تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

نور الدين فارح: عدّاء ما زال في الطريق

15 ديسمبر, 2024
الصورة
Getty Images
Share
الأكاديمي الصومالي علي مؤمن أحد يجري مقابلة مع الكاتب الصومالي البارز والفائز بجوائز عدّة نور الدين فارح حول الحرب الأهلية الصومالية وعمله ككاتب والتحديات التي يواجهها اللاّجئون الصوماليون.

سُجلت هذه المقابلة مع نور الدين فارح في 12 من مارس/ آذار 2005، خلال المؤتمر الدولي "I confini della scrittura" الذي نظمته جامعة روما "La Sapienza". وقد نُشِرت المقابلة، التي تُرجمت الآن إلى اللغة العربيّة لأول مرة، باللغة الإيطالية في عدد خاص من مجلة "Pulp Libri" في عام 2005. 
تتناول المقابلة، التي أجريت باللغة الصومالية، العديد من القضايا المتعلقة بكتابات نور الدين فارح. أحاول، على وجه الخصوص، أن استكشف مع الكاتب ما تنطوي عليه بعض الخصائص المهمة للغاية التي تحتويها أعماله، وخاصة ثلاثية "تنويعات على ثيمة الديكتاتورية الأفريقية"، التي تضم "حليب حلو وحامض" (1979)، و"السردين" (1981)، و"اغلق يا سمسم" (1983). قد لا تكون هذه الخصائص ذات معنى بالنسبة لقارئ غير صومالي، ولكن لها دلالات ثقافية صومالية مهمة للغاية، تسلط الضوء على العقبات التي تحول دون تفعيل الديمقراطية في المجتمع الصومالي.
تتناول المقابلة، بالإضافة إلى ذلك، موضوعات مثل الحرب الأهلية في الصومال (1991-2000): أسبابها وعواقبها على الصوماليين. ويشمل ذلك محنة اللاجئين الصوماليين في مختلف أنحاء العالم، وبالمقارنة مع سبعينيات القرن العشرين، حينما قرّر المؤلف نفسه العيش في المنفى بدلاً عن العيش تحت حكم دكتاتورية عسكرية. 
في هذه المحادثة مع نور الدين فارح، أعطي المؤلف الفرصة لتقديم آرائه الشخصية حول الانقسامات السياسية والجغرافية بين الصوماليين إلى كيانات مستقلة في صومال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وأخيرًا، بعد مرور ما يقرب من 20 عامًا، أحاول وضع المحادثة في سياق التطورات اللاحقة في الصومال، بشكل عام، وبشكل خاص، تلك الجوانب التي نُوقشت بالفعل في المقابلة. 
نتلمّس من المقابلة أن نور الدين فارح يتمتع بشخصية ودودة للغاية، مما يوضح أن النجاح العالمي الذي حظي به لم يجعله متعالياً أو مصعّباً الوصول إليه. كان التعرف عليه شخصياً، والتحدث معه في روما بلغته الأم شيئاً استثنائياً، نظراً لأن معظم المقابلات مع فارح أجريت باللغة الإنجليزية.
ورغم أن المقابلة كانت باللغة الصومالية، فإن الأسئلة كانت مكتوبة بالفعل باللغة الإيطالية. والترجمة هي دائماً عملية للحد من تسرّب المعنى الحرفي والثقافي للكلمات؛ وذلك شيء مُناط بمستوى معرفة المترجم باللغتين. وفي هذه الحالة، لدى كلينا معرفة عميقة باللغة الإيطالية، وغني عن القول أيضاً أنه لدى كلينا معرفة عميقة باللغة الصومالية. ولهذا السبب كان تواصلنا في المقابلة بمثابة تجربة حوار بلغتين. فقد سمحت اللغة الإيطالية، بفضل شكلها القياسي، بصياغة أسئلة مباشرة ودقيقة، وسمحت إجابات المؤلف باللغة الصومالية بالتعبير عن أشياء ما كان بالإمكان التعبير عنها بلغة أخرى. والواقع أن الإجابات الصومالية أضفت طابعاً غير رسمي على مقابلتنا.

