تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

قمع سياسي متصاعد: كيف تحكم تنزانيا قبضتها السياسية قبل انتخابات 2025؟

25 يونيو, 2025
الصورة
قمع سياسي متصاعد: كيف تحكم تنزانيا قبضتها السياسية قبل انتخابات 2025؟
Share

على مشارف انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تتكشّف ملامح تراجع حاد في الهامش الديمقراطي بتنزانيا، حيث استعادت الدولة أدواتها القمعية بوتيرة متسارعة، لتُجهِض ما تبقى من آمال الإصلاح التي صاحبت صعود سامية سولوهو حسن إلى الحكم عام 2021 خلفًا لجون ماجوفولي. بدلًا من البناء على بوادر الانفتاح السياسي، اتجهت السلطات إلى تشديد قبضتها على المعارضة، وتضييق الخناق على المجتمع المدني، وفرض رقابة مشددة على الفضاءين الرقمي والإقليمي، في سياق يُعيد تنزانيا إلى دائرة الاستبداد المقنّع، ويضع مستقبل التحول الديمقراطي أمام اختبارات صعبة.

من وعود الإصلاح إلى واقع الاستبداد

في مطلع عام 2023، بادرت الرئيسة سامية حسن إلى اتخاذ خطوات إصلاحية بدت واعدة في ظاهرها، إذ رفعت الحظر المفروض منذ 2016 على التجمعات السياسية، وسمحت بعودة بعض وسائل الإعلام المعارضة، كما أفرجت عن عدد من قادة المعارضة، فضلاً عن تشكّيل فريق معني بالإصلاح السياسي، يضم ممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام والفاعلين السياسيين.

إلا أن هذه التحركات سرعان ما انكشفت حدودها، إذ تبين أنها كانت تكتيكية أكثر منها تحولًا حقيقيًا، فمع حلول عام 2024، تباطأت الإصلاحات، وظلت التشريعات المقيدة للحريات قائمة، لتُستأنف الممارسات السلطوية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2025، في مؤشر على عودة الدولة إلى أساليب القمع السياسي التي تُكرّس هيمنة الحزب الحاكم.

على هذا النحو، أعرب عدد من خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان في 13 يونيو/حزيران 2025، عن تصاعد الانتهاكات الحقوقية في تنزانيا، مطالبين بوقف فوري للاختفاء القسري الذي يستهدف معارضين وصحفيين وناشطين قبيل الانتخابات. جاءت هذه المطالبة الأممية في سياق تصعيد ملحوظ من جانب الحكومة التنزانية ضد الأصوات المنتقدة للنظام.

لم تكن تلك التطورات الأخيرة استثناء أو تحولاً مفاجئًا، بل تعد امتدادًا لنهج متصاعد بدأ قبل ذلك بعدة أشهر، وبالتحديد قبل الانتخابات المحلية للبلاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2024

يمثل اعتقال المعارض البارز وزعيم حزب الديمقراطية والتقدم "تشاديما"، توندو ليسو، أحد أبرز الاتجاهات القمعية التي سلكتها الدولة مؤخرًا، فمع اقتراب موعد الانتخابات، اعتقلت السلطات ليسو، في 9 أبريل/نيسان، وذلك عقب خطاب جماهيري ألقاه في مدينة مبينجا دعا فيه إلى إصلاحات انتخابية.

وجهت السلطات التنزانية إلى المعارض توندو ليسو تهمًا بالخيانة والتحريض على التمرد، في خطوة بدت كمحاولة متعمدة لتجريم المعارضة السياسية، وإقصائها قبيل الانتخابات. ولم تقتصر الإجراءات على التهم وحدها، بل اتسم التعامل مع ملفه بنمط تعسفي، حيث جرى نقله بين عدة مراكز احتجاز دون إخطار محاميه أو أفراد أسرته، في انتهاك صريح لحقوقه القانونية. وفي مؤشر آخر على السعي لتقليص حضوره السياسي، رفضت السلطات إحضاره للمثول شخصيًا أمام المحكمة، وأصرّت على محاكمته عبر الاتصال المرئي يوم 24 أبريل/نيسان، وهو ما دفع ليسو إلى رفض المشاركة في هذه الجلسة الافتراضية احتجاجًا على ظروف اعتقاله، وطبيعة الإجراءات القضائية في حقه.

لم تقتصر تجاوزات السلطة على ليسو، بل طالت أيضًا قيادات مركزية في حزبه، فوفقًا لصحيفة "الجارديان" البريطانية، تم اعتقال كل من نائب رئيس حزب "تشاديما" جون هيتشي، والأمين العام جون منيكا، أثناء توجههما لحضور جلسة محاكمة ليسو، ما يعكس نمطًا ممنهجًا يهدف إلى تفكيك البنية التنظيمية للحزب، لا سيما مع تواتر الاعتقالات التي تُقوّض قدرة حزب المعارضة الرئيسي على الحشد والتنسيق في الفترة التي تسبق الانتخابات.

