كتلةٍ اجتماعيةٍ ترى في الدولة مصلحةً عامة لا غنيمة
وُلد مشروع بناء الدولة في مؤتمر عرتا عام 2000، وهو يقوم على صيغة تقاسم سلطة بسيطة وناجعة تُعرف بـ"4.5". ووفق هذه الصيغة يُقسَّم المواطنون إلى أربعة "قبائل كبرى" لكل منها عدد متساوٍ من المقاعد، وتُلحق بها "القبائل الصغرى" بنصف حصة كل قبيلة كبرى. فعلى سبيل المثال، من أصل 275 مقعداً في مجلس الشعب، خُصص لكل قبيلة كبرى 61 مقعداً. وبذلك تحوز القبائل الأربع الكبرى معاً 244 مقعداً، فيما تُوزَّع المقاعد الإحدى والثلاثون الباقية على القبائل الصغرى.
وراء هذه الأرقام منطقٌ واضح؛ تحويل التنافس بين الكتل القبلية إلى تقاسمٍ محدَّدٍ سلفاً، بحيث تُخفَّف دوافعُ العنف المباشر عبر ضمان حصصٍ معلومة لكل طرف. غير أنّ ما بدا عملياً على الورق لم يتحوّل تلقائياً إلى مؤسساتٍ محايدةٍ وقواعدَ عامة؛ إذ ظلّ الانتماءُ القبلي مرجعيةَ التمثيل ووحدةَ القياس في مجالاتٍ كان ينبغي أن تُدار بالكفاءة والمساءلة. ومع مرور الوقت انتقل التنافس من الموارد المادية إلى مفاصل المشروع نفسه، أي إلى المقاعد واللجان ومساراتِ الترشيح والاختيار. وبذلك غدا "الوسيط" موضوعاً للصراع، وأصبح ضبطُ الولوج إلى المشروع، بدل تحسين حياة الناس، معيارَ النجاح السياسي.
لم تكن صيغة 4.5 هي المخرَج الوحيد لمؤتمر عرتا؛ فقد أفضى أيضاً إلى ميثاق انتقالي، وحكومة وطنية انتقالية (TNG)، وجمعية وطنية. غير أنّ الصيغة كانت الجزء الوحيد من مخرجات عرتا الذي بقي حيّاً بعد أن أعادت مبادرة «إيغاد» (الهيئة الحكومية للتنمية) تشكيل مشروع بناء الدولة في الصومال بعد عامين.
ركز مؤتمر عرتا في الأساس على المجتمع المدني، لكنه افتقد مشاركة فاعلين أساسيين، بينهم بونتلاند (وغياب صوماليلاند المستمر) وأمراء حرب بارزون في الجنوب. وقد أضعف غياب هؤلاء شرعية الحكومة الوطنية الانتقالية وفاعليتها، فباتت الحكومة والمشروعُ برمّتِه على وشك الانهيار.
كان لزاماً على «إيغاد» التحرك سريعاً لمعالجة الأزمة. فجمعت الحكومة الانتقالية وخصومها من أمراء الحرب، إلى جانب بونتلاند، في مباغاثي عام 2002. وبعد عامين من الحوار، أسفر المؤتمر عن قيام حكومة فيدرالية انتقالية (TFG)، وميثاق اتحادي انتقالي، وبرلمان تُوزَّع مقاعده وفق صيغة 4.5 التي أرساها مؤتمر عرتا.
لم تعد المشكلةُ خلافاً على سياساتٍ أو برامج، بل على آليات العملية نفسها: من يملك الشرعية لتحديد حصص التمثيل، ومن يتولى رسم قواعد اللعبة، وأيُّ الأطراف تُقصى أو يُستوعَب
كانت التوقعات أن تملك الحكومة الفيدرالية الانتقالية فرص بقاء أكبر لثلاثة أسباب رئيسية. أولاً، بخلاف الحكومة الوطنية الانتقالية، شملت الفيدرالية كلَّ أمراء الحرب. ومنحت كلّاً منهم مصلحة مباشرة في استمرار الدولة.
