تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

قصي همرور: أزمة السودان تبدأ من "المعرفة" وتنتهي بـ "الأسطورة الوطنية"

9 فبراير, 2026
الصورة
قصي همرور: أزمة السودان تبدأ من "المعرفة" وتنتهي بـ "الأسطورة الوطنية"
Share

يستضيف موقع جيسكا (القرن) الباحث والكاتب السوداني قصي همرور، وهو من الأصوات الفكرية التي انشغلت خلال السنوات الأخيرة بأسئلة التنمية وحوكمة الدولة، وسياسات المعرفة والتكنولوجيا، في سياق سوداني وأفريقي أوسع.

تميّزت كتاباته بمحاولة تفكيك الأساطير المؤسسة للخطاب التنموي السائد، وربط الإخفاقات البنيوية للدولة السودانية بتاريخ طويل من الاختلالات المعرفية والمؤسسية، مع إصرار واضح على استعادة سؤال العمل والإنتاج، والعقلانية السياسية، بوصفها مدخلاً لأي مشروع وطني قابل للحياة.

في هذا الحوار، نسعى إلى مقاربة بعض مفاهيمه المركزية، ليس بوصفها إجابات نهائية، بل كأدوات تحليل لفهم مأزق السودان الراهن وإمكانات الخروج منه.

حسان الناصر: في عدد من كتاباتك، تبدو التنمية ليست مسألة سياسات اقتصادية بقدر ما هي مسألة بنية معرفية تحكم تصور المجتمع لذاته ولعمله. كيف تفهم العلاقة بين المعرفة والتنمية في السياق السوداني، وهل يمكن الحديث عن "أزمة معرفة "بوصفها أصل الأزمة التنموية؟

قصي همرور: إذا نظرنا للتنمية باعتبارها قاطرة، فالاقتصاد إنما هو عربة من عربات تلك القاطرة. عربة مهمة بلا شك، لكنها ليست هوية القاطرة كلها. وكذلك فالسياسات الاقتصادية في أي مجتمع لا يمكنها أن تكون جماع سياسات التنمية إنما هي جزء منها فحسب. ذلك من حيث النظرة الإجمالية، أما من حيث الوجهة، فالقاطرة والعربات جميعها تتحرك وفق وجهة مقررة. قرار اتخاذ تلك الوجهة يُفترَض منه أن يأتي من أهداف ومعايير سابقة، ووفق سياقات ومعطيات سابقة كذلك. هنا تأتي البنية المعرفية التي جاء ذكرها في السؤال. حصيلة تلك البنية يمكن أن نسميها "فلسفة التنمية"، أو المشروع الوطني، أو أي مسمى آخر حسب السياق واللغة المناسبة له.

على هذا الأساس، يمكن الحديث عن "أزمة معرفة" بوصفها أصل الأزمة التنموية؛ كحديث مجمل إجمالا. أما عند التفصيل فهناك حاجة لتحديد ماهية مواضيع المعرفة المأزومة، وربما تعريف المعرفة نفسها. فالمعرفة تبدو بوابة تقود إلى حقول متنوعة ومتداخلة. الحقول المعرفية المتعلقة بنماء المجتمعات اقتصاديا، مثلا، تتفاوت أحيانا عن تلك المتعلقة بنمائها الاجتماعي الشامل (والنماء الاجتماعي مساحة واسعة ومطّردة لن نحاول حصرها هنا). ثم هنالك فضاء آخر، واسع وديناميكي ومهم كذلك، في المسألة التنموية، وهو "البراكسِس"—حيث المعرفة تهدي الممارسة، وكذلك الممارسة تغذي المعرفة وتراجعها، في علاقة حلقية مستمرة ومتصاعدة مع تعقيد المجتمعات وتباين طموحاتها. هذا بطبيعة الحال تعليق مختصر ومختزل جدا.

حسان الناصر: طرحتَ في أكثر من موضع فكرة "الأسطورة الوطنية" باعتبارها إشكالية أمام بناء دولة حديثة منتجة. ما الذي تقصده بهذه الأسطورة تحديدًا؟ وكيف تسهم السرديات الوطنية الموروثة في إعادة إنتاج الفشل بدل تجاوزه؟

قصي همرور: في كتاب "ممكنات السودان: الأسطورة الوطنية وثقافة العمل" (طبعة أولى 2021) جاءت محاولة للمساهمة في هذا النقاش المهم عن طريق استبانة الجوانب الإيجابية في موضوع الأسطورة الوطنية. وليس في ذلك تجاهل للجوانب الإشكالية والمعيقة، وإنما بدا لي أن إضاءة الجوانب الإيجابية ومتطلباتها تعين كذلك على تمييز الجوانب السلبية، وكذلك على تمييز مكامن الخلل في بعض الأساطير الوطنية المعاصرة.

