الأحد 18 يناير 2026
مصطلح الكتابة النسوية من المصطلحات التي برزت بشكل أكبر في العصر الحالي، حيث تعتبر الكتابة النسوية فعلاً سياسياً، وشكلاً من أشكال المقاومة النسوية لبناء سردية خاصة بتجارب النساء ونظرتهن للأشياء. ولعل مجال الأدب أهم المجالات التي ظهرت فيها الكتابة النسوية، فقد ناضلت النساء كثيراً حتى أصبحت لهن إسهامات أدبية معروفة تناقش قضاياهن المختلفة.
لا يمكن تناول موضوع الكتابة النسوية دون الرجوع إلى كتاب "نظرية الأدب النسوي" لماري إيجلتون، كونها إحدى رائدات ذلك المجال. فهي لم تقم بكتابة ما تعتبره أدباً نسوياً من وجهة نظرها الشخصية، بل قامت بقراءة تاريخ المرأة مع الأدب والنقد. ولم يكن ذلك ممكناً دون أن تستند -هي نفسها- إلى مقالات وكتب كاتبات أخريات مهتمات بالأدب والنقد النسوي، مثل: فرجينيا وولف وريتا فليكسي وأدريانا ريشا وجين سبنسر... وغيرهن.
ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول، يحتوي كل قسم على مجموعة من الاقتباسات والإحالات التي تدعم الموضوع الأساسي. تعود الطبعة الأولى من الكتاب لعام 1986، حيث أرادت ماري إيجلتون أن يكون مدخلاً للطلاب لدراسة الحركة النسوية والنقد النسوي في الستينيات وبداية السبعينيات. وبفضل التقدم الذي أحرزه الكتاب، صدرت الطبعة الثانية عام 1996 والثالثة عام 2012.
أضافت فصلاً جديداً في الطبعة الثانية استجابة لما بعد الحداثة في نهاية التسعينيات، كما أدخلت في الطبعة الثالثة استكشافاً للأدب النسوي مع استصحاب المكان والزمان والمساحة، فضلا عن إضافات حول التحليل النفسي ودراسات ما بعد الاستعمار. تشدد إيجلتون على القارئ أن يركز مع السرد التاريخي للمقالات والاقتباسات، فمعرفة السياق الزمني الذي كُتبت فيها تلك الآراء يساعد على هضم الأفكار المتباينة حول كتابة النساء.
تناقش ماري إيجلتون في الفصل الأول جدلية فيما يخص ضرورة وجود كتابة خاصة بالنساء، وتنتمي إليهن فيما سمّته "بإيجاد تقليد أنثوي" (finding a female tradition). وكيف كان من الضروري لإيجاد هذا التقليد أن تتم دراسة كتابات النساء، وتجربتهن مع الأدب في الأزمنة الماضية، فنَجد أن فريقًا من النسويات كن يجادلن حول تعميم تجارب النساء في الأدب والسينما والفن بتجربة نسوية، مستندات على تساؤلات شوشانا فيلمان التي قالت: "هل هؤلاء الروائيات والمخرجات يتحدثن كنساء أم بلغة رجال!؟ وهل ينبغي أن يُقال إنهن يتحدثن بلغة النساء فقط لكونهن إناث!؟ ومن الذي يتحدث للنساء وكيف!؟".
تقول وولف أنه من المستحيل أن تكون هناك امرأة في الستينات قُدّر لها أن تنجح في المجال الأدبي دون أن تصاب بالجنون، وأنها بالتأكيد ستكون وحيدة ومنبوذة من الجميع
لم يتوقف الجدل على ذلك فقط، فقد ناقشت ضرورة إيجاد لغة تخص النساء في التعبير والكتابة؛ لغة محررة من الموروث الاجتماعي الذكوري عن المرأة، بحيث يكون جوهر الأدب النسوي هو إيجاد لغة مغايرة للغة الذكورية التي كانت تُستخدم حتى من قبل النساء أنفسهن لوصفهن لذواتهن، كالحديث عن أدوارهن في المنزل كزوجة أو أم أو أخت، وعلاقة الملكية التي تجمعهن مع الأب أو الابن أو الزوج، وأيضًا فيما يتعلق باهتماماتهن، ووصفهن لذواتهن وأدوارهن في المجتمع.
