السبت 18 أبريل 2026
قد يبدو ظهور مجتمع ما على الشاشة الكبيرة أمرًا مثيرًا ومبهجًا. ولعل رؤية الوجوه المألوفة والتقاليد واللغة، وهي تُعرض أمام العالم يمنح شعورًا بالفخر، وإن كان ممتزجًا بشيء من الترقب والقلق. لكن، ماذا يحدث عندما يكون هذا الظهور مشوَّهًا، مكرّسًا لصور نمطية، وبعيدًا كل البعد عن الواقع؟ غالبًا ما أجد نفسي أتساءل، خصوصًا حينما أتأمل كيف يُصوَّر المجتمع الصومالي في السينما، والتأثيرات التي يخلفها ذلك على هويتنا؟
قبل كتابة هذا المقال، لم أكن قد شاهدت بعد فيلم كابتن فيليبس، أحد أشهر الأفلام التي شارك فيها ممثلون صوماليون. الفيلم، الذي صدر عام 2013، يروي قصة قائد سفينة الشحن ريتشارد فيليبس، الذي يؤدي دوره توم هانكس، والذي يتعرض للاختطاف من قبل قراصنة صوماليين أثناء مروره قبالة سواحل الصومال. حقق الفيلم نجاحًا ضخمًا، إذ بلغت إيراداته 220.6 مليون دولار، ونال إعجاب النقاد، وترشيحات لجوائز الأوسكار والبافتا. وقد لاقى ترحيبًا واسعًا من مجتمعات صومالية عدة، بما فيها عائلتي، التي أذكر أنها كانت تشاهده على التلفاز عندما كنت صغيرة.
ولكن، كيف يمكن لفيلم يُفترض أنه يمثل الصوماليين، أن يكون في الوقت ذاته سببًا في ترسيخ صور نمطية غير عادلة عنهم؟ الجواب لا يقتصر على كابتن فيليبس وحده، بل يمتد إلى الطريقة العامة التي يُقدَّم بها الصوماليون في السينما منذ ذلك الحين.
كل قصة صومالية تستحق أن تُروى، سواء كانت خيالية، واقعية، أو حتى كوميدية
يُعد الفيلم محطة فارقة، ليس من حيث النجاح التجاري فحسب بل أيضًا باعتباره بداية لنمط مستمر في تصوير الصوماليين قراصنةً أو شخصيات سلبية. لم يكن المجتمع الصومالي معتادًا على رؤية نفسه في هذه المواقع على الشاشة، لهذا شكّل الفيلم لحظة استثنائية جذبت انتباه كثيرين، بمن فيهم أنا. رغم أنني لم أشاهده حينها، إلا أن مجرد وجود ممثلين صوماليين فيه كان كافيًا لجذب اهتمامي.
بيد أنه مع مرور الوقت، لم تعد مشاعر الفخر تلك هي المسيطرة. ما أستحضره الآن عند التفكير بالفيلم ليس سوى الصور النمطية التي ألصقت بالصوماليين بسببه، والتي لا نزال نعاني من آثارها.
في حديث لي مع صديقتي أميرة أحمد، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 18 عامًا، سألتها عن الأثر الثقافي للفيلم. أجابت: "الناس بدأوا يربطون الصوماليين فورًا بالقراصنة. عندما تذكر الصومال، لا يفكرون إلا بالإرهاب أو القرصنة. هذا هو كل ما يتبادر إلى أذهانهم".
هذا التصريح يوضح كيف أسهم الفيلم، رغم بروزه، في فرض سردية محدودة على مجتمع بأكمله، حتى العبارة الشهيرة "أنا القبطان الآن"، التي نطق بها الممثل برخاد عبدي في دور عبد الولي موسى، أصبحت تُستخدم بسخرية من قبل غير الصوماليين، ليعاد توجيهها إلينا بوصفها نوعا من التهكم.
إلى جانب الضرر المعنوي الناتج عن هذا التنميط، هناك أيضًا ظلم مادي تعرض له الممثلون الصوماليون أنفسهم، خاصة برخاد عبدي. فرغم ترشيحه لجائزة أفضل ممثل مساعد في حفل الأوسكار عام 2014، إلا أن أجره لم يكن منصفًا. وفقًا لمجلة ذا نيويوركر، تقاضى عبدي 65 ألف دولار فقط، في حين بلغت ميزانية الفيلم 55 مليون دولار، وحصل توم هانكس على 15 مليون دولار.