ما نشير له بالأسطورة الوطنية هو تلك القصة التي تصنعها الشعوب بمعاول السرد والعمل والفنون والفلكلور، لتشكّل السمات والقيم المشتركة، المفترضة، لتلك الشعوب. تلك الصناعة – والتي كثيرا ما تساهم فيها النخب بمقدار أكبر من حجمها الإحصائي – يفترض بها أن تحاول أن تكون جامعةً لجملة من يقطنون المساحة المشتركة (وفي هذا العصر نعني الرقعة الجيوسياسية للدولة) الذين ربما تكون لهم تواريخ متنوعة ومتداخلة، بحيث تؤدي تلك الأسطورة إلى احتضان رؤية إيجابية، ذاتية، لأولئك المشتركين في الأرض والمصالح. وهذا ليس غريبا، فالأساطير التاريخية إجمالا عادة ما تكون مزجا بين التاريخ والخيال، إذ ليست خيالا محضا كما انها ليست سردا تاريخيا جافا وملتزما بما يُتَّفق على أنه حقائق موضوعية فحسب. تستند الأسطورة على التاريخ (الحقائق الموضوعية)، وعلى الخيال الجاذب لتصنع سرديّة لها مغزى وطموح، بحيث تشكّل وعي من يتبنّونها وتساعده على التوجّه ناحية غاية (أو غايات) مشتركة.

جاء في الكتاب كذلك أن الواقع يقول إن الأمم إجمالا تبتني تاريخها هكذا؛ ولعل أسوأ نسخة تاريخ لأي أمة هو النسخة المودعة في الوثائق الرسمية البحتة، الجافة، أي التاريخ المدوّن بالطرق الرسمية، والتي غالبا ما تكون مرتبطة بكنف السلطة الزمنية، أو السلطات المتنازعة، في وقت ذلك التدوين (ولهذا أيضا فهنالك تبرير للدعوة لإعادة كتابة تاريخ السودان والكثير من البلدان). أكثر من ذلك قلنا إننا معذورون، في حالة الأسطورة الوطنية، في استخدام الحاضر كذلك وليس التاريخ فحسب، لأن حاضرنا هو تاريخ أجيالنا القادمة كما هو يحمل بعض البدايات التاريخية لما نريد أن نراه مستقبلا.

فالأساطير الوطنية المجدية هي التي تستوفي التعريف آنف الذكر. أما الواقع فيقول إن هنالك أساطير وطنية كثيرة لا تستوفي التعريف آنف الذكر، ومن ثم نقول إن ضعف استيفاء التعريف يجعل تلك الأساطير سرديات بمكامن خلل، وكثيرا ما تكون بعض أسباب تفاقم أزمات الشعوب. على سبيل المثال، عندما تكون محاولة الأسطورة الوطنية غير مشتملة على الذاكرة والطموح المشتركين لشعوب القُطر كافة، تكون تلك السردية مصدر زعزعة وتناحر داخلي بدل أن تكون نسيجا يضم الجميع تحته. كذلك قلنا إن الأسطورة الوطنية، كصنعة واعية واختيار جمعي، عندها محدوديات، فلا بد من الانتباه لأن تكون تلك الأسطورة غير متقوقعة، ومنحصرة بشكل جامد على قوميات القُطر فحسب، إنما ينبغي أن تكون منفتحة على أساطير وطموحات متجاوزة للحدود القُطرية/الجيوسياسية الضيقة ومتماهية مع فضاءات إنسانية أوسع وموضوعية أكثر (أي أنها كأسطورة محلية لا تتعارض أو تتصادم مع أساطير الانتماء الإنساني الأكبر وإنما تتناغم معها)، بحيث تكون هذه الأسطورة الوطنية "انتماء استراتيجيا" وليس متقوقعا؛ ذلك إذ أن "الهوية القومية" المتعصبة والمنغلقة من عقبات التقدم أمام شعوب العصر الحالي؛ بل يمكن القول إن صناعة الأسطورة الوطنية المطلوبة هي محاولة لتجاوز التعصب القومي، وإيجاد قصة تجمع القوميات المشتركة في الأرض والمصالح تحت مظلة "الوطن" كمفهوم جيوسياسي جديد وديناميكي ومرحلي-تاريخي. ذكرنا كذلك أن نزعات التخندق القومي – أي الاعتصام بالقبائل والبطون والمجموعات الإثنية أو اللسانية اعتصاما انعزاليا وتفضيليّا – ميراث من الماضي مسحوب على الحاضر. ليس الأمر رفضا لوجود هذه القوميات نفسها أو السعي لتجريفها بقوة خارجية، ففيها ميراث ثقافي حميد نسبيا، كما أنها كانت ذات قوة وفائدة في المراحل التاريخية السابقة، لكن مع تحولات الحقبة التاريخية الكوكبية المعاصرة، وما يليها، أصبح التخندق القومي انتكاسا وتأخيرا لعقارب الساعة.

جدير بالذكر كذلك، في هذه السانحة، أن الكتاب تناول إشكالية تفاقمت في عالم اليوم، بعد أن مضت عقود ظنّ معها الناس أنها تلك الإشكالية في سبيلها للانحسار، وهي صعود خطاب التخندق القومي حول العالم، وليس في منطقتنا المنكوبة فحسب. وذلك الصعود صحب بتمثّلات مختلفة تبدو متناقضة ومتشاكسة لكن مشكلتها الأساسية واحدة (وكانت من محفزاته عودة خطاب الفاشية عالميا والذي أشرنا له منذ 2015). ذكرنا أن ذلك الصعود من الراجح أن يكون للمرة الأخيرة في التاريخ؛ لأن مثل هذه الخطابات إما ساهمت في دق مسامير نعش البشرية هذه المرة أو تجاوزتها البشرية بلا رجعة (في حين كان لها بعض المتّسع في الماضي، وأحيانا لم تكن ضارة جدا لأن السياق التاريخي استوعب بعضها). ذلك لأن محك البشرية هو إما اعتبار مشاكلها وهويتها المشتركة أو السقوط معا في الهاوية، أي الدورة التاريخية العنيفة التي من شأنها نسف أي إيجابيات حضارية متراكمة عبر تواريخ شعوب الكوكب بدل البناء عليها والتوليف الخلّاق بينها.