تناقش إيجلتون كذلك تاريخ كتابة النساء في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، مرورًا بكتابات إميلي برونتي وجورج إليوت وجين أوستن، ثم تذهب لتبحث في أدب ما بعد الحداثة، النقد النسوي والتغيير الاجتماعي، فتقدم ما كتبته ريتا فليكسي حول مصطلح "ما وراء الجماليات" (par aesthetics) الذي أطلقه السينمائي ديفيد كارول في وصفه للعمل الفني السينمائي والأدبي، وكل ما يتعلق بالإبداع، فهو يرى أن المرء لكي يُبدع يجب عليه أن يرفض القيود والتعصب وينصاع للحقيقة. تقول فليكسي إن النقد النسوي المتأثر ب"ما بعد البنيوية" (poststructuralism) يؤيد بشكل قريب نظرية كارول.بل ترى ضرورة معالجة العلاقة ما بين الفن والنوع، وذلك بضرورة إصلاح اللغة التي نستطيع التعبير بها عن أنفسنا كرجال ونساء، فإن اللغة والثقافة هما اللتان تتحكمان بنا، فإن ما نعلمه نحن النساء عن أنفسنا هو نتاج ما نقرؤه في الكتب وما نشاهده في الأفلام.
انطلقت الدراسات الأدبية النسوية السوداء، في بداياتها، بأسلوب استرجاعي يشبه ما وصفته أليس ووكر بالعودة "بحثاً عن جنائن أمهاتنا"، حيث توقّف النقد طويلاً عند أعمال زورا نيل هيرستون، ولا سيّما روايتها "كانت عيونهن تراقب الله" الصادرة عام 1937، التي أُعيد إحياؤها بوصفها نصاً كلاسيكياً ومؤسساً، بنفس الطريقة التي استعاد بها النقد النسوي الأبيض أعمال كيت شوبان (اليقظة) وشارلوت بيركنز جيلمن (ورقة الجدران الصفراء).غير أنّ هذه الاستعادة، كما توضح إيجلتون، جاءت في كثير من الأحيان ضمن منطق الكانون نفسه: أي اختيار “أمٍّ أدبية” واحدة، وبناء سَلَف أدبيّ جديد، مع تهميش أو نسيان كاتبات سوداوات أخريات من القرن التاسع عشر، لم تنسجم كتاباتهن مع النموذج الجمالي الذي فُضل لاحقاً لتعريف الأدب النسوي الأسود.
إن المرأة التي تحاول كسر التابوهات والكتابة عن المواضيع التي كانت حكرًا على الرجال، مثل المغامرات العاطفية والجنس والقيود المجتمعية تُعتبر خارجة عن النمط الاجتماعي للمرأة الصالحة في تلك الفترة من الزمان
تستعيد إيجلتون ما طرحه هنري لويس غيتس من سؤال محوري: لماذا لم يُعرف من قبل أنّ هناك إنتاجا للكاتبات السود منذ بدايات القرن التاسع عشر؟ وتجيب إيجلتون بأن السبب يعود إلى التراث نفسه، الذي اختار نصوصاً محددة، واعتبرها "أساسية"، بينما تمّ تهميش الأعمال الأخرى، ليس فقط من قبل النقاد البيض، بل أيضاً من داخل الخطاب الأسود، بما في ذلك الرجال السود الذين أعادوا إنتاج سلطة اختزالية تجاه النساء السوداوات، معتبرين بعض كتاباتهن غير مناسبة لتقليد التراث، كما اعتبرت بعض النسويات السود بأن هؤلاء النساء كن يكتبن بلغة بيضاء لمخاطبة جمهور أسود، ما جعل إسهاماتهن غير مؤرخة في تاريخ الكتابة النسوية السوداء.
