الاثنين 9 مارس 2026
قالت إيمان فضل السيد، سكرتيرة الحريات الصحفية بنقابة الصحفيين السودانيين إن أوضاع الصحفيين في السودان بلغت مرحلة "بالغة الخطورة"، في ظل استمرار الانتهاكات الممنهجة منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، مؤكدة أن ستة صحفيين لا يزالون رهن الاختفاء القسري لفترات متفاوتة، بينما يواجه سبعة آخرون اعتقالاً طويل الأمد في كل من الخرطوم وسنار وإقليم دارفور، وسط غياب أي ضمانات قانونية أو معلومات واضحة بشأن أوضاع بعضهم الصحية وأماكن احتجازهم.
طالبت النقابة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المحتجزين، والكشف عن مصير المختفين قسرياً، محمّلة أطراف النزاع المسؤولية الكاملة عن سلامتهم. وأكدت أن ما يجري يمثل تصعيداً غير مسبوق في حجم ونوعية الانتهاكات، سواء من حيث تنوعها أو اتساع نطاقها الجغرافي، الأمر الذي يعكس – بحسب وصفها – تحول الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي إلى أهداف مباشرة في سياق الحرب، لا مجرد ضحايا عرضيين وتداعياتها.
وأوضحت النقابة أن بيئة العمل الصحفي في السودان انهارت بصورة شبه كاملة، مشيرة إلى أن ما يُعلن من حالات لا يمثل سوى "رأس جبل الجليد"، في ظل صعوبة التوثيق، وانقطاع الاتصالات في مناطق واسعة، وخشية كثير من الضحايا وأسرهم من الإبلاغ عن الانتهاكات. وأضافت أن الملاحقات لم تعد تقتصر على مناطق الاشتباك، بل امتدت إلى ولايات بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة، ما يدل على اتساع دائرة الاستهداف.
قتل خلال عام 2025، وفقاً لإحصاءات النقابة، 14 صحفيا وعاملاً في المجال الإعلامي، ليرتفع العدد الإجمالي منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى 34 قتيلاً من الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي. كما تم توثيق ست حالات إخفاء قسري، وسبع حالات اعتقال طويل الأمد، وتسع حالات اعتقال واحتجاز تعسفي مؤقت، وأربع حالات ملاحقة قضائية، إضافة إلى ثماني انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين في دول اللجوء، و19 حالة تهديد وخطاب كراهية وحملات تشهير منظمة، فضلاً عن ثلاث قرارات وإجراءات مؤسسية وصفتها النقابة بأنها مقيدة للعمل الصحفي.
وأشارت إلى أن إجمالي الانتهاكات الموثقة منذ اندلاع الحرب بلغ 593 حالة، تشمل إلى جانب القتل والإخفاء والاعتقال، إصابات مباشرة بالرصاص أثناء التغطية الميدانية، واعتداءات جسدية، ومصادرة معدات، واقتحام منازل، وتهديد أسر الصحفيين، ما خلق مناخاً من الرعب دفع كثيرين إلى التوقف عن العمل أو مغادرة البلاد.
انعكس هذا الوضع بصورة مباشرة على بنية القطاع الإعلامي، إذ توقفت أكثر من 20 صحيفة ورقية كانت تصدر من الخرطوم عن الطباعة كلياً، في حين تعطلت جميع الإذاعات والقنوات التلفزيونية المحلية عن البث بعد تعرض مقارها للقصف أو وقوعها في مناطق اشتباك، أو اتخاذها من قبل مجموعات مسلحة كثكنات عسكرية. وأدى ذلك إلى فراغ إعلامي واسع داخل البلاد، وازدياد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، رغم ما يصاحبها من انتشار للمعلومات المضللة وصعوبة التحقق.
ولفتت النقابة إلى أن التدهور الحاد في حرية الصحافة انعكس في التصنيفات الدولية، حيث تراجع ترتيب السودان في مؤشرات حرية الصحافة من المرتبة 151 في عام 2022 إلى المرتبة 156 في عام 2025، معتبرة أن هذا التراجع لا يعكس فقط تداعيات الحرب، بل أيضاً غياب الإرادة السياسية لحماية حرية التعبير وضمان بيئة آمنة للعمل الإعلامي.
وأكدت النقابة أن استمرار استهداف الصحفيين يقوّض أي أفق لانتقال سياسي أو عملية سلام ذات مصداقية، إذ لا يمكن – بحسب البيان – بناء دولة القانون والمؤسسات في ظل إسكات الأصوات المستقلة وملاحقة من يسعون إلى نقل الحقيقة. ودعت المجتمعين الإقليمي والدولي، ومنظمات حرية الصحافة، إلى تكثيف الضغط من أجل وقف الانتهاكات، وتوفير آليات حماية عاجلة للصحفيين داخل السودان وفي دول اللجوء، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم من المساءلة.