في صدد استيضاح هذه الظاهرة استعنّا بكتابة قديمة نقدية حولها، ما يدل على أن مشاكلها كانت ظاهرة كذلك لذوي الفكر والتأمل الاجتماعي في الماضي، مثل كتابة لأبي حامد الغزالي، في "ميزان العمل"، حين قال إن: "المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب: إحداها ما يُتعصب له في المباهات والمناظرات، والأخرى ما يُسار به في التعليمات والإرشادات، والثالث، ما يعتقده الإنسان في نفسه، مما انكشف له من النظريات"، ثم قال عن التعريف الأول إنه: "يجري مجرى تناصر القبيلة بعضهم لبعض. ومبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة باستتباع العوام، ولا تنبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر".

حسان الناصر: يشغل مفهوم العمل مساحة مركزية في مشروعك الفكري، ليس كقيمة أخلاقية مجردة بل كقاعدة مادية للتنمية. لماذا تعتقد أن سؤال العمل ظل مهمشًا في الخطاب السياسي السوداني، رغم كونه مفتاحًا لفهم الاقتصاد والدولة والمجتمع؟

قصي همرور: كون العمل قاعدة مادية للتنمية ينبغي أن يكون بديهيا، لكن أحيانا تتراكم بعض المفاهيم النظرية، وتختلط في فضاءات التنظير التجريدي (البعيد عن البراكسس)، فيما لا يصح فيه التنظير التجريد، لدرجة ضمور البديهيات. وهذا قريب مما جرى في السودان، وفي بلدان أخرى في الجنوب الاقتصادي العالمي، سواء أكانت ذوات اقتصادات متدنية الدخل أو اقتصادات ريعية. ومن انعكاسات هذه المشكلة المفاهيمية على الواقع أن عددا من تلك البلدان شهدت ارتفاعا ملحوظا، في العقد الماضي، في معدلات الناتج الإجمالي المحلي، لكن ذلك الارتفاع لم يكن عن طريق القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة)، وإنما عن طريق قطاعات الخدمات والقطاعات الريعية، وكذلك عن طريق ارتفاع معدلات الاستهلاك للبضائع الحديثة. ذلك بطبيعة الحال لا يعني أن جميع الأعمال في قطاعات الخدمات والريع غير إنتاجية. لكن السمة العامة لتلك القطاعات ليست سمة إنتاجية، بمعنى إضافة القيمة، وتسارع إنتاجية العاملين وفق ارتفاع المهارة، وخلق فائض مهم للاستثمار التنموي. وهذا الأمر جديد في تاريخ حالات النمو الاقتصادي في العصر الحديث، فالمعتاد هو أن القطاعات الإنتاجية (في الزراعة والصناعة) هي التي تتقدم عملية رفع معدلات الناتج الإجمالي المحلي لفترة زمنية مقدرة، ثم يأتي قطاع الخدمات لاحقا، ويزيد إسهامه بعد أن تشكّلت قاعدة اقتصادية قوية وبنية تحتية محترمة جراء تقدم القطاعات الإنتاجية. فعندما يحصل العكس – وهو تقدم القطاع الخدمي مع تقهقر القطاعات الإنتاجي – تثار أسئلة مشروعة حول إمكانية استدامة هذه الأنماط. وفي الإجمال لم تستغرق هذه الأسئلة وقتا طويلا حتى يجيب عليها الواقع، فهذه الأنماط أدت في المدى المتوسط والبعيد إلى انحسار الفوائد التنموية الملموسة من ارتفاع الناتج الإجمالي المحلي، وهو إجمالا ما شعرنا به بسرعة في السودان مثلا، فهشاشة اقتصاد السودان وسهولة تراجع القدرة الشرائية ومشاكل العطالة لذوي التعليم العالي في المجالات الإنتاجية، ومن ثم ضعف الشعور الملموس بحصول تنمية، نتائج غنية عن الشرح.

في كتابات متعددة حاولنا لفت النظر لهذه الأمور، منها الحديث عن أن النخب السودانية التي قادت البلاد سياسيا مع بداية الاستقلال لم تكن مشكلتها احتقار العمل اليدوي المنتج فحسب – فهنالك نخب كثيرة حول العالم لا تحترم العمل اليدوي، أو بالأصح الذهني-اليدوي، المنتج، لكنها تدرك أهميته وأهمية تنظيم البيئة الاقتصادية من أجله – إنما أنها لم تملك رؤية لترقية السودان أبعد من استلام السلطة من أيدي المستعمر. صحيح أن السودان شهد بعض الحقب التي كانت فيها جدية أكثر في التعامل مع مسائل تنموية كتوسعة القطاع الصناعي وكرفع الإنتاجية الزراعية، لكن الصورة العامة متأخرة جدا.

