الأحد 8 مارس 2026
اختتمت أشغال القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي أشغالها يوم أمس الأحد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تحت شعار بصبغة تقنية وتنموية بامتياز: "ضمان استدامة المياه ونظم الصرف الصحي". بيد أن حيوية هذا العنوان العريض، لم تفلح في حجب ملفات سياسية وأمنية حارقة. لقد وضعت هذه القمة "المصداقية الأفريقية" على محك حقيقي، باختبار قدرة الأفارقة على الانتقال من مربع الدبلوماسية الخطابية المعهودة إلى فضاء الفعل الاستراتيجي الملموس.
كانت النيران المشتعلة في السودان وتوتر الأوضاع في منطقة الساحل، وفتيل النزاعات الحدودية المتوقد في أكثر من رقعة جغرافية بالقارة، فضلا عن التحولات الكبرى في النظام الدولي المحرك الفعلي للنقاش في الغرف المغلقة. فأفريقيا مطالبة باستغلال "الفوضى" التي يشهدها العالم، لإثبات جدارتها في إدارة أزماتها بعيدا عن الوصاية الخارجية.
مسعى يفرض المزيد من الإصلاحات المؤسساتية، حتى يكون الاتحاد أكثر خفة وفاعلية في اتخاذ القرارات، ولن يأتي ذلك دون الاستقلال المالي الذي يبقى القيد الأكبر أمام استقلالية القرار السياسي، فميزانية الاتحاد تعتمد بنسبة كبيرة على الشركاء الدوليين (الاتحاد الأوروبي والصين)، ما يجعل مهمة الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيمي صعبة، بتجاوز مهمة صياغة البيانات الختامية نحو ترجمة ما سطر في الأوراق من التزامات واتفاقيات واقعا ملموسا لدى المواطن الأفريقي البسيط.
لا يُعد "الأمن المائي" موضوع الدورة ترفا تقنيا بقدر ما هو اعتراف سياسي متأخرا بأن النزاعات القادمة في أفريقيا قد لا تكون حول الحدود أو الأيديولوجيا بقدر ما ستكون حول الموارد. أدرك الزعماء الأفارقة معاناة الملايين من أبناء القارة مع ندرة المياه، يحول دون تحقيق "أجندة 2063" التي تمر حتما عبر أنابيب المياه النظيفة. هذا التحدي حتم على أفريقيا نقل مسألة المياه من دائرة النزاع الإقليمي إلى جسر للتعاون بين دول القارة، فالقضية باتت تندرج ضمن نطاق الأمن القومي الاستراتيجي القاري.
مخرجات القمة بشأن الأزمة السودانية بدت كأنها توصيف للداء دون وصفة للدواء. فاستعباد السودان، الحاضر كموضوع في جدول القمة، لسنة الخامسة على التوالي يؤكد أن التحدي الحقيقي هو أزمة الفعالية، كما يعكس فجوة متزايدة بين المنظمة القارية والواقع الميداني المتفجر
ينعقد شبه إجماع في القارة على أن التنمية الاقتصادية الأفريقية ستظل رهينة الفقر المائي ما لم يتم التعامل معها كبنية تحتية سيادية، ما يجعل من شعار القمة اختبارا حقيقيا لكافة الدول من خلال البحث عن حل لمعادلة مؤرقة مضمونها: كيفية الموازنة بين السيادة الوطنية على الموارد المائية وبين التكامل الإقليمي الذي تفرضه أجندة 2063؟
تقوم الرؤية القارية الجديدة على تحويل إدارة المياه من مجرد "أزمة" إلى "فرصة"، بالعمل على تجاوز النزاعات الحدودية بالانتقال من مفهوم "السيادة المطلقة" على المجاري المائية إلى "الإدارة المشتركة" كأداة للسلام لا سببا للحرب. والعمل على تعزيز الحكامة بتطوير أطر قانونية ومؤسسية قوية لإدارة المياه، وكذا ربط المياه بالتنمية من خلال دمج ملف المياه في مثلث (الغداء، الطاقة، المناخ)، وهو ما يعرف ب "WEFE Nexus".
وأقرت القمة تفعيل "مرفق المياه الأفريقي" لاستقطاب استثمارات ضخمة لمشاريع الربط المائي العابر للحدود، لتقليل حدة التوتر السياسي عبد المصالح الاقتصادية المشتركة. فضلا عن بلورة موقف موحد عالميا من خلال "الورقة الأفريقية" الموحدة في مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026.
على الرغم من تصاعد الخطاب السياسي المتبني للاستراتيجيات التنموية في المحافل الدولية، إلا أن المشهد الجيوسياسي في مناطق مثل: السودان وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل الأفريقي، لا يزال رهينا لصراعات مسلحة مزمنة تقوض فرص النهوض الاقتصادي. إن هذا التلازم الطردي بين النزاع واستنزاف الموارد البشرية والمادية يضع القيادة الأفريقية أمام استحقاق تاريخي يتجاوز الشعارات؛ وهو تفعيل مبادرة "إسكات البنادق"، وتحويل مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية" من إطار نظري إلى واقع ملموس، مما يمثل الاختبار الحقيقي لمدى نجاعة العمل الأفريقي المشترك.