 

علي مؤمن أحد: لنبدأ مع حرفة الكتابة. ما الذي يعنيه من ناحيةٍ أن تكون كاتباً اليوم في مجتمع معولم، وأن تكون، من ناحيةٍ أخرى، كاتباً في مجتمع صومالي تثقله تناقضاتٌ لا حلّ لها، وفوارقُ طبقيّة هائلة وصراعاتٌ عميقة؟

نور الدين فارح: سأفتتح بالقول إن الصوماليين لا يستوعبون تماماً قيمة الكتابة، ولا هم يرون أيضاً قيمةً للقراءة. قد يفتح الصومالي كتاباً للقراءة اليوم، ولكنه لا يمتلك الجلَد لإنهائه. ومن هم قادرون على القراءة، لا يقرؤون سوى المقالات والمراجعات الصحفية، وليس الكتب. أمّا الصوماليون الذين يقرؤون الكتب فهم الجيل الجديد؛ أي أولئك الذين تمدرسوا، فخوّل لهم ذلك امتلاك نهجٍ أفضل للقراءة. ولأعطيك مثالاً؛ فابنتي ذات 12 ربيعاً قرأت كل كتبي بالفعل. إنّ جمهوري إذن، بصفتي كاتباً، هم قرّاء عالميون. أمّا الصومالي فهو لا يقرأ إلاّ قليلاً، بيد أنّه يحمل على نحوٍ مثير للإعجاب احتراماً لأولئك الذين يكتبون. فحين عودتي من المنفى إلى مقديشو في عام 1996، تلقفني الناسُ في الشوارعِ بتحياتهم، وحتّى أن بعضهم كان يُرسِل أيديهم إليّ للتعبير عن راحبتهم وترحيبهم. ما قرأ هؤلاء الناس كتبي، ولكنهم احترموني اعتباراً لحرفتي ككاتبٍ.

علي مؤمن أحد: جاءت كتاباتك دخيلةً في تاريخ طويل من الشفاهيّة في الثقافة الصومالية. انطلاقاً من عملك، هل هذا التحول إلى الكتابة دليل على أنّ حاجز الأمية في الثقافة الصومالية قد كُسر؟ إلى ما يهدف هذا التحوّل؟

نور الدّين فارح: إحدى غايات هذا التحوّل على نحوٍ أكيد هو التغلب على الأمية التي عمّرت طويلاً في الثقافة الصومالية. والفرق بين الكتابة والشفاهية يتمثّل في أنّه في الثقافة الشفاهية يمكن للواحد أن يقول شيئاً اليوم ثمّ ينكره غداً؛ بينما الكتابة لا تسمح بشيءٍ كهذا. الكتابة إذن تشترط استخدام الفكر برويّة وعقلانية، وبمنطق وقيّاس. لدى الصوماليين عادة نفخ عدد مجموع أفراد عشيرتهم تباهيّاً أمام غيرهم. وما كان لهذه التصريحات أن تكون ممكنةً لولا غياب إحصاء سكاني، لولا غياب سجلات عن تعداد السكان. إنّ الهدف الرئيس من الكتابة هو تدريب الناس على العقلانية والمنطق، وعلى قيّاس الأمور.

علي مؤمن أحد: بصفتك أحد أوائل الكتاب الصوماليين في بلد كان يُنظَر فيه إلى الكتابة باعتبارها عملاً مخرّباً للتقاليد، ما الصعوبات التي تحتّم عليك التغلب عليها؟

نور الدين فارح: إن شعبنا لا يفهم الكتابة لأنه لا يعرف قيمتها. بيد أنّ هذا الجهل ليس خطأهم، بل إنهم يحترمون الكلمة المكتوبة إلى حد كبيرٍ. ودعني أروي لك قصة مشرقةً: كانت هناك صحيفة باللغة العربية تتداول في الصومال عندما كنت طفلاً، والأبجدية العربية مألوفة جداً عند الصوماليين، حتى عند أولئك الذين لا يستطيعون القراءة أو الكتابة بالعربيّة، ولكن من تمدرس أطفالهم في الكتاتيب القرآنية اعتادوها؛ وكانت والدتي كلما وجدت ورقة مكتوبة باللغة العربية مرميةً في الشارع، تلتقطها وتحتفظ بها في مكان آمن، ودافعها هي أنّ الحروف العربية نفسها الحروف الموجودة في القرآن.