ثانياً، كان يُنظر إلى النظام الفيدالي باعتباره أكثر ملاءمة للاستقرار؛ إذ إن كلَّ أمير حرب كان يسيطر على جزء من الأرض، والنظامُ الفيدرالي يتيح له الاحتفاظ بنفوذه المحلي، والانخراط في الحكومة الوطنية في آن. كما أنه بدّد هواجس فاعلين أساسيين، مثل بونتلاند، من إعادة حكومة مركزية قوية البلاد إلى قبضة الدكتاتورية. كما رُفِعَت حُجج تقول إن المركزية تقلّص فرص عودة صوماليلاند إلى الصومال.
ثالثاً، جاءت الفيدرالية حصيلةَ توافق إقليمي؛ فقد شاركت فيها كلُّ دول الخطوط الأمامية. كانت إثيوبيا وجيبوتي، واللتان كانتا على طرفي نقيض - تملكان نفوذٌ متقارب على مآلات العملية. لهذه الأسباب، ساد الاعتقاد أنّ هذه المرة ستُنتج دولةً أطول نَفَساً.
غير أنّ ذلك لم يتحقّق. فبعد أشهر قليلة من تسلّم السلطة انقسمت الحكومة إلى معسكرين متنازعين؛ الجهاز التنفيذي من جهة، والبرلمان من جهة أخرى. وبعد عامين فقط واجهت تحدّياً حادّاً تمثّل في تمرد «اتحاد المحاكم الإسلامية»، الذي أحكم قبضته على العاصمة بحلول يونيو/حزيران 2006. تدخّلت إثيوبيا دعماً للحكومة الفيدرالية الانتقالية، ثم حلّت بعثةٌ أمنية تابعة للاتحاد الأفريقي محلّ القوات الإثيوبية في 2007. ومنذ ذلك الحين تواصلت المهمة من دون مؤشرات واضحة على نهايتها، حتى إن الحكومة الاتحادية طلبت قبل نحو عام تعليق عملية سحب القوات، فيما لا يزال الصومال عاجزاً عن تأمين نفسه بنفسه.
انتهت مرحلة مباغاثي عملياً باستقالة رئيس الحكومة الفيدرالية الانتقالية الأولى عام 2008. ولتشكيل حكومة جديدة عاد الصوماليون إلى جيبوتي، فأُعلنت في مطلع 2009 حكومةٌ انتقالية أتمّت ولايتها بوصفها آخر الحكومات الانتقالية في 2012. أنشئت الحكومات الثلاث اللاحقة داخل الصومال، لكن اكتمال الدور الانتقالي كشف عن تعقيداتٍ أعمق بدأت تتبدّى بوضوح، وارتفعت معها كلفة التأخير عاماً بعد عام على الجميع.
الحصيلة أنّ مشروع الدولة صار غايةً في ذاته، ومسرحاً للتنافس على النفوذ والتمويل والاعتراف، بينما ظلَّ سؤال الدولة المؤسّسة والقادرة مؤجَّلاً
ومع ذلك، بقيت القضايا السياسية الصومالية شأناً إقليمياً بامتياز. بل إن نفوذ اللاعبين الإقليميين والدوليين ازداد - من كمبالا إلى أبوظبي إلى أنقرة. وبينما يصطفّ القادة المحليون خلف هذه العواصم المتنافسة، يبقى المجتمع الصومالي إلى حدٍّ كبير خارج مسار صناعة القرار.
يقف مشروعُ بناء الدولة اليوم في مفترقَ الطرق. فقد تآكلَ التوافقُ الصومالي على مرتكزاته الأساسية -النظامُ الفيدرالي والميثاق. والأهم أن المجتمع الدولي آخذٌ في التردد في تمويله. وبدلاً من ذلك باتت القوى الإقليمية تدعم أطرافاً متقابلة: الحكومة الاتحادية هنا، والولايات الأعضاء أو فاعلين غير دولتيين هناك.