تقدم إيجلتون في الفصل الثاني ما أسمته ب "النساء والإنتاج الأدبي" (women and literary production)، حيث تركز ـ وبشكل أساسي ـ على الدراسات التي تناولت الآراء السلبية والساخرة التي أُطلقت على الكاتبات في ذلك العهد من قبل الرجال، والتي لم تسلم عن كونها انتقادات مبنية على النوع والجنس والهوية، فَسُرعان ما كان النقاد يغيرون آراءهم حول الكتاب فور اكتشافهم بأن الكاتب أنثى.
ضرورة معالجة العلاقة ما بين الفن والنوع، وذلك بضرورة إصلاح اللغة التي نستطيع التعبير بها عن أنفسنا كرجال ونساء، فإن اللغة والثقافة هما اللتان تتحكمان بنا، فإن ما نعلمه نحن النساء عن أنفسنا هو نتاج ما نقرؤه في الكتب وما نشاهده في الأفلام
يجادل أحدهم بأن رواية "النساء الصغيرات" (the little women) للويزا هي نتاج عمل مشترك بين أخ وأخته، ذلك لوجود جانب يعتبره أنثويًا في السرد ينتمي للنساء. كما أن فور إصدار رواية "مرتفعات ويذرينغ" (the wuthering heights) للكاتبة إيميلي برونتي، قالوا بأن الكاتب رجل، إذ أن المرأة التي تحاول كسر التابوهات والكتابة عن المواضيع التي كانت حكرًا على الرجال، مثل المغامرات العاطفية والجنس والقيود المجتمعية تُعتبر خارجة عن النمط الاجتماعي للمرأة الصالحة في تلك الفترة من الزمان.
تقتبس من فيرجينيا وولف ما تقوله عن الكتابة في كتابها الشهير "غرفة تخص المرء وحده" وكيف أنه لكان من الصعب أن تكون هنالك امرأة في الستينات كاتبة. لذلك السبب أخفت جورجيت إليوت حقيقتها، ولنفس السبب لو اختلفت الظروف لكتبت إيميلي برونتي وجين أوستن وشارلوت بشكل أفضل، مستندة براوية خيالية بمن أسمتها بـ "أخت شكسبير"، تلك الفتاة التي كانت أذكى من أخيها، لكنها لم تجد الظروف المُهيِّئة لها لتطور ذاتها الإبداعي، فليس لها أن تكتب حيث يراها الناس، وليس لها أن تقرأ في الخفاء، وليس لها أن تشارك في عمل مسرحي، لتهرب من منزلها، وتنتهي بها الحالة منتحرة، وهي شابة صغيرة، بعد أن أُقفلت في وجهها كل أبواب الحياة في العيش. تقول وولف أنه من المستحيل أن تكون هناك امرأة في الستينات قُدّر لها أن تنجح في المجال الأدبي دون أن تصاب بالجنون، وأنها بالتأكيد ستكون وحيدة ومنبوذة من الجميع.
تعرج إيجلتون أيضا على مشاركة النساء في تأسيس دور نشر خاصة بهن، كضرورة تمكنهن من نشر كتب نسوية نسائية ومكتبات للقراء ولبيع الكتب، حيث إن إحداهن اضطرت لبيع مجوهراتها للحفاظ على المكتبة التي كانت تديرها، وبعضهن كن يحصلن على النقود عن طريق بيع الكتب والعمل في المكاتب.
كانت هناك الكثير من الأمثلة تدل على أن الرجال الذين كانوا يملكون دور نشر ومكاتب، كانت زوجاتهم تساعدهم بشكل مثمر في إبقاء العمل حافلًا، فكن يجتهدن في العمل حتى في غياب أزواجهن، لعل من أبرز الأدوار النسوية التي ذُكرت في ذلك العصر هي دار وومن آند تشيلدرن (Women and Children) التي كانت تهتم بالمنتوج الفكري للمرأة.
يتّضح من خلال الفصلين الأولين أن ماري إيجلتون لا تتعامل مع الأدب النسوي بوصفه تصنيفاً أدبياً ضيقاً، بل بوصفه مرآة لتعقيدات اجتماعية وسياسية عميقة، شكلت تجارب النساء، ولا سيما النساء السود، وأثّرت بشكل مباشر في لغتهن وموضوعاتهن وأشكال تعبيرهن.