علي مؤمن أحد: ما تقوله صحيح فقد رأيت والدتي وأشخاصاً آخرين لا يقرؤون ولا يكتبون يفعلون نفس الشيء. بعد تركك البيئة المغلقة التي كانت عليها الصومال في السبعينيات، واتجاهك نحو أوروبا، وبعيداً عن مسألة حرية الرأي، هل واجهتك صعوبات ككاتبٍ إفريقي يطمح لتحقيق النجاح؟

نور الدّين فارح: لا يُعترف بحرفة الكتابة كمهنةٍ في كل مكان، وبنفس القدر. خذ على سبيل المثال إيطاليا التي لا تُعَد الكتابة فيها مهنة: كان كل الكتاب العظماء في إيطاليا في الحقيقة يمارسون مهناً أخرى. كان ألبرتو مورافيا صحفياً، وأومبرتو إيكو هو أستاذ جامعيّ، وهكذا. وعندما أتيت إيطاليا، رغم أنني كنت قد نشرت عملاً ما، لم أستطع تقديم نفسي ككاتب، لأنه لا أحد سيفهم ذلك كمهنةٍ، وعليه، لم يمنحوني إقامةً. وفي ظنّي لا يزال الأمر على حاله حتّى الآن: غير مرحب بالكتاب، ولا يُعترف بالكتابة كمهنةٍ هاهنا. بيد أنّه في بلدان أخرى، يرحب بك إذا كنت كاتباً، وتعطى لك الفرصة لشحذ موهبتك.

علي مؤمن أحد: لقد كتبت دوما عن الصومال والصوماليين، وعلى ما أذكر كانت أحد أهدافك ككاتب أن تكتب "اسم الصومال على جسد العالم بطريقة لا تُمحى". ورأي أنك، إلى حدٍ ما، نجحت. ولكن، هل أنت راضٍ عن تمثيلك للمجتمع الصومالي أم أن هناك أجزاءً سقطت من تصورك له، أو سمات غابت عن نظرك؟

نور الدين فارح: العداء الماراثوني الذي لم يصل بعد إلى خط النهاية، وإن كان يبصره، لا يستطيع القول إنه حقق هدفه. وهذا ينطبق عليّ كذلك. راغب في كتابة أكثر مما كتبت حتى الآن؛ إذا لا يزال هناك الكثير مما يجب قوله وكتابته.

علي مؤمن أحد: انطلاقاً من الثلاثية "تنويعات على ثيمة الدكتاتورية الأفريقية" التي ضمّت "حليب حلو وحامض" (1979)، و"السردين" (1981)، و"اغلق يا سمسم" (1983): يضجّ عملك على نحوٍ جلي بتمثّلاتٍ عميقة عن عالم وثقافة البداوة الصومالية. هل في هذا الارتباط شيء عاطفي وشخصي (وذلك أمر مهم بالنسبة للكاتب)، أم أنّ مجرد توظيف للصورة السائدة عن المجتمع الصومالي الذي تراه مجرد مجتمع من الرّعاة؟

نور الدّين فارح: ليست لدي أي تجربة شخصية مع الحياة البدوية في الصومال. لدي فقط تأملات عنها، ولكن ليست من وحيّ التجربة. فأنا في الواقع من مواليد مدينة بيدوا. وعندما يريد كاتبٌ الكتابة عن شيء، يبحث فيه ليكون قادراً في كتاباته على تحليل سياقه. فعندما كتبت ذلك العمل، تجلّى لي بوضوحٍ - ورغبت في التعبير عن ذلك بالأدلة للقراء - أنّ جذور الدكتاتورية توجد في الثقافة البدوية الرعوية.

علي مؤمن أحد: بالنسبة لقارئ متيقّظ لأعمال نور الدين فارح، فإن أولئك الأشخاص الذين يظهرون على الهامش -"شعب النهر"، كما يطلق عليهم عندما يظهرون، وقليلاً ما يفعلون، في الثلاثية- ليسوا بعيدين عن الأنظار. إنهم يمثلون السكان الصوماليين ذوي الجذور الإفريقية الذين لا زلنا نربطهم خطأ بالعبودية، على الرغم من الأدلة التاريخية على أصولهم الأصلية في المكان.

