تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 22 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

قتيلان و10 جرحى في احتجاجات ببورما رفضاً للاحتفاء بكتاب عن ميثاق «حير العيسى»

5 ديسمبر, 2025
الصورة
قتيل و10 جرحى في احتجاجات ببورما رفضاً للاحتفاء بـ"حير العيسى"
Share

قُتل شخصان وأصيب ما لا يقل عن عشرة آخرين، في احتجاجات عنيفة اندلعت مساء أمس في مدينة بورما، عاصمة إقليم أودال غرب صوماليلاند، رفضاً لقرار حكومي يسمح بتنظيم حفل لعرض كتاب يتناول «Xeer Ciise»، وهو ميثاق عشائري تقليدي حظي مؤخراً باعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

وبحسب شهود عيان، خرج عشرات المحتجين إلى شوارع المدينة تعبيراً عن غضبهم من القرار، وقاموا بإغلاق عدد من الطرق الرئيسية وإضرام النار في إطارات السيارات، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهات مباشرة مع قوات الشرطة التي انتشرت بكثافة في محيط الدوائر الحكومية والطرقات الرئيسة.

مدير مستشفى بورما، الدكتور سهل أحمد، أكد في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن المستشفى استقبل جثة شخص واحد إضافة إلى نحو عشرة مصابين بجروح متفاوتة، إثر استخدام الرصاص خلال تفريق المتظاهرين. ولم يتضح على الفور ما إذا كانت جميع الإصابات ناجمة عن الأعيرة النارية أم عن التدافع والفوضى التي رافقت الاحتجاجات.

مصادر محلية أفادت بأن بعض المحتجين ألحقوا أضراراً مادية بعدد من المباني الحكومية داخل المدينة، من بينها مقر فرع البنك المركزي، في وقت ظلّت فيه الأسواق مغلقة لساعات، وسط حالة استنفار أمني وتوتر واضح في الشوارع. وحتى لحظة إعداد هذا الخبر، لم يصدر تعليق رسمي من سلطات إقليم أودال ولا من قيادة الشرطة حول ملابسات الحادثة أو هوية الضحية.

وتأتي هذه التطورات امتداداً لتوترات سابقة شهدتها مدينة زيلع الساحلية خلال الأسابيع الماضية، عقب الإعلان عن نية تنظيم احتفال هناك للاحتفاء بـ«Xeer Ciise» بعد إدراجه على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. وأدى الجدل حول المناسبة إلى احتجاجات محدودة واعتقال عدد من الشباب، ما دفع حكومة صوماليلاند إلى إرسال وفد برئاسة وزير الداخلية والأمن عبد الله محمد عرب لعقد مشاورات مع شيوخ وأعيان إقليم أودال، تمخضت – بحسب وجهاء – عن تفاهم مبدئي يقضي بتهدئة الشارع وفتح قناة حوار بين الحكومة والقيادات التقليدية حول كل ما قد يمس السلم الاجتماعي.

وبالتوازي مع هذا المسار الداخلي، يرى بعض المراقبين أن المشهد لا ينفصل عن حسابات إقليمية أوسع؛ إذ يعتقدون أن النظام الجيبوتي برئاسة إسماعيل عمر غيله– الذي أُعاد ترشّحه مؤخراً لولاية سادسة بعد تعديل دستوري –يستثمر التنافس التاريخي بين عشيرة العيسى المهيمنة سياسياً في جيبوتي وبين عشيرة الجَدَبرسي في غرب صوماليلاند. ويذهب هؤلاء إلى أن حساسية عرض الكتاب في مدن يتقاسمها الطرفان داخل حدود صوماليلاند ترتبط أيضاً بنزاعات قديمة على الأرض والنفوذ الرمزي بين العشيرتين.

غير أن وزير الإعلام في صوماليلاند، أحمد ياسين شيخ علي أيانلي، صرّح للصحافة أمس الخميس بأن الحكومة تراجعت عن موقفها السابق وقررت السماح رسمياً بإقامة الحفل الخاص بعرض الكتاب منتصف الشهر الجاري، بعد أن كانت قد جمّدت الترتيبات المرتبطة به. هذا الإعلان، الذي اعتبره محتجون في بورما تجاهلاً لتحفظاتهم ومخاوفهم، تزامن مع تجدّد التوتر واندلاع موجة المظاهرات العنيفة التي شهدتها المدينة في الليلة نفسها.

يُذكر أن اليونسكو أعلنت في ديسمبر/كانون الأول 2024 إدراج «Xeer Ciise» رسمياً ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بعد مبادرة مشتركة من باحثين وممثلي المجتمعات المحلية. ويُقدَّم الميثاق على أنه منظومة عرفية عمرها قرابة خمسة قرون، وضعها مئة شيخ من عشيرة العيسى، وتتناول قضايا فضّ النزاعات، وحماية الفئات الضعيفة، وحقوق النساء والأطفال، والمحافظة على البيئة.

وترى اليونسكو أن هذا النظام العرفي يشكّل نموذجاً حياً لـ«ثقافة قانونية محلية» تساهم في تعزيز السلم الأهلي والحوكمة الرشيدة، من خلال آليات للتسوية السلمية للنزاعات، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وحماية الموارد الطبيعية في منطقة غالباً ما ترتبط في الأذهان بالصراعات وعدم الاستقرار.

غير أن أجواء الاحتفاء السياسي والإعلامي بالاعتراف الأممي، وما رافقها من ترتيبات لإقامة فعاليات في مدن مختلطة مجتمعياً مثل زيلع وبورما، كشفت عن حساسيات محلية عميقة تتعلق بالهوية والتوازنات العشائرية، تحاول السلطات التقليدية والحكومية معاً احتواءها عبر الحوار وتطمين مختلف المكونات. إلا أن أحداث الليلة الماضية في بورما أظهرت أن طريق التهدئة لا يزال طويلاً، وأن أي خطوة تتصل بالرموز والمرجعيات العشائرية ستظل بحاجة إلى إدارة أكثر حذراً، تفادياً لانزلاق التوتر إلى مواجهات دامية جديدة.