لم تكن تلك التطورات الأخيرة استثناء أو تحولاً مفاجئًا، بل تعد امتدادًا لنهج متصاعد بدأ قبل ذلك بعدة أشهر، وبالتحديد قبل الانتخابات المحلية للبلاد في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حيث نفذت الشرطة التنزانية حملات اعتقالات واسعة، ومن بينها حملة الاعتقالات في 11 أغسطس/آب 2024، والتي استهدفت على إثرها حزب المعارضة الرئيسي، وشملت 375 شخصًا من أعضائه ومناصريه، من بينهم توندو ليسو نفسه، ورئيس الحزب فريمان مبوي، وزعيم جناح الشباب جون بامبالو، إلى جانب عدد من الصحفيين، وقد تم الإفراج عن بعض المعتقلين بكفالة بعد يومين من الاعتقال. 

في إطار آخر من التصعيد، أعلن حزب تشاديما أن آلافًا من مرشحيه مُنعوا من المشاركة في الانتخابات المحلية السابقة. علاوة على ذلك، تورطت السلطات التنزانية في  قتل ما لا يقل عن ثمانية منتقدين للحكومة خارج نطاق القضاء، وذلك وفقًا لمنظمة هيومين رايتس ووتش. كلها دلالات تعكس بوضوح مدى تراجع مساحة العمل السياسي، وإعادة تفعيل أدوات القمع العلني، بما في ذلك ترويع القيادات السياسية وعرقلة حرية التعبير.

في تحول لافت يشي بمحاولة عزل المشهد التنزاني عن أي تفاعل خارجي، بدأت الحكومة التنزانية في اتباع نهج تضييقي ممنهج يتجاوز قمع الأصوات المحلية ليطال الأطر الإقليمية

لم تتوقف حدود الانتهاكات على الحزب المعارض فقط، بل استهدفت العديد من النشطاء المستقلين، وقد تعرضوا للاعتقالات والاحتجاز والملاحقة القضائية والاعتداءات الجسدية، في 18 سبتمبر/ أيلول 2024، أُلقي القبض على الناشط بونيفاس جاكوب بتهم ملفقة بنشر معلومات كاذبة. وقد أُفرج عنه بكفالة بعد 19 يوما من الاحتجاز دون توجيه تهم مشروعة إليه. وكان قد أُلقي القبض عليه سابقًا في أبريل/نيسان 2021 بتهم كاذبة بالتحريض على إثارة الذعر العام.

من جهة أخرى، شهدت منظمات المجتمع المدني في تنزانيا تضييقًا متصاعدًا خلال الأشهر الأخيرة، وفقًا لما ورد في تقرير صادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024، حيث اتخذت السلطات سلسلة من الإجراءات القمعية شملت إلغاء تراخيص بعض الجمعيات، وفتح تحقيقات قانونية مبهمة تستهدف نشاطها، إلى جانب تنفيذ اعتقالات دون أوامر قضائية واضحة. وقد أجبر هذا المناخ العدائي العديد من المنظمات على تجميد أعمالها أو تقليص حضورها الميداني؛ خشية التعرض للملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية، في سياق يُنظر إليه كجزء من سياسة ممنهجة لخنق العمل المدني قبيل الانتخابات.

تحييد المراقبة الإقليمية

في تحول لافت يشي بمحاولة عزل المشهد التنزاني بالكامل عن أي تفاعل خارجي قد يكشف حجم التجاوزات المتصاعدة، بدأت الحكومة التنزانية في اتباع نهج تضييقي ممنهج يتجاوز قمع الأصوات المحلية ليطال الأطر الإقليمية التي تسعى إلى مراقبة الوضع السياسي وحقوق الإنسان في البلاد.

ظهر هذا المنحى بشكل جلي في تعامل الدولة مع محاكمة المعارض البارز توندو ليسو، حيث تعرّض عدد من الشخصيات السياسية والحقوقية القادمة من كينيا وأوغندا، وعلى رأسهم وزيرة العدل الكينية السابقة مارثا كاروا، لمضايقات تهدف إلى منعهم من حضور المحاكمة كمراقبين.

تكرَّسَ هذا النهج بشكل فاضح في مايو/أيار 2025، حين أقدمت السلطات التنزانية على اعتقال الناشط الكيني بونيفاس موانغي والناشطة الأوغندية أغاثر أتوهاير فور وصولهما إلى العاصمة دار السلام، دون توجيه أي تهم رسمية، واكتفت باحتجازهما في خطوة تعكس نية واضحة لحجب الداخل عن أي رقابة أو تضامن خارجيين.