القطاعات الإنتاجية هي الأقدر على خلق فائض يُمكن استثماره في ضروب النماء الاقتصادي، وغياب فلسفة تنموية، تنبثق عنها استراتيجيات وخطط وسياسات تنموية، ارتبط في السودان بالانشغال بالصراع على السلطة بدون محتوى واضح لبرنامج السلطة. أيضا من أسباب أن مسألة العمل، ورفع قوة العمل وتحسين البيئة المساعدة للعمل المنتج، ظلت مسألة مهمشة في خطاب السلطات السودانية المتعاقبة. يضاف لذلك أن التعليم العالي، الموروث من الاستعمار، سعى لخلق أفندية مكمّلين للدولاب الإداري الاستعماري، وليس لتخريج عمال مهرة تكنولوجيا وإداريين مستقلين ومبادري أعمال إنتاجية؛ وهذا الأمر كذلك ليس حكرا على السودان (يمكن مثلا مراجعة كتابات هورس كامبل، أستاذ العلوم السياسية الأفريقي-كاريبي، في ثمانينات القرن المنصرم عن نفس الإشكالية في تنزانيا وتجسدها في جامعة دار السلام، حيث اشتغل كامبل هناك لسنوات كأستاذ جامعي، وذلك مع اعتبار أن هيئة التدريس في جامعة دار السلام، وكذلك القيادة السياسية التنزانية، انتبهوا لهذا الأمر مبكرا – منذ نهايات الستينات وبدايات السبعينات، وبضلوع مفكرين متميزين مثل والتر رودني – وحاولوا تغييره، مع بعض النجاحات وبعض الإخفاقات).

لكن ما يضاف لحالة السودان أن تحالفات الأفندية والزعماء الطائفيين الذين استلموا دولاب الدولة، بعد خروج المستعمر ظلوا مخلصين بصورة غريبة لرؤية المستعمر لدورهم، ثم حاولوا توريث ذلك الدور للأجيال اللاحقة من الذين تعلموا في المؤسسات التعليمية والبحثية الكبيرة في الدولة، بحيث أصبح الشيء الوحيد الممكن لخريجي قطاع التعليم العالي السوداني، كيما يكسروا هذه الحلقة، هو أن يتمردوا على القوالب التي ظلوا يتشكلون وفقها طيلة سنوات التعليم الرسمي في البلاد، ثم كذلك أن يجابهوا بعد التخرج بيئة سياسات هيكلية لا تدعم الإنتاج ولا تشجع المبادرة في المشاريع الاقتصادية المنتجة. ليس غريبا في أحوال كهذه أن الذين نجحوا في التمرد على تلك القوالب قلة فحسب.

حسان الناصر: في حديثك عن حوكمة التنمية، تبتعد عن المقاربات التقنية البحتة، وتربط الحوكمة بالسياسة والثقافة والمؤسسات. كيف يمكن بناء نموذج حوكمة تنموية في دولة تعاني من هشاشة مؤسسية وحروب ممتدة مثل السودان؟

قصي همرور: هذا طبعا سؤال ضخم، بل هو مشروع كبير ومصيري ولا يقدر على إجابته – إجابة وافية – مرجع واحد. ما يمكنني التعليق به في هذا السياق هو تلخيص محاولات شغلتني لفترة طويلة، وما زالت، لاستبانة نماذج ومعايير حوكمة تنموية مرشحة لأن يكون لها عائد محمود على حيوات الشعوب وتقدم بلدان الجنوب.

في كتابات بحثية سابقة، استعرضنا نماذج حوكمة متعددة تشترك في تبنيها لشعار الجمع بين التنمية والديمقراطية، ثم نظرنا في تلك المزاعم بمناظير التجارب التاريخية والتقييم التنموي لأداء تلك النماذج. خلصنا من ذلك الاستقصاء إلى ترشيح نموذج الدولة التنموية الديمقراطية كأسوة حوكمية ذات جدوى للسودان ولبلدان المنطقة التي تصارع في محاولات الدمج العملي بين التوجه التنموي والتحول الديمقراطي.

والدولة التنموية هي الدولة التي يكون هيكلها العام وبرنامجها الحوكمي الأساسي مربوطا بالتنمية، وبتدخّل الدولة (القطاع العام) بصورة مباشرة في الأنشطة المرتبطة بغايات التنمية وخططها. يمكن أن نقول تلخيصا إن الدولة التنموية تتسم بسمتين أساسيتين: أولا، تنظيم آليات السوق عبر ضوابط تجارية وسياسات اقتصادية موجّهة، ومن أهمها السياسات الصناعية؛ وثانيا، المبادرة بتصميم وتنفيذ مشاريع تنموية كبرى، تؤدي في المدى المتوسط والبعيد إلى زيادة مؤشرات التنمية العامة، باعتبار أن قدرة الدولة على الاستثمار الكبير، طويل المدى والهادف تنمويا، أكبر من قدرة القطاع الخاص (المحلي أو الأجنبي)، خاصة في البلدان ذات الدخول المتدنية والمتوسطة وفي الأوضاع السياسية الحرجة.

للتمييز أكثر يمكن أن نقول إن المقابل الهيكلي للدولة التنموية هو الدولة التنسيقية، أي المعنيّة بتنسيق الاقتصاد عن طريق مؤسسات وإجراءات عامة، بينما تحاول ترك قوى السوق (والمجتمع) وقواعد السوق تحكم عمليات الإنتاج والتجارة والكثير من الخدمات. في مقابل هذا تقوم الدولة التنموية بالإمساك بدفة القيادة للاقتصاد، وتشارك فيه بفاعلية عبر مؤسسات القطاع العام بحيث تنظّم قوى البلاد وفق رؤية تنموية وتشارك في تنفيذها. وتلك الرؤية عادة ما تكون معنيّة بتوسيع الفوائد التنموية لتشمل قطاعا واسعا من السكان وقطاعات استراتيجية في البلد، وعادة ما تكون رؤية تقودها دوافع استقرار اجتماعي وسياسي وطموحات وطنية أوسع من مجرد مؤشرات الاقتصاد الكلي. كذلك للتمييز أحيانا يقال إن الدولة التنموية هي النقيض العملي لنموذجي الدولة الناهبة/المفترسة والدولة الرخوة، أي النموذجين المنتشرين في بلدان الجنوب العالمي التي تعاني من تحديات تنموية مزمنة.

