الاثنين 20 أبريل 2026
في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، وتتمازج فيه الهويات مع خطوط النار، يطل علينا كتاب "القرن الأفريقي: الصراعات الداخلية والدولية والأمن" كمرآة صادمة، تعكس مأزق منطقة لم تعرف الاستقرار يومًا، وتعيد مساءلة المفاهيم التقليدية للأمن والدولة والسيادة. لا يكتفي المؤلف Redie Bereketeab بسرد الأحداث أو رصد التحولات، بل يغوص في البنية العميقة للأزمات، كاشفا عن خيوط متشابكة من الصراع، حيث لا يكون الأمن سوى وهم متجدد، وساحة تتنازعها قوى الداخل والخارج على السواء.
منذ الصفحات الأولى، يضعنا الكتاب أمام سؤال محوري: هل يمكن لإقليم يرزح تحت وطأة التفكك والحروب الأهلية أن يتحول إلى ركيزة لأمن القارة الأفريقية؟ هذا التساؤل لا يأتي من فراغ، بل من قراءة دقيقة لمشهد جيوسياسي متقلب، حيث تتداخل حدود الدول مع خطوط الانتماء، وتتحول السيادة إلى سلعة في سوق النزاعات.
ينظر المؤلف إلى القرن الأفريقي – الممتد من السودان إلى الصومال، ومن إثيوبيا إلى إريتريا – باعتباره مساحة تشهد تآكل الدولة المركزية، وصعود قوى محلية إثنية ودينية وميليشيوية. هنا، لا تعود الدولة كيانًا موحدًا، بل تصبح ساحة صراع مفتوحة، ومصدرًا للعنف بدلًا من أن تكون ضامنًا للأمن. في هذا السياق، يغدو الأمن عملية سياسية معقدة، تتجاوز مجرد ضعف الأجهزة أو هشاشة الحدود، لتلامس جوهر شرعية السلطة نفسها.
تغدو لغة الهوية سلاحًا سياسيًا، وتتحول الانتماءات الأولية إلى مصادر ولاء أعلى من الانتماء للدولة ذاتها
في ظل هذا الواقع المتشظي، باتت مفاهيم السيادة والحدود الرسمية أقرب إلى أوهام قانونية، تتآكل يومًا بعد يوم أمام تمدد الفاعلين من غير الدول. القبائل والحركات المسلحة، وحتى الشبكات الاقتصادية غير الرسمية، أصبحت تصوغ سياستها الخاصة بمعزل عن الدولة المركزية، وتعيد رسم خريطة النفوذ وفق منطق القوة لا الشرعية. هكذا، تتحول الدولة من إطار ناظم إلى ساحة صراع، تُوظف فيها كل أدوات العنف الرمزي والمادي لإعادة إنتاج الهيمنة.
إن غياب مشروع وطني جامع يُفضي بالضرورة إلى استدامة الانقسام، فلا تتشكل الدولة باعتبارها مظلة لكل مكوناتها، بل جهازا يهيمن عليه طرف ويقصي سواه. في هذا السياق، تغدو لغة الهوية سلاحًا سياسيًا، وتتحول الانتماءات الأولية إلى مصادر ولاء أعلى من الانتماء للدولة ذاتها. وهكذا لا تُدار التعددية، بل تُستثمر في تأجيج الصراعات، لتظل المنطقة رهينة دوامات من العنف والتفكك، تُعيد إنتاج ذاتها كلما ظنّ المراقب أنها قد هدأت.
لا تظل الأزمات حبيسة الحدود الوطنية، بل سرعان ما تتسرب إلى الإقليم الأوسع، لتصبح جزءًا من لعبة توازنات إقليمية ودولية. هنا سلط الكتاب الضوء على ظاهرة "تدويل الأمن"، فحين تتشابك الأزمات المحلية مع مصالح الخارج، تُفقد القدرة على احتوائها داخليًا، وتغدو أدوات السيادة مجرّد واجهات لإرادات أكبر. فالتدخلات التي تُغلف بخطابات إنسانية أو أمنية، غالبًا ما تخفي خلفها تنافسًا على النفوذ والسيطرة، تتحرك فيه القوى الدولية من منطلق فاعلين أصليين، لا مجرد وسطاء حياديين. ومع تعقيد هذه التداخلات، يصعب رسم خطوط واضحة بين ما هو داخلي وما هو خارجي، بين ما يُدار من داخل الدولة وما يُفرض عليها من خارجها. وهكذا، تتحول الأزمات إلى ما يشبه "العُقَد الأمنية"، التي تستعصي على الحلول التقليدية، لأنها تتغذى على تعدد الأطراف وتضارب الأجندات.
