الاثنين 9 مارس 2026
حينما وضع الكاتب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز خلاصة تجربته في الكتابة الممتدة لسنوات طويلة، قال: إن "الحياة ليست ما نعيشه، بل ما نتذكّره وكيف نتذكّره لنرويه". في هذه العبارة المكثفة والعميقة، يذكّرنا ماركيز أن حياتنا ليست في تفاصيل العيش اليومية؛ ليست في ذهابنا للعمل وعودتنا منه، ولا في كوب القهوة الذي نرتشفه صباحاً، ولا حتى في نشرات الأخبار، ودفء البيت والعائلة. فالحياة لا تكمن في تنهيداتنا عندما يخنقنا الحزن، أو ضحكاتنا عندما تغمرنا السعادة، بل في الطريقة التي نعيش بها هذه اللحظات، وكيف ندّونها ونكتبها لتبقى؟
الكتابة من هذا المنطلق الماركيزي ليست ترفاً، بل فعل مقاومة، ومحاولة لإنقاذ المعنى والحفاظ عليه. إنها الأداة التي تمنح اللحظات رونقها، وتعيد إلى العالم المجنون رشده وصوابه. ولكن حين تنهار المدن، وتتحول المباني إلى ركام، ما الذي يدفع الكاتب لأن يكتب وسط هذا الخراب؟
في مواسم الدمار الطويلة، وتحت سطوة دوي الانفجارات والأعيرة النارية الطائشة تتغيّر وظيفة الكتابة شكلاً ومضموناً، إذ لا تعود وسيلة إنسانية للتعبير فحسب، وإنّما تصبح طوق نجاة، ومحاولة لكشف الحقيقة ومنعها من الانهيار.
يكتب كي يبقي اللغة على قيد الحياة حين تشنق الأصوات الأخرى، حين تختنق المدن والأزقة بالدخان الأسود، يكتب كي يُذكّر العالم أن الدمار مهما اتّسعت رقعته وذاع صيته، لابد وأن يهزم في النهاية
من قلب هذا الواقع الدامي، يمكن فهم ما يفعله الكُتّاب في السودان اليوم؛ إذ يكتب الكاتب في زمن الحرب ليس لأنه يملك رفاهية الحكي أو ترف السرد والقص، أو لأن ذاكرته ممتلئة حتى آخرها بالكلمات والجمل الرنّانة، هو يكتب لأنه محاصر من كل الاتجاهات بما لا يطاق، يخط حروفه وهو يسمع دوي المدافع وأزيز الطائرات، يدوّن أفكاره كي لا تُختزل المدن إلى أخبار عاجلة وعابرة، ولا يختصر الضحايا في الأرقام، يكتب حتى لا يضيع كل شيء أمامه، فالكتابة وحدها قادرة على حفظ الذاكرة وإبقائنا أحياء إلى الأبد.
وعلى امتداد هذا الخراب العظيم، تظل البلاد التي تهدّم بيوتها، ويهجّر إنسانها، ويفرض على أطفالها ونسائها الموت البطيء، عصيةً على أن تمحى من الخارطة، إذ يحمل كتّابها وأدباءها ترياق الكلمة كوسيلة للبقاء. فالكلمات هنا ليست حبرًا على ورق، بل قناديل صغيرة تضاء في العتمة، وكل جملة تكتب هي شكل من أشكال النجاة.
بهذه الطريقة التراجيدية، تتحوّل الكتابة إلى فرصة ثمينة للنجاة. فالكاتب السوداني اليوم لا يكتب عن الحرب فقط، بل يكتب حتى لا يبتلع البارود ذاكرة السودان، يكتب كي يبقي اللغة على قيد الحياة حين تشنق الأصوات الأخرى، حين تختنق المدن والأزقة بالدخان الأسود، يكتب كي يُذكّر العالم أن الدمار مهما اتّسعت رقعته وذاع صيته، لابد وأن يهزم في النهاية.
الكلمات تصبح عاجزة أمام فظاعة المشهد، فالحرب تمتحن اللغة كما تمتحن الإنسان؛ من يصمد فيها هو من يملك القدرة على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، دون تزييف أو ضجيج، دون لف ودوران
مع اشتداد المعارك والقصف المتبادل والمتواصل هنا وهناك، تصبح الكتابة فعلًا غريزيًا للبقاء. فالكاتب الذي يكتب وسط الحرب في درافور وكردفان مثلاً، أو في أي بقعة داخل السودان وخارجه، لا يبحث عن شهرة عابرة ولا "ترند" سرعان ما يتلاشى مع هذا الكم الهائل من الزيف، لكنه يكتب لينجو بنفسه، ومن ينجو بالكلمة -كما يقال- لا ينجو وحده؛ فهو حين يخطّ سطراً عن خوفه وارتجاف أطرافه أو الوميض الذي يتلألأ أمامه، إنما يفتح بذلك نافذة صغيرة للآخرين ليطلوا عبرها في طريقهم نحو النجاة. هكذا تتحوّل الكتابة إلى علاج جماعيّ يرمّم الجسد الممزّق، ويعيد للروح شجاعتها.
في السودان، البلد المنكوب على آخره، لم تحل الكارثة على المدن التي عاشت ويلات الحرب فحسب، ولم تنزل المصائب على السودانيين وحدهم، بل تخطت الكارثة الإنسان لتصيب اللغة أيضاً. فمثلما يقتل الإنسان بالرصاص تقتل الكتابة بالصمت. الكلمات تصبح عاجزة أمام فظاعة المشهد، فالحرب تمتحن اللغة كما تمتحن الإنسان؛ من يصمد فيها هو من يملك القدرة على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، دون تزييف أو ضجيج، دون لف ودوران. في مثل هذه الظروف الاستثنائية، وفي ظل هذا التشظي اللامحدود تستعيد الكتابة معناها الأصلي: قول الحقيقة كاملة مهما كانت مؤلمة، والحفاظ على نقاء الكلمة ضد التزييف.
الكلمات هنا ليست حبرًا على ورق، بل قناديل صغيرة تضاء في العتمة، وكل جملة تكتب هي شكل من أشكال النجاة
على الرغم من ما خلفته وتخلّفه الحرب السودانية من دمار وتشظي، يظلّ الجمال بمعناه الواسع أحد أهم أشكال المقاومة التي يمكن الاعتماد عليها للانتصار. فالكتابة الجميلة في زمن القبح ليست ترفًا، بل تمرين وتدريب على التوازن داخل الفوضى والشتات. والجمال المنشود بين هذه السطور ليس نقيض الحرب بل نقيض الاستسلام والخنوع؛ إنه الوجه الهادئ للمقاومة، والدليل القاطع على أن الكاتب السوداني ما زال قادرًا على الحلم رغم الدمار.
وهكذا.. تعود الكتابة في نهاية المطاف إلى معناها الأول: النجاة. فالخراب ينتصر حين ندير ظهرنا عنه ونصمت أمامه، هنا فقط تظهر الكتابة كصرخة أخيرة في عالم يحركه العنف. فنحن عندما نكتب فإننا نكتب لننجو بأنفسنا، نكتب لننجو بأرواحنا، ففي كل نصّ يولد من رحم الحرب، هناك شهادة على أن النجاة ممكنة رغم الخراب، وأن اللغة، مهما أقيمت لها المقاصل والمشانق، وأحرقت حروفها تظلّ قادرة على أن تنهض من الرماد.