تقول دراسات التنمية إن معظم الدول التي نجحت في تحقيق تقدم ملموس في المعايير التنموية في العقود البضعة الأخيرة، في آسيا وامريكا اللاتينية، اتبعت نموذج الدولة التنموية بصورة عامة. لاحقا صارت هناك دول أخرى تستوفي الشروط العامة لتلك التسمية في أفريقيا. أيضا، تقول دراسات التنمية إن هنالك عاملا آخرا مشتركا بين هذه الدول التنموية التي حققت نقلات صناعية كبيرة في العقود الماضية، ألا وهي أنها جميعا قامت بتصميم وتطبيق سياسات صناعية، والسياسات الصناعية هي مجموع الخطط والتدابير التي ترسمها وتدفعها سلطات الدولة من أجل رفد وتنشيط البيئة الصناعية فيها (وكذلك البيئة الإنتاجية ككل، بما فيها الزراعة الرافدة لمدخلات الإنتاج الصناعي) وفق وجهات مخططة، وبذلك فتلك السياسات تتحرك عادة ناحية الاستثمار العالي في البنية المادية ورفع القدرات الإنتاجية ورأس المال البشري، وتقديم الدعم والمساعدات الواسعة للقطاع الصناعي بغرض تنشيطه وزيادة مساهمته في الناتج الوطني الإجمالي وفي تشغيل القوى العاملة. وفي الواقع يمكن حتى الرجوع تاريخيا لدراسة المسارات التي تطوّرت وفقها الدول الصناعية الكبرى اليوم، مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وروسيا، لنجد أنها جميعا استعملت مستويات من السياسات الصناعية في أوقات نهضتها التنموية. لذلك فإن السنوات الأخيرة الماضية شهدت عودة قوية، في المنصات الإقليمية والدولية، للدعوة لأن تكون هنالك سياسات صناعية واضحة وفعّالة للدول التي تسعى للنمو الاقتصادي والبشري، مثل معظم الدول الافريقية.

أما "الدولة التنموية الديمقراطية" فهي تخصيص للديمقراطية في صفة الدولة التنموية. الدولة التنموية الديمقراطية هي دولة تنموية تسعى سعيها التنموي، الموصوف آنفا، بهياكل ووسائل ديمقراطية، أي فيها إشراك للشعوب في القرار والمراجعة وفيها التزام بحماية الحقوق التي لا تستقيم الديمقراطية بدونها. وهذه التسمية التخصيصية للديمقراطية نبعت من ملاحظة أن التطور التنموي (في المؤشرات الاقتصادية ومؤشرات الصحة والتعليم والبنية التحتية) الذي حصل في العقود الأربعة الأخيرة حصل في دول ديمقراطية، وشبه ديمقراطية، وغير ديمقراطية؛ أي أن الديمقراطية لم تكن عاملا مشتركا في جميع هذه الدول التي تقدمت تنمويا، إنما العامل المشترك كان ما ذكرناه آنفا من هيكلة وسياسات تنموية. إذن حين نقول "الدولة التنموية الديمقراطية" فنحن نركّز على خيار الحكم الديمقراطي بين خيارات الدولة التنموية، كما أشار بذلك أستاذ الاقتصاد الأفريقي ثانديكا مْكانداويري.

يضاف لذلك، في كتاب "حوكمة التنمية" (طبعة أولى 2020)، قدمنا أطروحة "نظم النماء" (الفصل الثالث)، وهي أطروحة تدخل في أدوات التخطيط الاستراتيجي بينما اختيار نموذج الحوكمة أكثر تعميما على المستوى الهيكلي. أطروحة نظم النماء قدمت مسارا لحوكمة التنمية يستند على التفكير النظمي. في حجاجنا لصالح الأطروحة قلنا إن تقديرنا للمسألة أن التنمية عموما، والتنمية المستدامة بشكل خاص، في عصرنا هذا، ليست بحاجة لنظريات جديدة، أو مؤسسات ومقاربات جديدة تماما بالضرورة، خاصة وأن الهياكل الاقتصادية والإدارية العالمية لم تتغيّر كثيرا بعد، فالنقد الذي وُجّه لها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ما زال قائما الآن، بل تأكد أكثر في بعض الحالات مع تفاقم الأوضاع في بعض المناطق. فهنالك الكثير من تلك النظريات والاقتراحات والتجارب المبتكرة في سبيل التنمية، لكن مساعي التنمية المعاصرة في بلداننا بحاجة إلى "بناء نُظُم"، فيها تركيب وتوفيق بين عدة مقاربات ونظريات اقتصادية واجتماعية وسياسية قابلة للاتساق والتكامل. وذلك لأن النظم القديمة فشلت في مجملها وترهّلت، أو استنفدت غرضها أو تجاوزتها المرحلة التاريخية. ثم قلنا إن بناء النُظُم يقتضي فهم طبيعة الظاهرة التي نتعامل معها، بأصعدتها المتعددة والمتشابكة، واستعمال تركيب مناسب من جملة المقاربات والمؤسسات والممارسات المقنعة والمتاحة حاليا. عليه فبناء النظم يكون عملا فكريا في الغالب، قبل التطبيق، لكنه قريب أكثر للوعي العملي ويستفاد منه في التخطيط والتطبيق الواقعي، كما هو قابل للمراجعة والتعديل بحسب تداخل عناصر النظام النمائي ومحرّكاته؛ أي يسترشد بالبراكسِس.