ينظر المؤلف إلى القرن الأفريقي – الممتد من السودان إلى الصومال، ومن إثيوبيا إلى إريتريا – باعتباره مساحة تشهد تآكل الدولة المركزية، وصعود قوى محلية إثنية ودينية وميليشيوية
لم تعد أدوات القوة الصلبة وحدها هي المُحددة لمسار الصراع، بل تصدّرت القوة الناعمة من استثمارات وموانئ واتفاقيات تجارية مشهد التنافس الإقليمي. فالموانئ التي كانت مجرد بوابات تجارية، أصبحت نقاط ارتكاز في معارك النفوذ، تتسابق عليها القوى الإقليمية بوصفها مفاتيح للهيمنة المستقبلية. بذلك، يتقاطع الاقتصادي مع العسكري، ويتداخل الإنساني مع الاستراتيجي، في مشهد يربك حسابات الداخل، ويُقيد فرص الخروج من الأزمات. إن تدويل الأمن، بهذا المعنى، لا يحقق استقرارًا بقدر ما يعيد إنتاج الهشاشة، على وقع تنافس لا يعترف بالحدود ولا بالسيادات.
يخصص الكتاب فصولًا معمقة لمقاربة البعد الهوياتي للنزاعات، مؤكدًا أن الحرب في القرن الأفريقي ليست فقط صراعًا على السلطة أو الموارد، بل معركة رمزية حول "من يحق له الانتماء". الهوية هنا ليست معطى ثابتًا، بل ميدان صراع دائم، يتحدد فيه "المواطن" و"العدو" على نحو متغير.
يستدعي المؤلف أعمال باحثين مثل: كجيتيل ترونفول، الذين يرون أن الدولة في إثيوبيا مثلًا، تنتج "أعداءها" من الداخل عبر خطاب رسمي يعيد رسم خريطة الانتماء. الآخر ليس خارج الحدود، بل هو الجار المختلف إثنيًا أو دينيًا، ما يجعل الأمن القومي خطابًا إقصائيًا يعيد تعريف المجتمع باستمرار.
من أبرز ما يحسب للكتاب نقده الضمني لفكرة الأمن باعتباره قيمة محايدة. ففي تحليلاته، يتضح أن "الاستقرار" قد يكون أداة في يد السلطة لتبرير القمع أو فرض نظام لا يتسامح مع الاختلاف. الأمن، بهذا المعنى، ليس نقيض العنف، بل قد يكون شكله المؤسسي الأكثر قسوة. الترتيبات الأمنية الإقليمية – مثل قوات الاتحاد الأفريقي في الصومال أو اتفاقيات السلام في جنوب السودان – لا تُقرأ فقط من زاوية فعاليتها، بل من حيث قدرتها على تعزيز مركزية القوة وتجاهل الديناميات المحلية المعقدة. وهكذا، قد تتحول هذه الترتيبات إلى غطاء لإعادة إنتاج الهشاشة بدلًا من معالجتها.
باتت مفاهيم السيادة والحدود الرسمية أقرب إلى أوهام قانونية، تتآكل يومًا بعد يوم أمام تمدد الفاعلين من غير الدول. القبائل والحركات المسلحة أصبحت تصوغ سياستها الخاصة بمعزل عن الدولة المركزية، وتعيد رسم خريطة النفوذ وفق منطق القوة لا الشرعية
رغم الصورة القاتمة التي يرسمها الكتاب، لا يغلق الباب أمام تصورات بديلة للأمن. يدعو بعض المؤلفين إلى مقاربات أكثر شمولية، تعترف بالتعدد الإثني والديني، وتشرك المجتمعات المحلية في صناعة الأمن، بعيدًا عن المقاربات العسكرية البحتة. غير أن هذا الأفق يظل معلقًا، ما دامت النخب الحاكمة ترى في "عدم الاستقرار" فرصة للتمدد، وما دامت القوى الخارجية تستثمر في هشاشة الدولة بدل تقويتها. هكذا، يبقى حلم الأمن البديل مشروعًا مؤجلًا، إن لم يكن مستحيلًا في ظل المعطيات الراهنة.
في نهاية المطاف، يقدم كتاب "القرن الأفريقي: الصراعات الداخلية والدولية والأمن" قراءة شديدة الواقعية لمأزق الأمن في منطقة تقف على تخوم الانفجار الدائم. أمن لا يُبنى، بل يُفتت، وصراعات لا تنتهي، بل يعاد إنتاجها. بين الطموح إلى السيادة والانزلاق نحو التفكك، يبقى القرن الأفريقي مختبرًا مفتوحًا لفهم كيف تصنع الدول أعداءها، وكيف قد تغدو السلطة ذاتها خطرًا على من تسعى لحمايتهم.
تتحول الأزمات إلى ما يشبه "العُقَد الأمنية"، التي تستعصي على الحلول التقليدية، لأنها تتغذى على تعدد الأطراف وتضارب الأجندات
إن قوة الكتاب لا تكمن فقط في تحليله العميق، بل في قدرته على مساءلة المسلمات، وكشف التناقضات البنيوية التي تجعل من الأمن في القرن الأفريقي حلمًا بعيد المنال. إنه دعوة لإعادة التفكير في معنى الدولة، وفي شروط بناء الأمن، وفي ضرورة الاعتراف بالتعدد والتنوع كشرط لأي استقرار مستدام. بهذا الأسلوب التحليلي النقدي، يضع الكتاب القارئ أمام مسؤولية التفكير في البدائل، ويحفزه على تجاوز الرؤية التقليدية للأمن، نحو أفق أكثر شمولية وإنسانية، حيث يكون الأمن مشروعًا جماعيًا، لا أداة للهيمنة أو الإقصاء.