نور الدّين فارح: إن "شعب النهر" في أعمالي هم جزء منا، قِسم من الشعب الصومالي، وهم لا يختلفون عنا على الإطلاق. أصل المشكلة يعود إلى الثقافة الرعوية التي تنبذ العمل مهما كان نوعه؛ إنها تنبع من نمط الحياة البدوية حيث يزدري الناس العمل، ويحبذون الثرثرة. فكلّ من يعمل، بالنسبة لهؤلاء الناس، هو عبد. هذه هي مأساة الصومال؛ الجهل الذي ينبغي استئصاله. والثقافة بأكملها يجب تغييرها. أنظر كيف تتعامل ثقافتنا مع سؤال الجندر -على سبيل المثال خضوع المرأة للرجل. وليحدث التغيير المنشود، لا بدّ من إحلال السلام والاستقرار، وترسيخ سيادة القانون. ويكفي تطبيق القانون بصرامة، بخصوص التمييز الاجتماعي، من جانب الدولة، حتّى أن بعض أشكال التمييز حُظرت في عهد دكتاتوريّة محمد سياد بري.

علي مؤمن أحد: في ثلاثية "تنويعات على ثيمة الدكتاتورية الأفريقية"، يُمنح المثقفون الصوماليون مساحة للدور الذي لعبوه في معارضة النظام العسكري، وبثّ الأمل في تحقق الديمقراطية في الصومال. لقد سقط ذلك النظام، ولكن الديمقراطية لم تأت. ومع ذلك، تسبب هذا الانقلاب في حرب أهلية خلفت نتائج كارثية، وأزمة مؤسساتيّة استمرت لعقد من الزمان. ماذا حدث لأولئك المثقفين في نظر نور الدين فارح؟ هل استنفدوا دورهم بسقوط النظام؟

نور الدين فارح: المثقفون الصوماليون إما لاجئون أو متحدثون باسم أمراء الحرب. وهذا يقودني إلى توضيح مصطلح "المثقف". إنّ المثقف، كما تشير العبارة، هو شخص يستخدم ذكاءه، وليس ببساطة شخصاً تجاوز الامتحانات. ليست، في الواقع، الشهادة [الجامعية] هي التي تجعل الشخص مثقفاً؛ فنحن لدينا العديد من الخريجين الذين، كما تعلم، لا يمكن وصفهم بالمثقفين؛ حتّى أنّ كثيراً منهم لم يقرأ كتاباً واحداً. المثقفون هم أولئك الذين يستخدمون ذكاءهم. فأنا عندما أكتب شيئاً، أشعر وكأنني طالب؛ أشعر بالحاجة للذهاب إلى المكتبة، للقراءة والبحث. هل يمكن وصف الشخص الذي لا يقرأ شيئاً على أنه مثقف؟

علي مؤمن أحد: نظراً لأصلنا المشترك من منطقة حدودية، ذلك الجزء من الصومال الذي قُسّم منذ العصر الاستعماري، لدي تصور بأنك، أكثر من الآخرين، تتحمل عبء أمة مفككة بالفعل، وتواجه خطر تدمير نفسها. ما مدى ثقل هذا العبء عليك؟

نور الدّين فارح: هذا التصور صحيح. الثقل هو الحرب الأهلية، والظروف التي خلقتها الحرب الأهلية. ستختفي كل الحدود بتحقيق السلام والاستقرار. التواصل والتجارة، وحركة الناس من جانب إلى آخر، ستمحي الحدود. تلقيت فيما مضى دعوة لزيارة صوماليلاند من أعلى سلطة في تلك الإدارة، ولكنّي لم أستطع قبول الدعوة، لأنه طالما لا يمكن للصوماليين الآخرين- من كيسمايو وبيدوا ومقديشو وبلد وين وجالكايو وبوساسو- الذهاب إلى تلك المنطقة، فقد بدى لي أن ذهابي هناك قلّة احترام. ولا أجد أي خطأ في تعريف المرء لنفسه، في سيّاق وطني موحّد، وفقاً لانتماءات إقليمية. فعندما يريد أحد سكان جنوة أو ليغوريا أن يميز نفسه عن أخد من بيدمونت أو تورين، ألا يصف نفسه بأنّه جنوويٍّ؟ وعلى نحوٍ مماثل، للصوماليلانديين الحقّ في تعريف أنفسهم بما يشاؤون، كما لسكان بونتلاند نفس الحق، وهكذا. ما هو مهم هو أن يتمتع كل صومالي بنفس الحقوق التي يتمتع بها الآخرون، بما في ذلك حق الإقامة والتملك في أي جزء من البلاد.