حسان الناصر: كثيرًا ما تشير إلى أن استيراد نماذج التنمية الجاهزة، سواء من المؤسسات الدولية أو من تجارب دول أخرى، لم ينجح في السودان. ما حدود قابلية النقل في التجارب التنموية؟ وأين يجب أن يبدأ "التفكير من الداخل"؟

قصي همرور: لا توجد دولتان في العالم مرّتا بنفس التجربة التنموية. هنالك نماذج متقاربة ومتداخلة، ومتشاركة في معالم أساسية، بطبيعة الحال، لكن لا توجد لدينا حالتان تاريخيتان متطابقتان من السعي التنموي. وهذا التقرير ليس فتحا فكريا أو مفاجأة، لكننا بحاجة لتثبيته والتذكير المستمر به إزاء محاولات الاختزال – التي عادة ما تنبع من قراءة ناقصة أو كسل ذهني – ومحاولات إيجاد طرق قصيرة وغير متعبة لتحقيق نجاحات محلية بواسطة زعم استنساخ تجارب الآخرين لكي نستنسخ نجاحاتهم كذلك. أيضا لا ينبغي أن يُستعمَل هذا الحديث كإقرار بأن اختلافات الأقطار والشعوب تمنع تعلّم الدروس عبر المقارنات لاستخلاص الممارسات المُثلى والاتعاظ من الأخطاء التاريخية. هنالك سديم واسع ومثمر ومهم يسري في المنتصف بين موقفي الإفراط (في الدعوة لاستنساخ تجارب الآخرين) والتفريط (في العزوف عن تعلّم الدروس من الحالات المقارنة).

في ذلك السديم، ينبغي أن تكون هنالك منهجية في البحث والاستفادة من التجارب الأخرى. هذه المنهجية تصاغ محليا بالضرورة، عبر فهم الراهن المحلي وخواصه التاريخية، بطبيعة الحال. لذلك فــ"التفكير من الداخل" هو البداية. لكن، وكما ذكرنا في كتابات سابقة، وذكرنا آنفا، فالمشتركات بين المجتمعات البشرية في هذا الكوكب كثيرة ومتداخلة، وهذا معطى طبيعي من كوننا نفس الجنس البشري، على نفس الكوكب، ونتشارك انعكاسات تاريخية وتعبيرية يصعب حصرها. ومن أهم تلك المشتركات الحديثة أن جملة البشر في عالم اليوم يقطنون في عالم يسوده نموذج الدولة العصرية، القُطرية، في الحكم، وهو نموذج موروث من حقبة الاستعمار الأوروبي التوسعي في العالم، ووفق ذلك أيضا نشترك أيضا في واقع عالمي متقارب في أنماط العمليات الاقتصادية والبحوث العلمية واستخدام التكنولوجيا ونظم الإدارة والاتصال، إلخ. لعل أقرب وصف يمكن استعماله هنا ما استعملته إلينور أوستروم وآخرون، في شرحهم للنهج التشخيصي في تحليل المؤسسات، حيث قالوا (بالمعنى): يشير النهج التشخيصي إلى أنه على الرغم من أن كل سياق اجتماعي فريد من نوعه إلا أنه يشترك أيضًا في سمات ومعايير تحليل مشتركة مع الآخرين ضمن نفس الفئة العامة، على غرار التشخيص في المجال الطبي حيث يجب التعامل مع كل حالة بشرية كحالة مستقلة، بتركيب فريد للعوامل المؤثرة فيها، ولكن مع فهم أنهم جميعًا يشتركون في أعضاء ووظائف مشتركة ومدروسة بغزارة مسبقا.

حسان الناصر: بحكم اشتغالك في سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، كيف تقيّم موقع المعرفة العلمية والتقنية في مشروع الدولة السودانية؟ وهل تعتقد أن الحرب الجارية أعادت السودان سنوات إلى الوراء في هذا المجال أم كشفت هشاشته فقط؟

قصي همرور: نبدأ من الشق الثاني من السؤال: بالتأكيد أعادت الحرب الأخيرة السودان سنوات إلى الوراء في هذا المجال، (وفي مجالات أخرى)، كما كشفت هشاشته أيضا، فالاثنان حصلا معا وليس أحدهما فحسب. أما عن تقييم موقع المعرفة العلمية والتقانية/التكنولوجية في مشروع الدولة السودانية، فيمكن أن نقول إن العقدين اللاحقين مباشرة للاستقلال السياسي كانا الأوفر حظا نسبيا من حيث مساحة رعاية البحث العلمي والتطلع لفرص مساهمة حقيقية للبحث العلمي في مستقبل البلاد. طبعا نقول الأوفر حظا "نسبيّا" أي مقارنة بالعقود التالية في السياق السوداني وليس كوصف مطلق. ذلك إذ أن الحالة العامة في السودان، في الماضي وفي الحاضر القريب، اتسمت بغياب كبير للتخطيط التنموي الجاد، وعليه فالاهتمام المنهجي برفع المعرفة العلمية والتقانية المحلية لم يكن كبيرا ولم يكن قريبا مما كان ينبغي له.