تجلّت ملامح هذه السياسة بشكل واضح في الخطاب الرسمي للرئيسة سامية سولوهو حسن، التي خرجت في 19 مايو/أيار بخطاب متلفز حذّرت فيه صراحة من تدخل الناشطين الأجانب، وبشكل خاص القادمين من دول شرق أفريقيا، متهمة إياهم بالسعي إلى زعزعة استقرار تنزانيا. ولم يكن هذا التحذير مجرد موقف عابر، بل مثّل رسالة سياسية واضحة برفض أي رقابة إقليمية أو تفاعل خارجي. وقد عكس الخطاب توجهًا نحو تأطير أشكال التضامن الإقليمي باعتبارها تهديدًا للأمن الوطني، وتبرير سياسة الانغلاق، في لحظة كانت تستدعي انفتاحًا سياسيًا لا مزيدًا من القيود والتشدد.

تصاعد القمع الرقمي

شَددت الحكومة التنزانية من سيطرتها على الفضاء الرقمي، في سياق حملة أمنية أوسع لإحكام الرقابة على أدوات التعبير العام. ففي مايو/أيار، أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات إزالة أكثر من 80 ألف موقع إلكتروني وصفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، بزعم التصدي للمحتوى غير الأخلاقي. لكن حجم الحملة وتوقيتها أثارا شكوكًا واسعة، خصوصًا أن الاستهداف شمل منصات مستقلة وصفحات معارضة استخدمها النشطاء لتوثيق انتهاكات سياسية وأمنية.

رغم الادعاء الرسمي بوجود عطل في الكابلات البحرية، فإن تكرار هذه الأعطال في لحظات سياسية حساسة يدعم فرضية استخدامها كأداة تقييد متعمّدة لتدفق المعلومات

في العشرين من الشهر ذاته، أقدمت السلطات على حجب منصة "X" (تويتر سابقًا)، بعد ترويج منشورات وشائعات تتعلق بوفاة الرئيسة سامية سولوحو، وسط تزايد التفاعل الجماهيري والسخرية السياسية. وقد بررت الحكومة الحجب بوجود تهديدات سيبرانية، لكن مراقبين أشاروا إلى أن الخطوة جاءت في خضم تصاعد الحملات الرقمية المعارضة، التي استخدمت المنصة لتوثيق انتهاكات واعتقالات سياسية. وقد أعاد هذا الحجب للأذهان ما حدث في انتخابات 2020، حين فُرضت قيود مشابهة على الوصول إلى وسائل التواصل، ما يعزز الانطباع بوجود نمط متكرر من استخدام الرقابة الرقمية كوسيلة لإخماد التعبئة الشعبية قبيل الاقتراع.

في سياق موازِ، شهدت البلاد مع بداية العام الجاري، سلسلة من انقطاعات الإنترنت التي أثّرت على أكثر من 14 مليون مستخدم، وتسببت بخسائر اقتصادية تُقدَّر بـ1.4 مليون دولار، ورغم الادعاء الرسمي بوجود عطل في الكابلات البحرية، فإن تكرار هذه الأعطال في لحظات سياسية حساسة يدعم فرضية استخدامها كأداة تقييد متعمّدة لتدفق المعلومات.

يجدر الإشارة إلى أن عمليات التحكم بالمشهد الرقمي في تنزانيا لم تكن وليدة العام الجاري، بل سبقته تحركات حاسمة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، حين قررت هيئة تنظيم الاتصالات تعليق نشاط شركة "موانانشي كوميونيكيشنز"، المالكة لعدد من المنصات الإعلامية البارزة، مثل: "ذا سيتيزن" و"موانانشي ديجيتال"، لمدة ثلاثين يومًا، بسبب محتوى اعتبرته الدولة مهددًا للوحدة الوطنية. وكان السبب وراء الغضب الرسمي فيديو ساخر، يُظهر الرئيسة تتابع تقارير عن حالات اختفاء قسري.

تستند تلك السياسات القمعية في المحيط الرقمي على إطار قانوني مُصمم خصيصًا لتقييد حرية التعبير الرقمي، وعلى رأسه لائحة الاتصالات الإلكترونية والبريدية لعام 2017 وتعديلاتها في 2020، التي منحت هيئة الاتصالات صلاحيات شبه مطلقة لحجب المحتوى وملاحقة النشطاء دون رقابة قضائية فعالة.

تكشف الوقائع المتراكمة في تنزانيا أن ما وُصف يومًا ببداية إصلاح سياسي لم يكن سوى واجهة هشّة لسلطة تمارس القمع بأساليب متجددة. فمع اقتراب انتخابات 2025، تتضافر الاعتقالات السياسية، والتضييق على المجتمع المدني، والحصار الرقمي والإقليمي، لتؤسس لحالة من الانغلاق المتعمد، وتُقصي كل صوت معارض أو مراقب مستقل.

في ظل هذا المناخ، تبدو العملية الانتخابية المرتقبة محاطة بشكوك عميقة حول نزاهتها وجدواها، ما يضع مستقبل الديمقراطية في تنزانيا أمام مفترق حاسم، تتراجع فيه السياسة لصالح الأمن، ويُستبدل التعدد بالتكميم، تحت غطاء شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.