أمام هذا الواقع يلوحُ احتمالان، الأرجح بينهما هو ترسُّخُ الدولة المجزّأة. وقد تَحقّقَ جانبٌ كبيرٌ من هذا السيناريو فعلياً بوجود ما لا يقلّ عن خمسة كياناتٍ بحكم الأمر الواقع. ظلّ هذا التشظّي منخفضَ الكلفة نسبياً ما دامت سلطةُ كلِّ كيانٍ محصورةً في نطاقه، غير أنّ قدرةَ الوضع الراهن على الاستمرار تقترب من حدودها.
تتداخل الهواجس الداخلية والإقليمية معاً. فقد خاضت الحكومة الفيدرالية أكثر من جولة من الاشتباكات المسلحة مع جوبالاند، ويرجّح أن تتصاعد هذه المواجهات مع تزايد تدفّق السلاح منذ رفع الحظر قبل أقل من عامين. وتشير مصادر موثوقة إلى أن بونتلاند متورطة بشدة بوصفها مركزاً لوجستياً في الحرب الأهلية السودانية.
ويعزّز رجحان هذا المسار طبيعة النظام الدولي الراهن؛ إذ تمارس القوى الكبرى والإقليمية تمارس السياسة كما هي، لا كما ينبغي أن تكون. بمعنى آخر، لم تعد السيادة مصونة؛ لقد حلّ محلها تفاهمٌ ضمني بين القوى الدولية والإقليمية على تقاسم مناطق النفوذ داخل الدول الضعيفة. سورية مثالٌ قريب، والسودان ليس بعيداً عنه، وربما يكون الصومال التالي.
يدفع هذا النهج الواقعي الصِرف تنافسٌ محموم على النفط والمعادن النادرة، ويرتكز أيضاً إلى خلاصةٍ رسخت لدى الفاعلين الدوليين مفادها إن الدول لا تُبنى من الخارج بقدر ما تُولد من الداخل.
ومن هنا نصل إلى السيناريو الأقل احتمالاً؛ وهو الشروع في مشروع بناء دولةٍ تقوده القوى المحلية من الداخل. ونماذجُ هذا النمط من البناء على مقربةٍ منا؛ فقد اعتمدت كلٌّ من صوماليلاند وبونتلاند مساراً تصاعدياً من القاعدة إلى القمّة، بدأتا بالمصالحة لا بين الفصائل المتحاربة فحسب، بل مع إشراك الناس العاديين، فكانت المحصلة نموذجاً سياسياً ولّد شعوراً بالانتماء لدى المجتمع.
الطريق إلى هذا الخيار ليس لغزاً، ويبدأ بتقليص الارتهان للوصفات الوافدة، وإحياء آليات التسوية المحلية التي تُشرك جميع الفاعلين بما في ذلك الناسُ العاديون، وتحتكم إلى قواعدٍ واضحة لا تُصاغ لمرّةٍ واحدة، بل تتطور بالتوافق. إن استعادة السياسة إلى فضاءات التشاور المفتوحة، لا إلى غرف الفنادق المغلقة، هي الشرطُ الأول لبلورة كتلةٍ اجتماعيةٍ ترى في الدولة مصلحةً عامة لا غنيمة.
ومع أن هذا السيناريو أقل احتمالاً، فإن أسبابه لا تخفى. لقد أضعفت ربعُ قرنٍ مضى قدرةَ الصوماليين على حل مشكلاتهم بأنفسهم. وما لم نجلس وجهاً لوجه تحت شجرة، كما فعل أجدادنا، فسنظل أسرى السيناريو الأول لخمسة وعشرين عاماً أخرى... وربما أكثر.