بإيجاز، حتى سبعينيات القرن العشرين كانت جامعة الخرطوم الجامعة الوحيدة في البلاد، ويعود تاريخها إلى الحقبة الاستعمارية عندما كانت "كلية غوردون". وفي عامي 1971 و1972، أُنشئت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والمجلس القومي للتعليم العالي. وقبل ذلك، أُنشئت مؤسستان بحثيتان وتكنولوجيتان هامّتان: هيئة البحوث الزراعية (1967) ومركز البحوث والاستشارات الصناعية (1965)؛ مع الإشارة إلى أن هيئة البحوث الزراعية كانت موجودة عمليا، لكن بصيغات مؤسسية مختلفة، منذ حقبة الاستعمار. وبين ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بدا أن السودان يسير على طريق إيجابي نحو بناء نظام علمي فعّال. ومع ذلك، وكما هو الحال في العديد من الدول الأفريقية، انخفض التمويل العام للتعليم العالي بشكل ملحوظ منذ أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن العشرين. وقد أدى هذا النقص في التمويل، إلى جانب غياب الاستقرار السياسي، إلى تراكمات سلبية.

يرى البعض – ونحن معهم – أن زيادة الاعتماد على التمويل الأجنبي في قطاع التعليم العالي في أفريقيا كان مؤشراً على تراجع نظم العلوم المحلية، وضعف الدعم المقدم للتدريب العلمي من خلال السياسات والمؤسسات الوطنية. ومؤخرا خرجت دراسات تؤكد هذا الأمر. فالتمويل الأجنبي (و"الدولي") للمؤسسات التعليمية المحلية في الجنوب بقي ضعيفا جدا وبصورة مزمنة. لذلك فالعبرة المستفادة من هذه الخلاصات التاريخية، لمن يفكرون في إعادة بناء نظم العلوم والتكنولوجيا والبحوث والابتكار في سودان ما بعد الحرب، هي أن عودة تلك النظم، وبمستويات جديدة وأفضل من الماضي، هي أولوية لإعادة البناء الوطني والتخطيط التنموي، كما هي في المقام الأول مسؤولية محلية/وطنية ولا يصلح فيها الاعتماد على الخارج.

حسان الناصر: تطرح ضمنيًا نقدًا للنخب السودانية، سواء السياسية أو الثقافية، من حيث علاقتها بالدولة وبالمجتمع. كيف ترى دور هذه النخب في إنتاج الأزمة الحالية؟ وهل ما زال لديها دور محتمل في أي مشروع للخروج من المأزق؟

قصي همرور: مما تناولناه في كتابات متنوعة أننا في مجتمعات الجنوب العالمي لا يمكننا إصلاح الأوضاع في بلداننا بدون إصلاح وضبط القطاع العام، وهو العمود الفقري للدولة العصرية، فمهما تفاوتت رؤانا السياسية لا يمكن لإحداها أن تجد موقع قدم تطبيقي حقيقي عندما تكون الدولة نفسها غير مستوفية للحد الأدنى من شروط الدولة، وهو ان يكون القطاع العام منظّما ومؤسسا بالدرجة التي تجعله يحرّك دولاب الخدمات العامة والبنية التحتية والإنتاج الأساسي بصورة متزنة مهما كانت مخرجات العراك السياسي وأجندة الحكومة. لأجل ذلك قلنا إن هناك ضرورة لتمايز الصفوف أو التمييز القوي بين من يريدون تغييرات محورية في بنية الدولة والاقتصاد السياسي السوداني وبين من يريدون توفيقات سطحية تحافظ على قوام الأوضاع الراهنة كما هي (بامتيازاتها وتصنيفاتها). والواقع المحزن هو أننا، عند السعي في "فرز الكيمان" هذا، سنجد أن كفة إحدى الفئتين أكبر بكثير من الأخرى؛ وذلك مما يساعد في تفسير أوضاعنا المعاصرة.

أيضا، أشرنا عدة مرات إلى أنّا بحاجة إلى المزيد من رجال الدولة – ذكورا وإناثا (والرجولة في اللغة العربية وصف يجوز للذكر وللأنثى كذلك؛ ويقال في المعاجم "امرأة رجلة" أي حاملة لصفات المسؤولية والشهامة ورجاحة العقل؛ أي أن الرجولة هنا نقيض للطفولة وليس للأنوثة) – وبحاجة لعدد أقل من الساسة. كما أنّا بحاجة للتمييز بين هاتين الفئتين تمييزا وافيا (تمييزا أدائيا وليس شخصيا، فأحيانا قد يكون شخصٌ واحدٌ يحمل الطاقيّتين/القبّعتين، وفي تلك الحالة فطاقية رجل الدولة أهم وأولى من طاقية السياسي). في شأن ذلك التمييز قلنا إن رجل الدولة هو من يشتغل على صنعة الدولة اشتغال الحرفي في حرفته، أما السياسي فهو مقاول قوى يشتغل على الحشد وتكبير الأكوام ودفع الأجندة أكثر من تمييز محتوى تلك الأجندة نفسها أو التركيز على بنيان الدولة نفسها. ذلك لا يعني أن السياسي وصف سيء في حد ذاته أو أن رجل الدولة وصف جيد تلقائيا، إنما يعني أن أداء الشخص وهو يلبس إحدى الطاقيّتين لا ينعكس بالضرورة على أدائه وهو يلبس الأخرى، كما أن الأشخاص الذين لديهم تلكما الطاقيّتين أصلا غير كثيرين في واقع الأمر، بل مجمل الناس المعنيّين، في المجال العام، لديهم واحدة منهما فحسب.

