الثلاثاء 14 يوليو 2026
دخل مشروع خط السكك الحديدية المزمع إنشاؤه بين الكاميرون وتشاد مرحلة جديدة من الخلاف السياسي والفني، بعد إعلان الحكومة التشادية رفضها للمسار الذي اعتمدته السلطات الكاميرونية لربط مدينة نغاونديري بالعاصمة نجامينا، معتبرة أن القرار اتُخذ بصورة أحادية ولم يخضع لمشاورات نهائية بين البلدين، رغم أن المشروع يمثل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الإقليمية في وسط أفريقيا. ويهدف الخط، الذي يمتد لنحو 997 كيلومترًا، إلى ربط تشاد غير الساحلية بميناء دوالا الكاميروني عبر شبكة السكك الحديدية الكاميرونية، بما يسهم في خفض تكاليف النقل وتعزيز التجارة البينية. وتشير الدراسات الأولية إلى أن التكلفة التقديرية للمشروع تتجاوز أربعة تريليونات فرنك أفريقي، مع إمكانية ارتفاعها وفقًا للتصاميم النهائية وآليات التمويل.
كانت الرئاسة الكاميرونية قد حسمت في 05 يونيو/ حزيران الماضي اختيار أحد ثلاثة مسارات كانت قيد الدراسة، مفضلة الخط الذي يمر عبر مدن غاروا وماروا وكوسيري قبل الوصول إلى نجامينا، باعتباره الخيار الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية ويخدم المدن الرئيسية في أقصى شمال الكاميرون. إلا أن وزارة النقل التشادية سارعت، في بيان صدر في 11 يونيو، إلى التأكيد أن هذا المسار "لم يخضع لأي اعتماد نهائي مشترك"، وأن الحكومة التشادية لم تمنح موافقتها الرسمية عليه، داعية إلى مواصلة المشاورات الثنائية قبل اعتماد أي خيار نهائي.
ترى نجامينا أن المسار الذي اختارته ياوندي لا ينسجم مع أولوياتها التنموية، إذ تفضل خيارًا آخر يمر عبر جنوب تشاد، بما يسمح بربط المناطق الزراعية والإنتاجية الرئيسية داخل البلاد بشبكة النقل الإقليمية، ويعزز التنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية التي تضم الجزء الأكبر من النشاط الزراعي والتجمعات السكانية. وتعتقد السلطات التشادية أن المشروع ينبغي ألا يقتصر على توفير منفذ بحري، وإنما يجب أن يتحول إلى أداة لإعادة توزيع التنمية داخل البلاد وتقليص الفوارق بين الأقاليم.
في المقابل، ترى السلطات الكاميرونية أن المسار الذي جرى اختياره يحقق أفضل توازن بين الكلفة والجدوى الاقتصادية، كما يستفيد من البنية التحتية القائمة على خط السكك الحديدية الذي ينتهي حاليًا في نغاونديري، الأمر الذي يقلل تكاليف الإنشاء ويسرع تنفيذ المشروع. ويُعد هذا الامتداد جزءًا من خطة أوسع لتحويل الكاميرون إلى مركز لوجستي يخدم دول أفريقيا الوسطى غير المطلة على البحر، وفي مقدمتها تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى.
يحمل الخلاف أبعادًا اقتصادية تتجاوز البلدين، إذ تعتمد تشاد بصورة كبيرة على ممر دوالا لنقل وارداتها وصادراتها النفطية والزراعية، بينما يمثل المشروع جزءًا من جهود التكامل الإقليمي التي تدعمها مؤسسات التمويل الأفريقية والدولية. كما يُنتظر أن يسهم الخط الجديد في تخفيف الضغط على النقل البري، وخفض كلفة الشحن، وزيادة حركة التجارة والاستثمار بين دول وسط أفريقيا، إذا ما جرى التوافق على مساره النهائي.
يرى خبراء النقل الإقليمي أن الخلاف الحالي لا يعني توقف المشروع، لكنه قد يؤدي إلى إعادة تقييم الدراسات الفنية والاقتصادية، وربما فتح جولة جديدة من المفاوضات بين ياوندي ونجامينا للوصول إلى صيغة توازن بين الاعتبارات الاقتصادية التي تتمسك بها الكاميرون، والأولويات التنموية التي تطرحها تشاد. كما أن نجاح المشروع سيظل مرتبطًا بقدرة البلدين على التوصل إلى رؤية مشتركة بشأن دور البنية التحتية في تعزيز التكامل الاقتصادي داخل منطقة الجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الإقليمي بإنشاء ممرات نقل جديدة تربط الموانئ الأطلسية بالدول الحبيسة في الساحل ووسط القارة.