الأحد 7 يونيو 2026
أعلنت السلطات في جنوب السودان عن وقوع حادث تحطم طائرة مأساوي أسفر عن مقتل جميع ركابها وأفراد طاقمها، بعد سقوطها بوقت قصير من إقلاعها أو أثناء محاولتها الهبوط في منطقة نائية. وقد هرعت فرق الإنقاذ وقوات الأمن إلى موقع الحطام، لتؤكد عدم وجود أي ناجين من الحادث، مما خيّم بحالة من الحزن العميق على البلاد وأعاد إلى الأذهان التحديات الجسيمة التي يواجهها قطاع الطيران المحلي.
أشارت التقارير الأولية إلى أن الطائرة، التي كانت تُستخدم لنقل الركاب والبضائع في المناطق التي يصعب الوصول إليها برياً، تعرضت لعطل فني مفاجئ أو ظروف جوية سيئة أدت إلى فقدان السيطرة عليها. وقد بدأت هيئة الطيران المدني في جنوب السودان بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة لجمع الحطام وتحليل البيانات المتاحة، في محاولة لتحديد الأسباب الدقيقة التي أدت إلى سقوط الطائرة وتفككها عند الارتطام.
يأتي هذا الحادث ليسلط الضوء مجدداً على سجل السلامة الجوية في جنوب السودان، حيث تكررت حوادث سقوط الطائرات خلال السنوات الأخيرة. ويرى خبراء الطيران أن تقادم أسراب الطائرات المستخدمة، ونقص الصيانة الدورية، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية في المطارات الإقليمية، كلها عوامل تساهم في وتواجه شركات الطيران الخاصة في البلاد ضغوطاً متزايدة للالتزام بالمعايير الدولية، وسط مطالبات شعبية بضرورة تحديث القوانين المنظمة للطيران المدني وتشديد الرقابة التقنية على كافة الرحلات الداخلية.
يُعد حادث سقوط الطائرة الأخير حلقة في سلسلة مأساوية من الكوارث الجوية التي ضربت جنوب السودان خلال السنوات الماضية، مما يبرز التحديات البنيوية العميقة في قطاع الملاحة الجوية. ففي مطلع عام 2025، اهتزت ولاية الوحدة على وقع تحطم طائرة كانت تقل 21 شخصاً، سقطت بعد إقلاعها من أحد الحقول النفطية في شمال البلاد، مما أسفر عن مقتل 18 شخصاً وإصابة البقية بجروح خطيرة، في واقعة أعادت فتح ملف سلامة الرحلات المتوجهة إلى مناطق الإنتاج النفطي.
لم تكن المطارات الرئيسية بمعزل عن هذه الفواجع؛ إذ شهد مطار جوبا الدولي في أواخر عام 2021 حادثة تحطم طائرة شحن صغيرة من طراز "أنتونوف-26" تديرها شركة محلية. الطائرة التي سقطت بعد لحظات وجيزة من إقلاعها أودت بحياة خمسة أشخاص كانوا على متنها، مما دفع السلطات حينها إلى إطلاق تحقيقات موسعة حول كفاءة طائرات الشحن المتهالكة التي لا تزال تعمل في الأجواء السودانية الجنوبية رغم التحذيرات الدولية.
في العام نفسه، شهدت ولاية جونجلي كارثة أخرى عندما تحطمت طائرة ركاب، ما أدى إلى مصرع 10 أشخاص في حادث مفاجئ عكس صعوبة العمليات الجوية في الولايات الإقليمية. وتكرر المشهد ذاته في عام 2020، حين سقطت طائرة شحن كانت متجهة من العاصمة جوبا إلى ولاية بحر الغزال، حيث اشتعلت فيها النيران عقب ارتطامها بالأرض وسمع دوي انفجارات في الموقع، مما تسبب في وفاة أربعة أشخاص وتدمير الشحنة بالكامل.
تشترك معظم هذه الحوادث في قواسم زمنية وتقنية لافتة، حيث تقع أغلبها في الدقائق الأولى من الإقلاع، مما يشير إلى مشاكل مزمنة في صيانة المحركات أو أحمال الطائرات الزائدة. كما أن تكرار سقوط طائرات الشحن والركاب في مناطق مختلفة من البلاد، من "الوحدة" شمالاً إلى "جونجلي" شرقاً و"بحر الغزال" غرباً، يثبت أن الأزمة ليست جغرافية فحسب، بل هي أزمة معايير رقابية شاملة تفشل في ضبط نشاط الشركات المحلية المشغلة لهذه الرحلات.
تضع هذه الحصيلة الثقيلة من الأرواح المفقودة قطاع الطيران المدني أمام مسؤولية تاريخية لتحديث القوانين وفرض رقابة صارمة على الطائرات القديمة. وبينما تستمر التحقيقات في كل حادثة على حدة، يظل الرأي العام بانتظار حلول جذرية تنهي حقبة "طائرات الموت" وتضمن سلامة المسافرين في بلد يعتمد على الأجواء كشريان أساسي للتنقل والإمداد في ظل وعورة الطرق البرية وضيق خيارات النقل البديلة.