الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
تنطلق أشغال قمة مجموعة العشرين (G20) اليوم في جوهانسبرغ؛ "إيغولي" مدينة الذهب بلغة الزولو، وتستمر ليومين (22 و23 من الشهر الجاري)، في حدث تاريخي يُعقد لأول مرة على أرض أفريقية، حيث يجتمع قادة أقوى اقتصاديات العالم في جنوب أفريقيا، ما يشكل فرصة مثالية للقارة لوضع همومها على رأس الأجندة العالمية.
في استلهام لفلسفة أوبونتو الأفريقية التي تدعو إلى الترابط الإنساني العميق، تنعقد قمة مجموعة العشرين تحت شعار: "التضامن، المساواة، الاستدامة"، في وقت تتداخل فيه أزمات العالم الاقتصادية بالتوترات الجيوسياسية، لترفع منسوب الاستقطاب إلى مستويات غير مسبوقة، وهذا ما أرخى بظلاله على القمة التي تمثل نهاية دورة رئاسات مجموعة العشرين التي تولتها دول الجنوب العالمي (إندونيسيا 2022، الهند 2023، البرازيل 2024 ).
أياما قبل موعد الحدث، كانت رهانات جنوب أفريقيا كبيرة على تحويل المحطة إلى قمة تاريخية تؤسس لمنعطف جديد في مسار مجموعة العشرين، نظرا لتنامي أدوار بريتوريا التي تتولى الرئاسة في الدفاع عن صوت الجنوب العالمي، لا سيما جرأتها في ملاحقة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، فضلا عن استثمار أول قمة تعقد بالتركيبة الجديدة للمجموعة بعد انضمام أعضاء جدد بما ذلك الاتحاد الأفريقي الذي تحول من مراقب إلى عضو دائم في الدورة 18 للمجموعة في نيودلهي.
توقعات كثيرة تنظر إلى الدورة 20 لمجموعة العشرين في جوهانسبورغ بكونها قمة أفريقية بامتياز، تسخِر جنوب أفريقيا مقعد الرئاسة والاستضافة لأهم منتدى اقتصادي عالمي لإثارة الحقيقة لأفريقيا والعالم النامي، وذلك ما اتضح في المحاور الكبرى للقمة "التضامن، المساواة، الاستدامة" التي تكثف ما يحدق ببلدان الجنوب العالمي وعلى رأسها دول القارة الأفريقية، من أزمات ومخاطر.
طموح حال دونه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان له رأي آخر، بحرصه على تحويل الغياب الأمريكي، أو المقاطعة الأمريكية للقمة بتعبيره، يفوق القمة نفسها. فالرجل لم يكتف بتكرار سرديته الخاطئة، استنادا لادعاءات اليمين المتطرف الأمريكي، عن تعرض المزارعين البيض لإبادة جماعية في جنوب أفريقيا قصد تبرير مقاطعته للحدث، بل صرًّح في موقف متشدد أحدث صدمة دبلوماسية بأن "جنوب أفريقيا لم يعد لها مكان في مجموعة العشرين".
تراهن جنوب أفريقيا على الوفاء لإرث نلسون مانديلا، بتحقيق قصب السبق مجددا في دفاعها عن المستضعفين، والسعي لاستعادة القليل من التوازن وتحقيق العدالة الاقتصادية لدول الجنوب العالمي
قرار لم تعره بريتوريا أهمية كبرى بتأكيد الرئيس رامافوزا أن بلاده سوف تسلم رئاسة مجموعة العشرين رمزيا إلى كرسي فارغا في ظل غياب الولايات المتحدة عن القمة، مضيفا في نقد مباشرة لميل ترامب نحو الانعزالية في السياسة الخارجية قوله: "من خلال خبرتي في السياسة، فإن المقاطعات لا تنجح أبدا حقا. إنها تأتي بنتائج عكسية.. من الأفضل أن تكون داخل الخيمة بدلا من خارجها".
موقف ترامب لا تخرج عن رغبته الشديدة في إضعاف أي كيان من شأنه أن يخدش صورة الولايات المتحدة في العالم، فالقمة ترمي البحث عن حلول لقضايا الاقتصاد العالمي. لذلك لم يتردد وزير الخارجية رونالد لامولا في دعوة المشاركين في قمة العشرين ل "بعث رسالة واضحة مفادها أن بمقدور العالم المضي قدما مع الولايات المتحدة أو دونها. سنسجل تغيبهم ونواصل أعمال القمة".
لكن الغياب لم يكن أمريكيا فقط، فالرئيس الصيني شي جين بينغ تراجع بدوره عن الحضور، في 13 من الشهر الجاري، وفق بلاغا للدبلوماسية الصينية، واكتفى بإرسال رئيس الوزراء لتمثيله في القمة، دون تقديم أي مبرر بشأن الغياب، بالرغم من كون الصين الشريك التجاري الأول لجنوب أفريقيا، ولأفريقيا بشكل عام، دون تقديم أي مبررات حول هكذا قرار، ما يثير أسئلة حول غياب لا محالة سوف ينعكس على وزن القمة.