نحن في السودان، كمحاولة دولة عصرية، نشهد منذ ما قبل الاستقلال وحتى الآن أكبر تجليّات الخلط المذكور آنفا، حيث سيطر الساسة على المشهد، وتراجع حضور رجال الدولة (عددا وأثرا). يضاف لذلك أننا من بين الساسة أنفسهم رُزِئنا بقائمة كبيرة من أولئك الذين يتعاملون مع الدولة كمجال عام للغنيمة السياسية وتكبير كيمان السلطة بدون أن يعرفوا ماذا يريدون أن يفعلوا السلطة تحديدا، فتختلط عندهم الأولويات وتضيق المصالح، وتتضخم النعرات. والنتيجة هي أننا جميعا نعاني من فشل الدولة في أن تكون دولة، ثم نتبادل اللوم. فهذا إجمالا ميراثنا الغالب من النخب السودانية. هنالك أقلية لا تنطبق عليهم التوصيفات أعلاه بطبيعة الحال، لكنهم أقل عددا وأثرا.

لأجل ذلك، وأكثر، لا نستبعد أن جملة تلك النخب السودانية السياسية قريبة من الاستبدال. من يستبدلها؟ الحراك التاريخي المحلي؛ وبمن يستبدلها؟ بقوى اجتماعية-سياسية جديدة، ظلت منذ فترة تتشكل وتتطور تدريجيا، بالضغوط العالية والتضحيات و"التعميد بالنار"، خارج الأوعية السياسية الكلاسيكية (أوعية الأحزاب وكبار العساكر والمليشيات والزعامات التقليدية). هذه القوى الجديدة قوامها عمّال ومهنيّين حقيقيين، كما قوامها لجان أحياء ومقاومة وأجسام مطلبية (ومن تجلياتهم الحالية، في هذه الحرب، القائمون على غرف الطوارئ والمطابخ المركزية)، وأجيال جديدة من مثقفات ومثقفين تسلّحن وتسلّحوا بالمعلومات الوافية وبالنقد الصادق والمسؤول ومخّضتهم سنوات تضحية وتعلّم مكثفة.

أما عن النخب الثقافية فشأنها مختلف قليلا، رغم كثرة تلاقياتها مع النخب السياسية المذكورة آنفا. بيد أن الحديث عن النخب الثقافية السودانية سيأخذنا لإسهاب كبير، يُستحسَن أن نوفرّه حاليا.

حسان الناصر: أخيرًا، في ظل الحرب وتفكك الدولة وتآكل المعنى العام للمستقبل، ما الذي يمكن للفكر أن يفعله؟ هل ترى أن الاشتغال النظري اليوم ترفٌ مؤجل، أم ضرورة قصوى لإعادة بناء أفق سياسي وتنموي جديد للسودان؟

قصي همرور: كما قال الأستاذ محمود محمد طه، "التفكير المعوج بالتمني من صفات الطفولة؛ الأطفال يتمنون ولا يفكرون. والعاطفة أشرف من أن يُنسب لها هذا العمل، لأن العاطفة في الحقيقة هي وقود الفكر. العاطفة تتسامى بالفكر، والفكر يطهّرها وينقّيها ويجعلها إنسانية." ثم أردف، "نحن كثيرا ما نقول "هذا كلام عاطفي" و"هذا حل عاطفي".... أحب أن نصحح الوضع بأن نقول إن المسائل أقرب إلى التمني والأحلام منها إلى التفكير والدراسة." وكما قال أملكار كابرال، "إذا كان من الصحيح أن بعض الثورات قد تفشل برغم بنيانها على نظريات ممتازة ومتماسكة، تبقى أيضا حقيقة أن لا أحد بعد استطاع تحقيق ثورة ناجحة بدون نظرية ثورية." فما نراه أن الفكر هو هادي التحركات والتحولات التاريخية الكبيرة والمؤثرة وذات القيمة. لا أستطيع طبعا أن أحدد ما إذا كان جملة صنوف الاشتغال النظري ترفُ مؤجل أم لا، فالاشتغال النظري كعبارة تفتح الباب أمام عدة ميادين وانشغالات يصعب حصرها. لكن الاشتغال النظري الجاد في ضروب منعكسة على آفاق المجتمعات وطموحاتها فرع مهم من فروع الفكر الهادي، كما يُفهَم مما جاء آنفا. ولكن، وكما هو واضح، فنحن في هذا المقام نتحدث عن التنظير المرتبط بالممارسة في علاقة ديناميكية، أو في "رقصة ثنائية" يتبادل كل واحد فيها القيادة وفق متطلبات المقطع؛ أو، اختصارا، في "براكسِس".

--------

أخيرا، أشكر موقع القرن (جيسكا) على الاهتمام والاستضافة في هذه المساحة، وأرجو أن تكون محاولات التعليق والإجابة، مستحقة لهذه المساحة ولزمن القراء.