الجمعة 6 مارس 2026
تواجه منطقة القرن الأفريقي أخطر موجة من الأزمات الإنسانية المركّبة في تاريخها الحديث، مدفوعةً بتشابك الصراعات المسلحة، وتفاقم آثار التغير المناخي، وهشاشة الدولة الوطنية في العديد من بلدانها. وقد أضحى هذا التداخل المعقّد للأزمات مصدر تهديد متزايد للاستقرار الإقليمي، مع بروز النزوح الجماعي كأحد أبرز ملامحه.
أفادت المنظمة الدولية لشؤون اللاجئين بأن أعداد النازحين في منطقة القرن الأفريقي ارتفعت إلى 20.75 مليون شخص بحلول مطلع عام 2025، مقارنة بـ 20.42 مليون في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ويُعزى هذا الارتفاع بالأساس إلى تصاعد النزوح الداخلي في السودان. ووفقًا للمنظمة ذاتها، فقد شهد السودان زيادة بلغت 340 ألف نازحًا داخليًا نتيجة استمرار الصراع المسلّح في عدد من الولايات، إلى جانب تداعيات الأمطار الغزيرة والحرائق التي فاقمت الأوضاع الإنسانية في بعض المناطق.
يتصدّر السودان قائمة الدول الأكثر تضررًا من النزوح الداخلي، إذ بلغ عدد النازحين نحو 11.6 مليون شخص منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، في يوليو/تموز 2023، في واحدة من أكبر أزمات النزوح على مستوى العالم. ويُقدَّر أن نحو 5.7 مليون منهم بحاجة ماسة إلى مساعدات في مجال المأوى. يتركز معظم الفارين في إقليمي دارفور والخرطوم، حيث فرّ نحو 57٪ من إجمالي النازحين من الخرطوم وحدها، نتيجة القصف العشوائي والاقتتال.
شكّل انعدام الأمن بسبب استمرار النزاع المسلح بين الحكومة الفيدرالية وحركة الشباب السبب الرئيسي في هذا النزوح بنسبة 68٪، تليه موجات الجفاف بنسبة 27٪، في تأكيد على التداخل الخطير بين التغير المناخي والتهديدات الأمنية
رغم فداحة الكارثة في السودان، ظل الموقف الدولي باهتًا وضعيف الاستجابة، إذ فشلت المساعي في وقف التصعيد العسكري، في وقت امتدت فيه تداعيات الأزمة إلى دول الجوار، مع لجوء أكثر من 4 ملايين سوداني إلى الخارج، لا سيما إلى تشاد وجنوب السودان ومصر، التي تستضيف وحدها قرابة 1.5 مليون لاجئ سوداني.
بالانتقال إلى الصومال، نجدها تعيش واحدة من أكثر أزمات النزوح الداخلي تعقيدًا في القرن الأفريقي، حيث يُقدَّر عدد المتأثرين بها بنحو 3.9 ملايين نازح داخلي. تعود هذه الأزمة المركبة إلى التقاء عوامل مناخية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد. في مايو/أيار 2025، تعرّضت البلاد لموجة جديدة من الأحوال الجوية القاسية، حيث شهدت العاصمة مقديشو هطول أمطار غزيرة قاتلة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصًا، وتضرر نحو 16 ألف نازح، إضافة إلى دمار كبير طال الملاجئ والبنية التحتية، ما فاقم أوضاعًا إنسانية مأساوية أصلًا.
في يناير/كانون الثاني 2025، رصدت شبكة الحماية والحلول التابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة، 30 ألف حالة نزوح داخلي جديدة في الصومال. وقد شكّل انعدام الأمن بسبب استمرار النزاع المسلح بين الحكومة الفيدرالية وحركة الشباب السبب الرئيسي في هذا النزوح بنسبة 68٪، تليه موجات الجفاف بنسبة 27٪، في تأكيد على التداخل الخطير بين التغير المناخي والتهديدات الأمنية.
في السياق ذاته، تُعد إثيوبيا وجنوب السودان من بين دول الإقليم المتضررة من أزمات النزوح المرتبطة بالنزاعات والتغيرات المناخية. ففي إثيوبيا، أفادت تقارير المنظمة الدولية للهجرة بوجود نحو 3.45 مليون نازح داخلي، يُعزى 64٪ منهم إلى النزاعات المسلحة، لا سيما في إقليمي تيغراي وأوروميا، بينما يُعزى 17٪ إلى آثار الجفاف. أما في جنوب السودان، فقد أدت تجدد الاشتباكات بين الحكومة والمعارضة إلى نزوح نحو 1.8 مليون شخص، من بينهم 125 ألفًا خلال الربع الثاني فقط من عام 2025، ما يكرّس هشاشة الدولة، ويؤكد تعثّر جهود السلام.
