الثلاثاء 14 يوليو 2026
دشن القادة والمسؤولون الأفارقة في ضواحي العاصمة الغانية أكرا مسارا جديدا للتعاطي مع قضية العبودية وإرثها التاريخي، في خطوة تؤسس لحراك دبلوماسي ومؤسسي غير مسبوق داخل الاتحاد الأفريقي. جاء ذلك خلال مؤتمر رفيع المستوى عقد بين 17 و19 يونيو/حزيران الجاري في قلعة أوسو؛ الحصن الذي شيده الأوروبيون في القرن السابع عشر لإدارة تجارة الرقيق، والذي تحول اليوم إلى من رمز للمأساة التاريخية إلى منصة لصياغة الذاكرة السياسية المشتركة للقارة.
شهد المؤتمر حضورا دوليا لافتا بمشاركة ممثلين عن 80 دولة من أفريقيا ودول أمريكا اللاتينية ومختلف أقاليم العالم، بذلك يكون أول تكتل أممي واسع يلتئم منذ صدور قرار الأمم المتحدة التاريخي في مارس/آذار الماضي، الذي أقر أسس محددة للمصالحة وتعويض البلدان المتضررة، وصنف الاتجار بالأفارقة المستعبدين كأخطر جريمة ضد الإنسانية.
ينعقد المؤتمر بعد نحو 3 أشهر من انتصار دبلوماسي كبير حققته غانا عقب تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تبني مشروع قرار قدمته أكرا نيابة عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، يعترف بأن الاتجار الأفارقة المستعبدين، واستعبادهم العنصري شكل "الجريمة الأكبر والأخطر ضد الإنسانية". ليكون بذلك أول قرار في تاريخ المنظمة الممتد 80 عاما يخصص حصرا للعبودية وتجارة الرقيق عبر الأطلسي.
عكس مشهد التصويت على القرار، يوم 25 مارس/آذار الماضي، انقساما حاد في المواقف الدولية داخل قاعة الجمعية العامة المتحدة، فقد حظي القرار بتأييد 123 دولة، فيما عارضته ثلاث دول (الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين)، وامتناع 52 دولة عن التصويت، تتزعمها المملكة المتحدة وكافة أعضاء الاتحاد الأوروبي. سرعان ما برر الأوروبيون موقفهم في بيان اعتبر أن تجارة الرقيق "واحدة من أبشع المآسي في تاريخ البشرية"، لكنهم في المقابل يؤكدون على ما قد يثيره القرار من "مخاوف قانونية وواقعية" لا يمكن تجاهلها.
العدالة التعويضية لن تمنح طواعية، بل هي مسار نضالي يشبه الاستقلال السياسي، لذا يجب انتزاعها ومتابعتها وتحصينها بالعزم والوحدة
تاريخيا، تتبوأ البرتغال صدارة القوى الدولية التي دشنت هذه التجارة في القرن الخامس عشر، بفرض سيطرتها على خطوط الملاحة ونقل المستعبدين من سواحل غرب أفريقيا، لا سيما أنغولا. لاحقا، اتسعت المنظومة العابرة للأطلسي لتضم ست دول أوروبية رئيسية شكلت العصب الأساسي لهذا التجارة، وهي: بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا والدانمارك، قبل أن تنخرط الولايات المتحدة لاحقا في هذا المسار بعد استقلالها.
تكشف التقديرات التاريخية عن الحجم المهول لظاهرة الاختطاف والتهجير القسري العابر للأطلسي؛ إذ تشير الأرقام إلى أن نحو 12.5 مليون أفريقي تعرضوا للاختطاف، نجا منهم زهاء من 10 ملايين، استوطنوا مستعمرات في الأمريكيتين ومنطقة الكاريبي. وكانت الولايات المتحدة إحدى الوجهات الرئيسية لهؤلاء، فرغم أن النواة الأولى لمن وصلوا إليها منذ عام 1619 قدرت بنحو 400 ألف أفريقي، إلا أن التكاثر الطبيعي وتوارث الاستعباد عبر الأجيال أدى إلى تضاعف هذه الكتلة البشرية بشكل حاد، لتصل بحلول عام 1860 إلى نحو أربعة ملايين مستعبد.
في السياق ذاته، أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) في 28 مايو/آيار الماضي مشروع قانون يرمي إلى إلغاء المرسوم الأسود (Code Noir)، الذي أصدره الملك لويس الرابع عشر عام 1685 لتقنين العبودية وتنظيم أوضاع المستعبدين في المستعمرات الفرنسية، عبر تجريد البشر من إنسانيتهم وتحويلهم إلى سلع تباع وتشترى وتستغل قسرا. يذكر أن فرنسا ثالث أكبر قوة لتجارة الرقيق في أوروبا بعد بريطانيا والبرتغال، إثر قيامها بتهجير وشحن ما يقرب 1.5 مليون أفريقي بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر لتزويد مزارعها بالعمالة القسرية.
أول تكتل أممي واسع يلتئم منذ صدور قرار الأمم المتحدة التاريخي في مارس/آذار الماضي، الذي أقر أسس محددة للمصالحة وتعويض البلدان المتضررة، وصنف الاتجار بالأفارقة المستعبدين كأخطر جريمة ضد الإنسانية
وقبل ذلك، وخلال زيارته إلى أفريقيا، أكد البابا ليو الرابع عشر الاعتذار باسم الفاتيكان، جراء الدور التاريخي للكنيسة في إضفاء الشرعية الدينية والغطاء الأخلاقي على ممارسة العبودية لقرون مضت. لم يقتصر هذا الاعتذار الجريء على الاعتراف بالذنب الفكري والمؤسسي فحسب، بل امتد ليشمل أيضا إقرارا صريحا وتأخرا غير مبرر من قِبل الحبر الأعظم في إدانة هذه الممارسات اللاإنسانية، مما يفتح الباب أمام مراجعات تاريخية عميقة لعلاقة الدين بحقوق الإنسان.
