تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 16 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

نور الدين فارح: يمكنني العيش دون كتبي.. إنها تصنع أصدقاءها بنفسها

21 يوليو, 2025
الصورة
نور الدين فارح:  يمكنني العيش دون كتبي.. إنها تصنع أصدقاءها بنفسها
Share

استقبلني الروائي الصومالي الكبير نور الدين فارح، في شقة متواضعة تطل على جبل الطاولة في كيب تاون. كنت قد وصلت للتو بسيارة أوبر إلى المبنى المصمم على طراز الآرت ديكو. وعندما لمحني من شرفته، قال بهدوء: "سأنزل لأفتح لك الباب".

كان يرتدي بنطال جينز وقميصًا فضفاضين، وحذاءً جلديًا خفيفًا. بدا نحيفًا، لكنه مهيب الحضور. عرض مساعدتي في حمل الحقيبة الثقيلة إلى الطابق العلوي، فشكرته ورفضت بلطف. في الداخل، شقة صغيرة وفوضوية بعض الشيء، مكتظة بالكتب والذكريات، ومطبخ، وغرفة نوم، وامتداد ما يزال قيد الترتيب.

حجز فارح، على مدار ستة عقود، لنفسه مكانًا مرموقًا في الأدب العالمي. هو أحد أبرز من يُرشَّحون بانتظام لنوبل في الآداب، لكن ما يميزه ليس فقط إنجازه الأدبي، بل نظرته العميقة لهويته، لوطنه وللعالم.

ولد فارح عام 1945 في مدينة بيدوة، إبّان الحكم الإيطالي للصومال. يعيش في منفاه منذ 1976، بعد أن علم بأن عودته من إيطاليا قد تؤدي به إلى السجن، بسبب انتقاده العلني لنظام محمد سياد بري في روايته "إبرة عارية".

يقول: "الهوية الصومالية هي الشيء الوحيد الذي أبقاني مستمرًا". غير أنه يضيف ساخرًا: "بعض الصوماليين يرونني غير صومالي تمامًا بسبب طريقتي في التفكير. أنا أقسم العالم إلى صوماليين وغير صوماليين، مثلما قسمه اليونانيون إلى يونانيين وهمج".

يمكنني أن أعيش دون كتبي... هي تصنع صداقاتها بنفسها، وهناك من يحب كتبي أكثر مني

يكتب دائمًا "Mogadiscio" — تهجئة إيطالية لمقديشو — بسبب افتقار آلته الكاتبة لحرف "h". هذا التمسك بالتفاصيل يحمل رمزية عميقة لأسلوبه، الذي يمزج بين السخرية والحنين.

فارح ليس من أولئك الذين يسكنون الذكريات فحسب، بل يواجه الواقع المعقّد. فهو علماني راديكالي، يرفض سلطة الدين على الأفراد، ولا يخفي استياءه من "الامتثال القسري" داخل المجتمعات الصومالية، بدءًا من الأسرة وحتى الدولة.

قال لي، ونحن نتناول غداءً ارتجاليًا أعدّه مسبقًا من عدس وفطر وسلطة: "الصومالي يُجبر على احترام كل شيء - الكبار والدين والتقاليد - إلى حد فقدان صوته كفرد". ثم يرفع شوكته ويضيف: "وجهة نظري هي أن الإنسان يولد حرًا، ولذلك يجب أن يبقى حرًا".

موقفه من الحرية يمتد إلى رفضه التسامح مع المتعصبين. "أنا متسامح جدًا، إلا مع من يحاولون فرض شيء عليّ". تصريح لا يخلو من نكهة غروتشو ماركس، الذي قال: "لن أنضم إلى نادٍ يقبل بي عضوًا".

يروي فارح، ساخرًا، كيف رفض ناشر ياباني ترجمة كتبه لأنها "لا تبدو أفريقية بما فيه الكفاية". قال له الناشر: "لم يكن هناك قرع طبول كافٍ". هذه العبارة تلخص معركته الطويلة مع الصور النمطية، ومع أولئك الذين يربطون أفريقيا بالغرائبية، لا بالفكر المعقّد.

فارح، الذي تلقى تعليمه باللغات الصومالية والعربية والإنجليزية والإيطالية لا يرى الأفريقية قالبا جاهزا، بل صيرورة متغيرة، يعيشها الأفراد يوميًا.

ورغم أن معظم رواياته تدور في الصومال، فإن ثلاثيته الأخيرة تنتقل بين نيروبي وأوسلو وكيب تاون. في "شمال الفجر" (2018)، يستعرض فارح تمزق الهويات لدى الجيل الثاني من المهاجرين الصوماليين في أوروبا.

أحد الأبناء ينضم لحركة الشباب، بينما تتمسك ابنته بالحجاب لدرجة رفض حزام الأمان. في المقابل، امرأة أخرى تُقيم علاقات متعددة لتلبي احتياجاتها "الفكرية والجمالية والجنسية". يقول فارح: "هذا الصراع داخل الأسرة هو انعكاس لصراع أوسع في المجتمع".