كما لعبت ظاهرة النينيو دورًا بارزًا في تعميق الكوارث المناخية بالمنطقة، حيث ضاعفت من شدة الظواهر الجوية، وأدّت إلى تضرّر أكثر من 2.8 مليون شخص من الأمطار الغزيرة في الصومال والسودان وإثيوبيا وجنوب السودان، في حين استمر الجفاف في فرض تداعياته الكارثية على أكثر من 50 مليون شخص في القرن الأفريقي، متسببًا في نزوح داخلي لما لا يقل عن 2.71 مليون شخص.
بالإضافة إلى ذلك، تستضيف منطقة شرق أفريقيا، حتى 31 مايو/أيار 2025، نحو 5.8 مليون لاجئ وطالب لجوء، تتمركز الغالبية العظمى منهم في أوغندا بنحو 1.9 مليون، تليها إثيوبيا بمليون، ثم كينيا بنحو 853 ألفًا، فالسودان بحوالي 841 ألفًا. في المقابل، لا يتجاوز عدد اللاجئين في الصومال 40 ألف لاجئ. وينحدر معظم هؤلاء من دول الجوار التي تشهد أزمات مزمنة، سواء نتيجة النزاعات المسلحة أو الأوضاع المتدهورة.
في ظلّ هذا التدهور المناخي المتسارع، تتفاقم أزمة الغذاء بوصفها أحد أبرز المحرّكات غير المباشرة للنزوح الجماعي، فبحسب تقرير مشترك صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، يبلغ عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي في منطقة القرن الأفريقي نحو 66.9 مليون شخص بنهاية يناير/كانون الثاني 2025، مقارنة بـ67.4 مليون شخص في ديسمبر/كانون الأول 2024. ويُعزى هذا التراجع الطفيف إلى تحسن نسبي في موسم الزراعة الأخير، رغم بقاء المؤشرات الإجمالية مقلقة.
نحو 4.6 مليون شخص في الصومال مهددون بانعدام حاد في الأمن الغذائي بحلول موسم الجفاف. وتُظهر التقديرات أن حوالي 40٪ من هؤلاء، أي نحو 1.7 مليون شخص، قد نزحوا داخليًا بالفعل نتيجة تفاقم الأوضاع
يشير التقرير ذاته، إلى أن نحو 38 مليون شخص في الدول الأعضاء بإيغاد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة التدهور المستمر في الأوضاع السياسية والأمنية، وتصاعد وتيرة النزاعات المسلحة، التي أسفرت عن حرمان السكان من مصادر دخلهم الرئيسية. كما تسجل دول منطقة الإيغاد أكثر من 29 مليون نازح، فرّوا من بؤر الصراع أو تأثروا بشكل مباشر بتداعيات التغيرات المناخية المتكررة.
يأتي هذا التدهور المتسارع في وقت يعاني فيه أكثر من 25 مليون شخص في دول القرن الأفريقي من فقدان القدرة على الوصول إلى مياه شرب آمنة، نتيجة انهيار البنية التحتية في عدد من الدول، خصوصًا في المناطق الريفية والحدودية.
علي صعيد متصل، أشار تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) إلى أن نحو 4.6 مليون شخص في الصومال مهددون بانعدام حاد في الأمن الغذائي بحلول موسم الجفاف القادم (أكتوبر – ديسمبر 2025). وتُظهر التقديرات أن حوالي 40٪ من هؤلاء، أي نحو 1.7 مليون شخص، قد نزحوا داخليًا بالفعل نتيجة تفاقم الأوضاع.
أما في السودان، يواجه نحو 24.6 مليون شخص انعدامًا غذائيًا، بينهم 637 ألفًا في حالة مجاعة فعلية حتى مايو/أيار 2025، ما يُنذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة. وفي جنوب السودان، تفيد التقارير بأن 57٪ من السكان، أي نحو 7.7 مليون شخص، يعانون من أزمة غذائية حادة، من بينهم 63 ألفًا يصارعون الموت في ظل مؤشرات مجاعة وشيكة.
كما تُفاقم أزمة التمويل هذا الوضع المتدهور، وتكشف عن عجز واضح في الاستجابة الدولية. إذ يعتمد نحو 23 مليون شخص في القرن الأفريقي على المساعدات الغذائية، في وقت اضطر فيه برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص عدد المستفيدين من مساعداته في الصومال من 2.2 مليون شخص عام 2024، إلى 820 ألف فقط في عام 2025، أي أقل من 18٪ من إجمالي من يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وحذّر خبراء من أن خفض المساعدات من قبل دول كبرى، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يؤدي إلى موت الناس جوعًا في أنحاء العالم.
في موازاة النزوح الداخلي، تتفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر البحر الأحمر، ففي يونيو/حزيران الجاري، وقع حادث مأساوي قبالة السواحل الجيبوتية، أودى بحياة ثمانية مهاجرين، فيما فُقد 22 آخرون، بعدما أُجبر نحو 150 مهاجرًا على القفز من قارب كان يقلّهم باتجاه السواحل اليمنية. واضطر المهاجرون إلى السباحة نحو الشاطئ، في واحدة من أكثر حوادث التهريب المروعة التي وثّقتها المنظمة الدولية للهجرة مؤخرًا. وتمكّنت فرق الإنقاذ من العثور على بعض الناجين، بينما لا يزال آخرون في عداد المفقودين.