علّقت أميرة على ذلك بقولها: "أوه، نعم، سمعت عن الموضوع. أجره كان قليلًا جدًا مقارنة بالممثلين الآخرين، رغم أنه كان النجم الحقيقي. من المحزن فعلاً أنه تم استغلاله بهذه الطريقة".
هذا التفاوت في الأجور يعكس بوضوح الاختلال في تقدير الموهبة، خاصة عندما تأتي من خلفيات غير مهيمنة في هوليوود.
في النهاية، يبقى السؤال قائمًا: هل يعد مجرد الظهور كافيا لنعتبره تمثيلًا حقيقيًا؟ أم أن التمثيل الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يُنقل الواقع كما هو، بعمقه وإنسانيته، وليس من خلال عدسة مشوِّهة ومربحة فقط؟
إن الفجوة الكبيرة، إذن، في الأجور بين برخاد عبدي وتوم هانكس لا تعكس حقيقة الموهبة التي قدّمها عبدي في أدائه. فبينما لم يُرشح هانكس لجائزة أفضل ممثل عن دوره في كابتن فيليبس، نال برخاد ترشيحًا لأفضل ممثل مساعد، ما يؤكد تميّزه الفني. ومع ذلك، لم يتجاوز أجره 65 ألف دولار، مقارنةً بـ15 مليون دولار لهانكس، في فيلم بلغت ميزانيته 55 مليون دولار.
هذه المفارقة تسلط الضوء على مشكلة أعمق تتعلق بوعي الممثلين الصوماليين، سواء الجدد أو حتى من لديهم بعض الخبرة، بحقوقهم المادية والمهنية. فضعف تمثيلنا في صناعة السينما يجعل الكثيرين يفتقرون إلى المعرفة حول ما يعتبر أجرًا عادلاً، مما يسهل استغلالهم. في المقابل، يحصل الممثلون البيض غالبًا على أجور مضاعفة، حتى وإن لم يقدموا أداءً لافتًا.
رغم قلة التقدير المالي، استمر برخاد في التمثيل بعد كابتن فيليبس، من بين أبرز أعماله فيلم قراصنة الصومال، الذي يروي قصة الصحفي جاي بهادور، الذي يسافر إلى الصومال ليكتب عن القراصنة. يرافقه عبدي (الذي يجسده برخاد) مترجما ودليلا. لكن الفيلم لا ينجو من إعادة تدوير الصور النمطية ذاتها: الصوماليون مجددًا قراصنة، والصومال تُصوَّر بوصفها بيئة عنيفة وفوضوية تُروى عبر عدسة غربية.
هل يعد مجرد الظهور كافيًا لنعتبره تمثيلًا حقيقيًا؟ أم أن التمثيل الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يُنقل الواقع كما هو، بعمقه وإنسانيته؟
ما يعزز هذه السردية البصرية استخدام الفلتر البرتقالي بمجرد دخول الكاميرا إلى الصومال، في مقابل ألوان باردة في مشاهد كندا. هذه التقنية، المعروفة بـ"الفلتر الأصفر"، تُستخدم عمدًا لإضفاء طابع "خطر" أو "بدائي" على أماكن بعينها. ورغم أن البعض يبررها خيارا فنيا لإبراز التباين بين الأماكن، إلا أن تكرارها يحمل دلالات سلبية ويدعم النظرة النمطية تجاه "الآخر".
في حديث مع صديقتي أميرة، قالت: "الأفلام الأمريكية دائمًا ما تصوّر الصوماليين إرهابيين أو قراصنة، وكأن هذه هي حقيقتنا الوحيدة. هذا يُجردنا من إنسانيتنا تمامًا، على عكس الأفلام الصومالية المحلية التي تقدّمنا بتنوع أكبر".
أوضحت أميرة أن الأفلام المنتجة في الصومال تتناول مواضيع شتى، من الكوميديا إلى الدراما، وتُروى من داخل المجتمع، وليس عبر نظرة خارجية لا تفهم الثقافة.
يُضاف إلى ذلك، أن شخصية بهادور في الفيلم كانت تصدر أحكامًا على الصوماليين بناءً على معاييره الخاصة. بل وكان يسخر من لغتهم، ويُطلق تعليقات غير مناسبة مثل: "إنجليزيتك جيدة"، موجّهة لعبدي، الذي لم يكن مجرد مرافق، بل شريك فعلي في رحلته.
عندما يُقدَّم الصومال من خلال عدسة خارجية، تكون النتيجة غالبًا سطحية وغير أصيلة. فبدلًا من نقل تعقيد الواقع، تُفرض عليه رؤية غربية تعيد إنتاج نفس الصور القديمة: العنف والفقر والانهيار.
