تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
شعر

نساءٌ سائراتٌ على الماء

1 أبريل, 2026
الصورة
نساءٌ سائراتٌ على الماء
Share

"مثلَما سَارَ المسيح على البُحَيْرةِ سِرتُ في رُؤيَاي

لكنِّي نَزلتُ عن الصليب لأنني أخشَى العُلوَّ ولا أُبَشِّرُ بالقيامة"

محمود درويش – جدارية

(1)

مع جَزر المحيط وانسحابه بعيداً عن المشهد الأمامي للشاطئ، وسيطرته التامّة على الأفق البعيد؛ تنتشر النساء على ظهر المحيط المكشوف، بمياهٍ تلمسُ الكاحل ثمّ الساق، بتَفَاوُت.

(2)

لن تَرَاهنّ أبداً من قريب ولن تتعرّف عليهنَّ، فقط بعيدات، مُتَبَاعِدَاتٍ عن بعضهنّ البعض. سَائِرات، كلُّ واحدةٍ لِوَحدِهَا.

بعضهنّ جالسات بسكونٍ على المياه الخفيفة، مشغولات حتّى النخاع بفَرزِ كائناتٍ بحريّةٍ شفَّافة: عروقٌ خضراء حمراء بنيّة فاتحة، أعشاب المحيط. هنا تعيش سلالة واحدة من أقدم مجتمعات تجميع "أعشاب البحر" في الجزيرة.

(3)

أن تَزرَعَ داخل المياه يبدو كعودةٍ يوميّةٍ إلى رحم الحياة الأوّل، الدليل أنها عمليّاً لا تَزْرَع، بل تتلقَّى هِبَةَ المحيط، بيدٍ مصنوعةٍ من أوتاد خشبيّة نحيفة وطويلة، تَغرِزُها في الرمال البيضاء الناعمة بذاتِ هَنْدَساتِ مَزرَعةِ اليابسة؛ كتخطيط اليد المفتوحة على ظَهرِهَا، وفي اليوم التالي، أو الذي بعده، عند انسحاب المحيطـ، تعود النساء السائرات على الماء إلى المزارع.

وكل شيءٍ يبدأ مع انبلاج ضوء الفجر.

(4)

لا تزال المرأة، الكبيرة في السنّ، تجلس هناك بعيداً، على المياه الخفيفة الجارية حول الجزر البيضاء، تجلس منذ ستّ ساعات لوحدها، مُحاطة بأكوام من الأعشاب المُجمّعة خلال مسيرة الفجر على الماء، ترفع كومةً إلى عينيها بيديها وتفرزُ الحيَّ منها –هكذا أتخيّل- ثمّ ترتّب الألوان، البنفسجي والأحمر القاني والبنّي والرمليّ الفاتح كالذهب والأخضر الغامق؛ ألوان باعثة على التأمّل في علاقات الدّم والأرض والماء والملح.

من خلفها، على امتداد البصر، تتوزّع ثمانِ نساءٍ أخريات، يتحرّكن مُنفصلات ويقمن بافعالٍ مختلفة: منحنيات، سائرات، جالسات، غارقات في برك رمليّة غاصّة بالأعشاب.

(5)

هذه السيّدة السبعينيَّة بجلابيّتها الملوّنة، ما بين البَنَفسَج والأزرق والأحمر الغامق. ساقاها العريضتان البُنّيَّتَان تنغرسان في طبقاتٍ وطبقات من أعشاب البحر الميّتة المتراكمة على شاطئ هذا اليوم. أُدركُ واقعياً أنها تعيش في القرية، أراها بين شوارعها حيثُ تنشرُ، مع أخريات، أعشاب البحر المفروزة الألوان على مربّعاتٍ عُشبيّةٍ تحتلُّ مكانةً مقدَّسة كبيت، إنه بيتُ أرواح المحيط إذ هي جزءٌ من تكوين حيواتهم الأسريّة، فردٌ قديمٌ من أفراد العائلة الممتدة.

هذا الواقع البَحت لا يمتّ لأحلامي بصلة، إنني أؤمن أنها تخرجُ يومياً من غَورِ المُحيط.

فبراير – يونيو 2024م

جامبياني - زنجبار