علي مؤمن أحد: لا يزال الأدب الصومالي، على الرغم من إدخال شكل مكتوب من اللغة الصومالية في عام 1972، شفهياً بشكل عام. لا يتداول على نطاق واسع حتى بين الصوماليين، ولا يترجم على الإطلاق إلى لغات أخرى. أعرف أنك تكتب باللغة الإنجليزية، وجمهورك من العالم: هل هناك ترجمات صومالية لأعمالك لجمهور من القراء الصوماليين الذين لا فرصة لهم لقراءتك باللغة الإنجليزية؟ 

نور الدّين فارح: لا توجد ترجمات باللغة الصومالية لأعمالي. اللاجئون (نشرته Meltemi في روما، في عام 2003) هو أول عمل تجري الآن ترجمته إلى الصومالية، ولكنه صعب، ولا أعرف متى سيكمله المترجم.

علي مؤمن أحد: اخترت حياة المنفى في إيطاليا، وذلك في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين لتجنب الوقوع في فخ الديكتاتورية العسكرية. لماذا غادرت هذا البلد الذي يربطه بالصومال تاريخٌ وعلاقة طويلة؟

نور الدين فارح: إذا أوقفوني في الشارع وسألوني من أنا؟ وأجبت: "أنا صومالي"، فإنهم يعتقدون على الفور أنني لاجئ يبحث عن إعانة، وإذا قلت إنني لست كذلك، فإنهم يعتقدون أني كاذب. والوضع اليوم هو ما كان عليه بالأمس؛ ولهذا السبب أفضل الإقامة في أفريقيا. فأنا لست أوروبياً، بل أنا أفريقيانيّ؛ وعندما أكون في بلد أفريقي، لا أخضع لنفس الاهتمام التفتيشي، ولا أعامل بشكل مختلف من قبل مواطني ذلك البلد. وأنا أشعر براحة كبيرة في جنوب أفريقيا، حيث أعيش حالياً. من الممكن أن تحدث هاهنا حوادث غير سارة أيضاً، ولكن من المؤكد أنه يمكن إرجاعها إلى عدد صغير جداً من الناس ذي مآرب محددة [يشير فارح إلى حالات في جنوب أفريقيا وقع فيها المهاجرون الصوماليون ضحايا للكراهية].

علي مؤمن أحد: لقد تُرجمت أعمالك أيضاً إلى الإيطالية، ويستطيع القارئ الإيطالي اكتشاف صومال جديد، لأنه يُمثَّل بواسطة كاتب صومالي، وليس إيطالي. هل تعتقد أن هذه الترجمات قادرة على نقل صورة صادقة لفكرتك عن الصومال؟

نور الدّين فارح: في الواقع، أنا لا أقرأ كتبي في الترجمة أو المراجعة، فذلك سيستغرق وقتاً ثميناً.

علي مؤمن أحد: لقد أثرت فترة إقامتك في إيطاليا في أواخر السبعينيات بالتأكيد على كتابتك (أفكر في الشخصيات المختلفة في الثلاثية وعلاقتها بإيطاليا واللغة الإيطالية). هل ترك ذلك التأثير أي شيء في أعمالك اللاحقة أم أنه انتهى مع انقضاء تلك التجربة؟

نور الدّين فارح: لقد كان إيطالي مقديشو. هل تتذكر الكابتشينو في حانات مقديشو؟ وبالنسبة للباستاسكيوتا [...] كان إيطالي الصوماليين. المناخ الذي كان يتنفسه الناس في تلك السنوات.