ومن المفارقات أن قراصنة الصومال، رغم استعانته بممثلين صوماليين، يكرر أخطاء فيلم آخر انتقده في النهاية: "سقوط الصقر الأسود" الذي لم يشرك أي صومالي في رواية قصة تدور بالكامل في الصومال. تقول شخصية "ماريان" في الفيلم: "الفيلم كان خاطئًا تمامًا. عن شعبنا، لكن دون أن يستخدموا شخصًا واحدًا من الصومال. وهذا خطأ".
هل يعد مجرد الظهور كافيًا لنعتبره تمثيلًا حقيقيًا؟ أم أن التمثيل الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يُنقل الواقع كما هو، بعمقه وإنسانيته؟
لكن السخرية هنا أن قراصنة الصومال نفسه ليسوا بمنأى من ذات الخطأ، رغم حضورهم الصومالي الظاهري. في المقابل، يُحاول فيلم "فتاة من مقديشو" تقديم سردية مختلفة. تدور القصة حول إفراح أحمد، الناشطة الصومالية التي هربت من الحرب إلى إيرلندا، وأصبحت من أبرز الأصوات المناهضة لختان الإناث. ورغم أهمية القصة، يُفاجأ المشاهد بأن الشخصية الرئيسية لم تُجسد من قبل امرأة صومالية، بل من الممثلة الأمريكية-الأفريقية آجا نعومي كينغ.
ورغم علمي المسبق بذلك، كان من الصادم أن تؤدي كينغ دورًا بهذه الحساسية دون إتقان اللغة أو اللهجة. مشاهدها باللغة الصومالية بدت متعثرة، ونطقها الركيك كان واضحًا، خاصةً إلى جانب الممثلين الداعمين الذين تحدثوا اللغة بطلاقة. كان يمكن تجاوز هذه العقبة بتدريب لغوي، كما يحدث مع ممثلين غير أمريكيين يؤدون أدوارًا بلهجة أمريكية. ففي نساء صغيرات، خضعت الممثلات لتدريبات دقيقة على اللهجة؛ لكن يبدو أن هذا الجهد لا يُبذل حين يتعلق الأمر بثقافات غير غربية.
الأدهى أن بعض المراجعات تجاهلت مسألة الهوية تمامًا، بل رأت أحد الكتاب أن كينغ كانت خيارًا مثاليًا فقط لأنها تشبه إفراح من حيث الملامح. لكن الشبه الخارجي لا يكفي. الأداء لا يكون حقيقيًا إلا عندما ينبع من فهم عميق للتجربة، وهو ما افتقده الفيلم بوضوح. كتب أحد المستخدمين على منصة ليتربوكسد: "كان من المفترض أن تكون البطلة امرأة صومالية. فقط صومالية قادرة على نقل هذه القصة بصدق. هذا ما كان سيجعل الفيلم أكثر قوة وواقعية".
في المقابل، يقدّم مسلسل "أمريكا الصغيرة" على "آبل تي في بلوس" نموذجًا إيجابيًا. ففي إحدى حلقات الموسم الثاني بعنوان جمل على عود، كتبها وأخرجها صوماليون، قصة الشيف جبريل (الذي يجسده الممثل الصومالي هناد عبدي) خلال استعداده للمشاركة في معرض ولاية مينيسوتا، تحقيقًا لحلم راوده طويلًا رغم تحديات مجتمعه. المخرجة إديل إبراهيم، وهي نفسها صومالية، قالت في مقابلتي معها: "هناك العديد من رواة القصص الصوماليين اليوم - من كتاب ومخرجين وممثلين وموسيقيين- وأنا متحمسة لرؤية كيف ستتطور إسهاماتهم، وكيف ستُروى قصصنا منّا ولنا".
كل قصة صومالية تستحق أن تُروى، سواء كانت خيالية، واقعية، أو حتى كوميدية. يجب أن نُمنح فرصة أن نكون أمام الكاميرا وخلفها، وأن نمثّل أنفسنا بأنفسنا. ثم أضافت إديل: "نحن نعيش في عالم متعدد الثقافات، ويجب أن يعكس التلفاز ذلك. لم أرَ نفسي أو من يشبهني على الشاشة عندما كنت صغيرة. ثقافتنا ليست قالبًا واحدًا، وتجاربنا متنوعة ومعقدة. من المهم أن يُترجم هذا التنوع إلى أعمال مرئية".
نعم، نحتاج إلى ظهور، لكن الأهم أن يكون تمثيلًا صادقًا يعكس تعدد هوياتنا، لا مجرد انعكاس لعدسة الآخر.
المقال الأصلي هنا