هذه العبارة تلخص معركته الطويلة مع الصور النمطية، ومع أولئك الذين يربطون أفريقيا بالغرائبية، لا بالفكر المعقّد

هذا التوتر حاضر في كل كتاباته: بين الشرق والغرب، الفرد والجماعة، الحداثة والتقليد. وهو، رغم كل هذه التناقضات، يرفض تمامًا المبالغة في الرومانسية أو في الهجوم.

حين كتب أول نص شعري كان عمره 8 سنوات، بديلًا عن قصيدة نسيتها والدته؛ شاعرة شعبية كانت تؤلف للمناسبات. يقول ضاحكًا: "استبدلت الأبيات المنسية بكلماتي. سألتني: هل كانت جيدة؟ قلت: نعم. فقالت: إذًا استمر".

هذا التشجيع البسيط كان كافيًا لتشعل شرارة الإبداع. فارح لا يزال يكتب بخط يده باستخدام أقلام ملونة، ثم يردد النصوص بصوت عالٍ؛ عادة لم يتخلَّ عنها حتى اليوم. "من حسن حظي أنني أعيش وحدي"، يعلق مازحًا، "وإلا لظنني الناس مجنونًا".

فارح لا يستطيع الكتابة دون كتب من حوله. "في نيويورك، كنت في شقة خالية تمامًا. لم أستطع كتابة سطر. بعدها، جاءت وكيلتي بـ150 كتابًا. فقط عندها عادت الكلمات".

لكن هذا التعلق لا يمنعه من الانفصال عنها عند اكتمالها. يقول: "الكتب تصنع أصدقاءها بنفسها. تخرج للعالم وتحاور كتبًا أخرى. هناك من يحب كتبي أكثر مني". وما الذي يفعله حينها؟ "أبدأ في كتابة كتاب جديد"، يجيب مبتسمًا.

حين يُسأل عن مقديشو، تتوهج عينيه. يصفها كما كانت في الستينيات: "مدينة كوزموبوليتية رائعة. كان بإمكانك السير من حي لآخر عند الثالثة صباحًا دون خوف. كانت الحفلات مختلطة، والناس ينامون في نفس الغرفة ببراءة إذا تأخروا في العودة".

في رواياته، ينتقد فارح التغيرات الاجتماعية التي فرضتها الأصولية، دون أن يتخلّى عن قسوته النقدية. الحجاب يصبح "خيمة"، والرجال أكثر هوسًا بالجنس في ظل الرقابة. وعندما سألته عن رأيه بتصريحات بوريس جونسون عن النقاب، قال ضاحكًا: "بصفتي صوماليًا، يمكنني قول ذلك".

الكتب تتحدث إلى بعضها البعض. والقارئ هو من يكتشف هذا الحوار الخفي بين النصوص

هل يمكن أن تعود الصومال الليبرالية؟ "نعم"، يجيب بلا تردد، "هذا الجيل المتدين سيموت. وستظهر أجيال أقرب إلى أفكاري مجددًا".

عاش فارح في أكثر من 13 دولة، من الهند إلى ألمانيا، ومن الولايات المتحدة إلى نيجيريا. لكنه يجد راحته في أفريقيا. "أنا، نور الدين، ساعدني العالم الذي وجدت نفسي فيه"، يقول. "هنا أشعر بالانتماء".

ورغم الوحدة التي قد يعيشها - "أقضي أيامًا دون أن يرن الهاتف" - يجد في العزلة فرصة للكتابة والتأمل. يعيش اليوم في شقة صغيرة، بعد أن انفصل عن زوجته السابقة، وانتقل أولاده إلى كاليفورنيا.

يواصل التدريس في كلية بارد بنيويورك، لكنه في إجازة أكاديمية. لا يخطط لما بعد، ويعيش كما يكتب: ببساطة، وعمق.

قُتلت شقيقته، موظفة اليونيسف، على يد طالبان في أفغانستان. ورغم أن روايته الاختباء على مرأى من الجميع كانت قد كُتبت قبل الحادث، فإن تشابه الأحداث أوجعه. "شعرت وكأنني قتلتها بإرادتي"، قال بأسى.

لكن الأدب، كما يبدو، يظل ملاذه الأخير. في نهاية اللقاء، قدم لي فنجانًا من القهوة الكينية، وقطع حبة مانجو من ديربان. كانت تلك المانجو - بنكهتها الحامضة والعصيرية - رمزًا بسيطًا للحنين، للمنفى، وللمذاق الذي لا يمكن نسيانه.

نور الدين فارح لا يزال يكتب. ولا يزال يحلم. وربما، لا يزال يبحث عن صومالٍ يمكنه العودة إليه - ولو في كتبه.

 

المقال الأصلي: هنا