تأكد غياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أيضا، وذلك بسبب مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر جنوب أفريقيا عضوا فيها، واكتفى بإيفاد مكسيم أوريشكين نائب رئيس إدارة الكرملين لتمثيل روسيا في أشغال القمة. خافيير ميلي؛ الرئيس الأرجنتيني بدوره غائب عن الدورة من باب التضامن مع موقف ترامب.
يمثل غياب الكبار عن قمة جوهانسبورغ فرصة مثالية لدول الجنوب لجعل القمة استثنائية، بعيدا عن معارضة أو خطر فيتو أمريكي أو صيني مفاجئ ضد أي أجندة ترغب القمة في اعتمادها، وذلك بتوحيد الترويكا (جنوب أفريقيا والهند والبرازيل) لصفوفهم
تعقد القمة بدون أكبر ثلاثة اقتصادية في العالم (واشنطن وبكين وموسكو) ما يجعلها بلا روح، فهذا الغياب يفقدها أي محتوى، ويجعلها مجرد حدث بروتوكولي، وذلك ما سعت إليه واشنطن في مذكرة دبلوماسية تطالب فيها بعدم إصدار إعلان "تعارض الولايات المتحدة إصدار أي وثيقة ختامية لقمة مجموعة العشرين، يفترض أنها تعكس موقفا توافقيا للمجموعة".
يمثل غياب الكبار عن قمة جوهانسبورغ فرصة مثالية لدول الجنوب لجعل القمة استثنائية، بعيدا عن معارضة أو خطر فيتو أمريكي أو صيني مفاجئ ضد أي أجندة ترغب القمة في اعتمادها، وذلك بتوحيد الترويكا (جنوب أفريقيا والهند والبرازيل) لصفوفهم. فالمجموعة، كما علق دبلوماسي جنوب أفريقي، "أكبر من أن تفشل" (Too big to fail)، ما يحَول العائق فرصة مثالية لو تم استغلالها بعناية من جنوب أفريقيا.
ما على بريتوريا سوى السعي لإنجاح القمة واستثمار الرمزية الجيوسياسية العميقة التي تشير إلى انتقال ثقل القرار الدولي نحو القارة الأفريقية، فالظاهر أن هذه القمة قد تكون الأقل انقساما في تاريخ مجموعة العشرين، لأن الإجماع على قائم بين المشاركين على راهنية قضايا التنمية التي سطرتها مثل: معالجة أزمة الديون وإصلاح البنوك والاستثمار في البنية التحية وقضايا المناخ...
في نقد مباشرة لميل ترامب نحو الانعزالية في السياسة الخارجية قال رامافوزا: "من خلال خبرتي في السياسة، فإن المقاطعات لا تنجح أبدا حقا. إنها تأتي بنتائج عكسية.. من الأفضل أن تكون داخل الخيمة بدلا من خارجها"
يشكل فخ الديون وتكلفة رأس المال غير العادلة على سبيل المثال معضلة كبيرة في أفريقيا، بسبب تصنيف مؤسسات الائتمان الكبرى المتحيز بل و"الظالم" للدول الأفريقية، فحصول هذه الأخيرة على قرض لتمويل مشروع بكون بسعر فائدة أعلى بكثير من الدول الأوروبية. وهذا ما تكشفت إحصائيات 2024؛ فحجم الديون بلغ 1815 تريليون دولار، فيما دُفع ما يقارب 163 مليار دولار كخدمة دين سنوية.
تدرك جنوب أفريقيا جيدا تداعيات الدين على اقتصاديات البلدان، لذلك جعلته على رأس قائمة أولوية القمة، فتقارير الأمم المتحدة تفيد بأن أفريقيا أنفقت ما بين عامي 2021 و2023 على دفع فوائد الديون 70 دولار للفرد، وهذا يتعدى ما أنفقته على التعليم أو الصحة؛ 63 دولارا و44 دولارا للفرد على التوالي.
يسعى الرئيس رامافوزا ألا تكون قمة جوهانسبورغ محطة عادية في مسار مجموعة العشرين، وذلك بدفاعه وبشدة على فكرة إنشاء "هيئة دولية للتفاوت الطبقي" على غرار الهيئة الدولية الخاص بتغيير المناخ (IPCC)، قصد معالجة التفاوت الطبقي الهائل في العالم. خطوة لو نجح في إقناع المشاركين بها ستشكل انتصارا كبيرا ليس لبريتوريا فقط، بل لملايين البشر في الجنوب العالمي ممن كان أصواتهم دوما على الهامش في المنتديات الاقتصادية.
تترافع جنوب أفريقيا على الفكرة وسندها تقرير لفريق من الخبراء بقيادة جوزيف ستيغليتز، الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، يفيد بأن اللامساواة والتفاوت الطبقي يشكل أزمة عالمية تهدد الديمقراطية والتماسك الاجتماعي، بل إنها لا تقل خطورة عن أزمة المناخ.
تراهن جنوب أفريقيا على الوفاء لإرث نلسون مانديلا، بتحقيق قصب السبق مجددا في دفاعها عن المستضعفين، والسعي لاستعادة القليل من التوازن وتحقيق العدالة الاقتصادية لدول الجنوب العالمي، على غرار ما حدث بإقدامها على متابعة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بسبب جرائم الإبادة ضد الفلسطينيين.