علي مؤمن أحد: يقدم "اللاجئون"، وهو تقرير عن الدياسبورا الصومالية في أوروبا، مفتاحاً لفهم التشتت واليأس الذي يعيشه جيل من المثقفين والشباب الصوماليين. هل هم حقاً مستسلمون لوضعهم كلاجئين ولفقدان أدوارهم في بلدهم؟ ما الذي تغير في رأيك في سلوك الدياسبورا الصومالية اليوم مقارنة بسلوكها في سبعينيات القرن العشرين، الذي وصفته ببراعة في الثلاثية الأولى؟

نور الدين فارح: ليس الجميع مستسلمين إلى هذا الحد. بيد أنّ العديد من أولئك الذين يطلقون على أنفسهم مثقفين، ليسوا كذلك. الكثير من الذين يشعرون بعدم الرضا عن وضعهم كلاجئين اليوم كانوا أيضاً غير سعداء في الصومال بالأمس. ومع ذلك، فإن وضع الشخص يعتمد أيضاً على المكان والفرص التي أتيحت له، فعلى سبيل المثال، أولئك الذين لجؤوا إلى كندا أو الولايات المتحدة مرتاحون أكثر. وكما تعلم جيداً، فإن العديد من هؤلاء في هذين البلدين، مع الفرص المتاحة لهم، استعادوا أدوارهم؛ فهم يُدرسون في الجامعات الأمريكية والكندية أو محترفون يمارسون مهنهم الخاصّة. إنهم ليسوا مستسلمين على الإطلاق. سوى أنّ ذلك لا ينطبق على أولئك الذين بقوا في أوروبا. ففي إيطاليا، لم يتمكن حتى 1% من الصوماليين من العثور على عمل. وفيما يتعلق بالجزء الثاني من السؤال، فإن الفارق بين النقطتين الزمنيتين (سبعينيات القرن العشرين واليوم) فارقٌ كبير. ففي الدياسبورا في سبعينيات القرن العشرين، كان عدد اللاجئين لأسباب سياسية ضئيلاً للغاية، وكان كثير منهم مهاجرين، وخاصة في الدول العربية. أما اليوم، ونظراً للظروف السائدة، فإن اللاجئين يشكلون الأغلبية، ويعيشون بالكامل تقريباً في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.

علي مؤمن أحد: في كتاب "اللاجئون"، هناك نوع من عدم الود تجاه إيطاليا، مقارنة بسويسرا والسويد اللتين وصفتا بحماس أكبر. أهو شعورك أنت، المؤلف، أم شعور الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات؟

نور الدين فارح: في بعض البلدان، بالإضافة إلى الصوماليين الذين أجريت معهم المقابلات، وافقت السلطات والشخصيات المهمة في نظام حماية اللاجئين على إجراء مقابلات معهم حول المشكلة، وخاصة حول اتصالهم بالصوماليين؛ بينما في بلدان أخرى لم يحدث ذلك.

علي مؤمن أحد: بدأ جيل جديد من الكتاب، في الدياسبورا الصومالية، بما في ذلك تلك التي في إيطاليا، في التعبير عن أنفسهم بلغة البلد المضيف من أجل تقديم تمثيلٍ للصومال والمجتمع الصومالي. ما النصيحة التي ترغب في تقديمها لهم؟

نور الدين فارح: أنصح الشباب من الجيل الجديد بأن يكونوا أيضاً رواداً للأجيال القادمة.

علي مؤمن أحد: هل الكتابة باللغة الإنجليزية شرط ضروري لنجاح الكاتب؟

نور الدين فارح: لا يوجد خيار أمام المستعمَر في لغة العمل. لقد استعمرنا الإيطاليون، والإنجليز (البريطانيون) وأيضًا العرب؛ كل هذه اللغات فرضت علينا. إنها لغات التعليم والعمل. يعتمد تعلم واحدة من هذه اللغات على الجزء من الصومال الذي ولد الشخص أو نشأ وتمدرس فيه. وفي وقت لاحق، سيتبنى كلّ أحد اللغة التي تلقى من خلالها تعليمه، في غياب لغة صومالية مكتوبة، إذ لم تبدأ كتابة اللغة الصومالية إلا في عام 1972. وإجابة عن سؤالك: بالطبع، تعتبر اللغة الإنجليزية لغة دولية مقارنة باللغات الأخرى.

علي مؤمن أحد: أحد آخر أعمالك ككاتب صومالي، رواية "روابط" 2005، وهي تقريباً تقرير من بلد دمرته الحرب الأهلية، ومجتمع ممزق ويهيمن عليه العنفُ. في التساؤل حول طبيعة هذا العنف والحرب الأهلية في الصومال، ما الإجابة التي يمكنك تقديمها؟

نور الدين فارح: السلطة. اللّهث وراء السلطة، جنبًا إلى جنب مع الجهل بأدوات حكم المجتمع أو عدم القدرة على استخدامها.