أعلن الأفارقة بشكل مباشرة دعوتهم إلى تقليل الاعتماد على التدخلات الخارجية، والركون بدلا من ذلك إلى آليات الوساطة القارية، وذلك باقتراح تعزيز "آلية الشخصيات الأفريقية البارزة" للقيام بمهام الوساطة المباشرة في بؤر التوتر الأفريقية المشتعلة. بيد هذا الشعار على ما يبدو للاستهلاك الإعلامي فقط، فمخرجات القمة بشأن الأزمة السودانية بدت كأنها توصيف للداء دون وصفة للدواء. فاستعباد السودان، الحاضر كموضوع في جدول القمة، لسنة الخامسة على التوالي يؤكد أن التحدي الحقيقي هو أزمة الفعالية، كما يعكس فجوة متزايدة بين المنظمة القارية والواقع الميداني المتفجر.
أيقن الأفارقة أن مستقبل قارتهم بين أيديهم، لذلك حرصوا خلال القمة على إظهار نضج سياسي واضح من خلال تمسكهم بموافق موحدة تجاه مختلف القضايا الدولية، لا سيما القضية الفلسطينية، فالصوت الواحد هو الرأسمال الحقيقي الذي تملكه القارة للدفاع عن الأفارقة في المؤسسات والهياكل الدولية
حظيت منطقة الساحل الأفريقي (مالي وبوركينافاسو والنيجر) بنصيب في أشغال القمة، وذلك بالإبقاء على تعليق عضوية هذه الدول حتى يتم تقديم جداول زمنية ملموسة للعودة إلى الحكم المدني، ما يؤكد تمسك الاتحاد بسياسة عدم التسامح مع التغيير غير الدستورية للحكومات، حيث شهدت القمة الترحيب بعودة غينيا والغابون إلى البيت الأفريقي بعد "مسارات انتقالية". بل حتى مكافحة الإرهاب المنتشر في أكثر من دولة بغرب القارة، يظل محكوما بشرط الالتزام بالمسار الديمقراطي.
وفاء لروح التحرر الأفريقي طالبت القمة المجتمع الدولي رسميا بمنح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، معتبرا ذلك حقا سياسيا وقانونيا لا يمكن تأجيله تماشيا مع رغبة الأغلبية العالمية. كما جدد الاتحاد رفضه القاطع لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين قسرا نحو أي رقعة خارج وطنهم، معتبرا ذلك خرقا جسيما للقانون الدولي.
أيقن الأفارقة أن مستقبل قارتهم بين أيديهم، لذلك حرصوا خلال القمة على إظهار نضج سياسي واضح من خلال تمسكهم بموافق موحدة تجاه مختلف القضايا الدولية، لا سيما القضية الفلسطينية، فالصوت الواحد هو الرأسمال الحقيقي الذي تملكه القارة للدفاع عن الأفارقة في المؤسسات والهياكل الدولية، وقبل ذلك لمواجهة مغامرات ترامب الذي يسعى وراء نظام عالمي جديد يتوافق مع تصوره الخاص.
تقوم الرؤية القارية الجديدة على تحويل إدارة المياه من مجرد "أزمة" إلى "فرصة"، بالعمل على تجاوز النزاعات الحدودية بالانتقال من مفهوم "السيادة المطلقة" على المجاري المائية إلى "الإدارة المشتركة" كأداة للسلام لا سببا للحرب
وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن ذلك خلال القمة بعبارة أشبه ما تكون بصرخة مدوية، حين قال: "نحن في 2026 وليس في عام 1946" في تأكيد واضح ومباشر على ضرورة إصلاح مجلس الأمن لضمان تمثيلية للصوت الأفريقي فيه. كما تمثل دعوة صريحة إلى تبني القوى الكبرى لمنطق الشراكة مع الأفارقة، خصوصا في ملف "المعادن الحرجة" التي تعد أفريقيا خزانها العالمي في عصر التحول الأخضر.
عودا على موضوع الذاكرة التي شكل مدار أشغال قمة العام الفائت، شهدت هذه الدورة تبني "إعلان الجزائر بشأن جرائم الاستعمار" الذي يمكن وصفه بمحاولة قارية لمأسسة الذاكرة، وذلك من خلال العمل على تحويل ملف التعويضات والاعتذارات من مجرد مطالب أخلاقية إلى مشروع سياسيا قانوني. وزادت القمة بترسيم 30 نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام "يوما للشهداء الأفارقة" من ضحايا الاستعمار والفصل العنصري، في خطوة بهدف توحيد السردية التاريخية الأفريقية في مواجهة القوى الاستعمارية.
نجحت القمة في الخروج بمواقف سياسية "صلبة" تجاه القضايا الدولية (غزة، إصلاح مجلس الأمن، التعويضات الاستعمارية)، مما يؤكد أن أفريقيا باتت لاعباً جيوسياسيا لا يمكن تجاوزه. كما استطاعت رسم خارطة داخلية طموحة تعيد الاعتبار للإنسان الأفريقي (الأمن المائي، الصرف الصحي، الإصلاح المؤسسي...)، لكن نجاحها مرهون بمدى توافر الإدارة والقدرة على فك الارتباط بين الأزمات السياسية والطموحات التنموية.
لا يقاس نجاح القمم بعدد القرارات التي تتخذ، بل بمدى قدرة الاتحاد على التحول من منصة للخطابة إلى غرفة عمليات لإدارة الأزمات القارية أفريقيا. صحيح أن أفريقيا اليوم تتحدث بصوت أكثر وحدة، لكن العبرة تظل دائما في التنفيذ لا في التنظير.