الأربعاء 12 أغسطس 2026
أجرى رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مباحثات مغلقة مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القصر الرئاسي بالعاصمة أسمرا، وذلك خلال زيارة رسمية قصيرة بدأها صباح الجمعة 17 يوليو، في خطوة تعكس استمرار التنسيق السياسي والأمني بين الخرطوم وأسمرا في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الحرب في السودان والتحولات الجارية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وكان الرئيس الإريتري في مقدمة مستقبلي البرهان لدى وصوله إلى مطار أسمرا الدولي، وذكرت وكالة السودان للأنباء (سونا) أن الزيارة تأتي في إطار "زيارة أخوية" تستهدف تعزيز العلاقات الثنائية والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وبحسب ما أوردته سونا، تناولت المباحثات سبل تطوير العلاقات الثنائية في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن المستجدات الإقليمية والدولية، مع تأكيد الجانبين أهمية تعزيز التعاون بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. وأكدت الوكالة أن البرهان وأفورقي شددا على متانة العلاقات التاريخية بين البلدين وضرورة مواصلة التنسيق في مواجهة التحديات المشتركة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
تأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسودان، إذ تتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة لدفع الأطراف السودانية نحو هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً تمهيداً لاستئناف العملية السياسية. وكان البرهان قد أعلن قبل أيام أن أي مبادرة سياسية يجب أن تضمن أمن السودان واستقراره وتحافظ على سيادته، مؤكداً رفض أي مقترح لا يحقق هذه الشروط، وهو موقف يعتقد مراقبون أنه شكل أحد محاور المشاورات مع القيادة الإريترية، التي تعد من أبرز الداعمين الإقليميين للسلطات في بورتسودان.
يرى محللون أن اللقاء يعكس استمرار التقارب السوداني الإريتري الذي تعزز بصورة واضحة منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. فقد تحولت أسمرا إلى محطة دبلوماسية متكررة للمسؤولين السودانيين، بينما تبادل الجانبان زيارات رفيعة المستوى خلال العامين الماضيين. وكان الرئيس أسياس أفورقي قد زار بورتسودان في نوفمبر 2025 تلبية لدعوة من البرهان، حيث عقد الطرفان مباحثات تناولت تطورات الحرب وسبل تعزيز التعاون الأمني والسياسي، مع تأكيد إريتريا دعمها لوحدة السودان واستقراره.
يكتسب هذا التقارب بعداً استراتيجياً في ضوء التنافس الإقليمي المتصاعد في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فإريتريا تنظر إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي، نظراً لطول الحدود المشتركة بين البلدين، وارتباط أمن شرق السودان باستقرار المناطق الحدودية الإريترية. كما أن البلدين يتقاسمان مواقف متقاربة في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها أمن البحر الأحمر، والتطورات في إثيوبيا، والتوازنات الجديدة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، وهي ملفات أصبحت أكثر تعقيداً خلال العامين الأخيرين مع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على الموانئ وخطوط الملاحة البحرية.
تشير تقديرات سياسية إلى أن المحادثات المغلقة بين البرهان وأفورقي تجاوزت العلاقات الثنائية لتشمل المشهد الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل استمرار التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، والتطورات المرتبطة بالحرب في السودان، والتحركات الدولية لإعادة إطلاق العملية السياسية، فضلاً عن الملفات الأمنية المرتبطة بالبحر الأحمر والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود. ويعتقد مراقبون أن أسمرا تسعى إلى الحفاظ على دورها بوصفها أحد أهم الشركاء الإقليميين للخرطوم، مع الحرص على تنسيق المواقف تجاه المتغيرات الجارية في الإقليم.
تأتي زيارة البرهان أيضاً في إطار سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي ينفذها السودان لتعزيز علاقاته مع دول الجوار في مرحلة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية. ويرى متابعون أن استمرار التواصل المباشر بين البرهان وأفورقي يعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين، خصوصاً في ظل استمرار الحرب داخل السودان، والضغوط الدولية الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية، والتحديات الأمنية التي تواجه منطقة القرن الأفريقي، والتي تجعل من التعاون السوداني الإريتري أحد العناصر المؤثرة في معادلة الاستقرار الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.