أكدت مداولات مؤتمر أكرا تحولا نوعيا في المقاربة الأفريقية لملف التعويضات، متجاوزة مرحلة التنديد الخطابي نحو البحث في آليات التنفيذ. وقد شكلت تصريحات الرئيس الغاني، جون دراماني ماهاما، ركيزة تحليلية مهمة، إذ دعا إلى تخطي الصيغ الرمزية للاعتراف بالماضي، والتركيز بدلا من ذلك على صياغة إطار هيكلي وممنهج لعدالة التعويضات؛ باعتباره السبيل الوحيد لتحويل التعهدات والقرارات الدولية إلى مكتسبات عملية ومستدامة للقارة.
يأتي التحرك الأفريقي الراهن مستندا إلى تراكمات سياسية وقانونية ممتدة، مند إعلان أبوجا عام 1993، الذي مثل النواة الأولى للمطالبة بالتعويضات عن الاستعمار وتجارة الرقيق عبر الأطلسي. وما أعقبها من محطات كانت آخرها قمة الاتحاد الأفريقي لعام 2025 المنعقدة تحت شعار "العدالة من أجل الأفارقة والمنحدرين من أصول أفريقية عن طريق التعويضات"، وذلك من أجل الانتقال نحو صياغة "الخطوات التالية" لتفعيل القرار الأممي الأخير بشأن الاتجار بالأفارقة المستعبدين، في محاولة استراتيجية لنقل ملف التعويضات من الفضاء النظري والرمزي إلى أطر عمل مؤسسية وملموسة.
في خطوة مؤسسية تهدف إلى تحويل الخطاب السياسي إلى آليات ضغط دولية، وصياغة جبهة موحدة تحت مظلة الاتحاد الأفريقي من أجل انتزاع العدالة والإنصاف للمتضررين من إرث الاستعمار والعبودية
اتسم خطاب الرئيس الغاني بالصراحة والمكاشفة، فقد واجه المشاركين بحقيقة أن "العدالة التعويضية لن تمنح طواعية، بل هي مسار نضالي يشبه الاستقلال السياسي، لذا يجب انتزاعها ومتابعتها وتحصينها بالعزم والوحدة". وفي قراءة واقعية للمشهد أشار إلى أنه وبالرغم من افتقار القرار الأممي للإلزام القانوني، فهو يمنح أفريقيا الشجاعة الأخلاقية والسياسية لوضع القوى الاستعمارية السابقة أمام مسؤولياتها التاريخية، ذلك أن "الاعتراف يخلق المسؤولية، والآثار المستمرة لهذا التاريخ لا تزال تفرض انخراطاً دولياً منسقاً ومستداما".
في خطوة عملية نحو مأسسة هذا المسار، أقر المؤتمر خارطة طريق أكرا عبر وثيقة مرجعية تألفت من 46 فقرة، تضع خمسة أهداف استراتيجية محورية. وتعدى المؤتمر الجانب النظري نحو مأسسة العمل التنفيذي عبر التوافق على تشكيل ثلاث لجان دولية متخصصة، وهي: لجنة استشارية للعدالة التعويضية، ولجنة خبراء لاستعادة الآثار الثقافية، ولجنة قانونية للعدالة التعويضية، ولضمان استدامة هذا الحراك وتزمين غطائه الجيوسياسي تم إقرار تأسيس منتدى تشاوري سنوي يهدف إلى الحفاظ على الزخم السياسي والمساءلة.
شكلت قمة غانا انعطافة استراتيجية حاسمة في مسار النضال القاري، إذ دُشّنت كمنطلق للمرحلة الأولى في معركة ممتدة من أجل العدالة التاريخية؛ تلك العدالة التي يؤكد القادة الأفارقة أنها حق أصيل لا يسقط بالتقادم ولا تنتهي صلاحيته بمرور الزمن. وتتجسد هذه الرؤية عمليا في إعلان الاتحاد الأفريقي العشرية المقبلة (2026-2035) "عقدا للتعويضات"، في خطوة مؤسسية تهدف إلى تحويل الخطاب السياسي إلى آليات ضغط دولية، وصياغة جبهة موحدة تحت مظلة الاتحاد الأفريقي من أجل انتزاع العدالة والإنصاف للمتضررين من إرث الاستعمار والعبودية.
إن مسار انتزاع التعويضات يواجه عقبات هيكلية معقدة، إذ تحاول القوى الاستعمارية والمستفيدة من الحقبة الماضية البقاء في منطقة رمادية تفصل بين الاعتراف الخجول ببشاعة الممارسات التاريخية وبين التهرب من تحمل المسؤولية القانونية والمادية المترتبة عليها. مقدمة ذلك أكثر من دفع لرفض التعويض، حيث يتذرع بعضها بعدم وجود أثر رجعي للقانون الدولي ينطبق على أضرار تاريخية وقعت في زمن لم تكن فيه تلك الأفعال مجرمة بموجب المواثيق الدولية آنذاك. في المقابل، تذهب قوى أخرى إلى صبغ المطالبات الأفريقية بـ"الانتهازية السياسية"، واصفة إياها بأنها مجرد محاولة لإعادة توزيع الموارد الحديثة على دول وأفراد لا تربطهم صلة مباشرة وضمنية بضحايا التاريخ الحقيقيين.