يعمد المهربون في كثير من الأحيان، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، إلى إجبار المهاجرين على القفز من القوارب لتفادي رصدهم من قبل الدوريات البحرية، ما يحوّل الرحلة إلى فخ قاتل في قلب البحر. وتُعد هذه الحادثة جزءًا من مسار طويل من المآسي التي يشهدها البحر الأحمر، إذ سُجّلت منذ بداية العام الحالي وفاة 272 مهاجرًا على طول طرق الهجرة في هذه المنطقة.
يُعتبر طريق الهجرة عبر البحر الأحمر من القرن الأفريقي إلى شبه الجزيرة العربية واحدًا من أكثر مسارات الهجرة ازدحامًا وخطورة في العالم، وفق تصنيف المنظمة الدولية للهجرة. وتقدّر الوكالة الأممية أن هذا الممر الحيوي يشكّل نحو 40٪ من حركة الهجرة العالمية، ويمثل شريانًا رئيسيًا للهجرة غير النظامية من دول مثل إثيوبيا والصومال مرورًا بجيبوتي، وصولًا إلى السواحل اليمنية.
رغم الانخفاض في أعداد المهاجرين الوافدين إلى اليمن، والذي وثّقته المنظمة الدولية للهجرة عام 2024 بوصول نحو 61 ألف مهاجر مقارنة بـ97 ألفًا في 2023، نتيجة لتكثيف الدوريات البحرية، إلا أن الأرقام لا تزال مقلقة. ولا يزال اليمن يستضيف قرابة 380 ألف مهاجر، بينما اختفى على امتداد العقد الأخير حوالي 2082 مهاجرًا أثناء عبورهم هذا الطريق، بينهم 693 قضوا غرقًا، ما يسلّط الضوء على المخاطر الجسيمة المرتبطة بعبور البحر الأحمر.
يعمد المهربون في كثير من الأحيان إلى إجبار المهاجرين على القفز من القوارب لتفادي رصدهم من قبل الدوريات البحرية، ما يحوّل الرحلة إلى فخ قاتل في قلب البحر
تبرز خطورة الأوضاع أكثر مع حادثة 27 أبريل/نيسان 2025، التي أسفرت عن مقتل عشرات المهاجرين جراء غارة جوية أمريكية، استهدفت مركز احتجاز شمال اليمن. وعلى الرغم من غياب التفاصيل الكاملة للعملية، إلا أن الحادثة كشفت هشاشة أوضاع مراكز الاحتجاز التي تخضع لسيطرة جماعات مسلحة، وتفتقر لأدنى المعايير الإنسانية.
لا تقتصر الانتهاكات عند الأراضي اليمنية، إذ أشار تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن المهاجرين الذين يحاولون عبور الحدود باتجاه السعودية يتعرضون لانتهاكات جسيمة، من بينها إطلاق النار العشوائي، وقصف مجموعات منهم بقذائف الهاون، وهي ممارسات وصفتها المنظمة بأنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
في السياق ذاته، أفاد المقرر الخاص للأمم المتحدة بأن المنظمة تلقت تقارير تفيد بمقتل نحو 430 مهاجرًا بشكل ممنهج على الحدود السعودية، وذلك في ما لا يقل عن 16 حادثة بين 1 يناير/كانون الثاني و30 أبريل/نيسان 2022.
في حادثة أخرى أثارت جدلًا واسعًا، شهدت جيبوتي، في أواخر مايو/ أيار 2025، حادثة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والحقوقية، بعدما أقدمت السلطات الأميركية على احتجاز ثمانية مُرحّلين و13 ضابطًا مرتبطين بوكالة الهجرة والجمارك (ICE)، داخل حاوية معدنية ضمن منشآت قاعدة ليمونير العسكرية، الواقعة في جيبوتي. جاء ذلك عقب قرار صادر عن القضاء الفيدرالي الأميركي قضى بوقف ترحيلهم إلى جنوب السودان، مما أظهر تناقضًا جوهريًا بين السلطة القضائية والتنفيذية في الولايات المتحدة. وقعت حادثة الاحتجاز وسط ظروف مناخية قاسية، تميزت بارتفاع درجات الحرارة داخل الحاوية، وانعدام التهوية والرعاية الصحية الأساسية، ما وصفه مراقبون بأنه معاملة لاإنسانية، تنطوي على انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
في ضوء ما تقدّم، تبدو منطقة القرن الأفريقي وكأنها تقف على فوهة بركان إنساني متعدّد الأوجه، حيث تتشابك النزاعات المسلحة مع التغيرات المناخية، ويتفاقم النزوح الجماعي في ظلّ هشاشة دولية متصاعدة في الاستجابة للأزمات. وبينما يتجاوز عدد المتأثرين بالأمن الغذائي والمائي عشرات الملايين، وتتعاظم معاناة اللاجئين والمهاجرين عبر أخطر طرق الهروب، تظل الجهود الإغاثية قاصرة، والحلول السياسية بعيدة المنال.