تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

نجمينا وباريس.. إعادة ضبط الساعة الدبلوماسية على توقيت "السيادة الوطنية"

29 يناير, 2026
الصورة
نجمينا وباريس.. إعادة ضبط الساعة الدبلوماسية على توقيت "السيادة الوطنية"
Share

تأتي الزيارة المتوقعة للرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو إلى العاصمة الفرنسية باريس يوم الأربعاء 29 يناير / كانون الثاني في سياق سياسي ودبلوماسي بالغ الحساسية، سواء على مستوى العلاقات الثنائية بين تشاد وفرنسا أو على مستوى التحولات الجارية في منطقة الساحل الأفريقي. وتكتسب الزيارة أهمية مضاعفة لأنها تأتي بعد مرحلة من التوتر وإعادة التموضع في العلاقة بين نجامينا وباريس، خصوصًا عقب قرار شاد مراجعة، ثم إنهاء، اتفاقيات التعاون العسكري والدفاعي التي ظلت لعقود تشكل العمود الفقري للشراكة بين البلدين.ت

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الزيارة تندرج في إطار «زيارة عمل وصداقة»، ما يعكس رغبة متبادلة في إعادة فتح قنوات الحوار السياسي على أعلى مستوى، دون القفز على الخلافات القائمة أو تجاهل المتغيرات العميقة التي طرأت على طبيعة العلاقة. فباريس، التي تواجه تراجع نفوذها التقليدي في عدد من دول الساحل وغرب أفريقيا، تنظر إلى تشاد بوصفها شريكًا محوريًا لا يمكن الاستغناء عنه في معادلة الاستقرار الإقليمي، في حين تسعى نجامينا إلى إعادة تعريف علاقتها بفرنسا على أساس أكثر توازنًا، يراعي السيادة الوطنية ويقلل من الطابع العسكري الأحادي الذي طبع العلاقة تاريخيًا.

من المنتظر أن تتركز المباحثات بين الرئيس محمد إدريس ديبي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على إعادة ضبط الإطار العام للعلاقات الثنائية، لا سيما في الجوانب السياسية والاقتصادية، مع بحث سبل الانتقال من شراكة يغلب عليها البعد الأمني إلى تعاون أوسع يشمل التنمية والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتبادل الثقافي. كما يُتوقع أن تحضر بقوة قضايا الأمن الإقليمي، خاصة ما يتعلق بتطورات الأوضاع في الساحل وليبيا والسودان وأفريقيا الوسطى، حيث تلعب تشاد دورًا جغرافيًا وسياسيًا حساسًا في تقاطع هذه الأزمات.

تحمل الزيارة أيضًا بعدًا داخليًا بالنسبة للقيادة التشادية، إذ يسعى الرئيس ديبي إلى ترسيخ صورته رئيسا منتخبا يمتلك هامش قرار مستقل في السياسة الخارجية، وقادر على إدارة العلاقات مع القوى الكبرى من موقع الندية لا التبعية. وفي هذا الإطار، تبدو باريس محطة ضرورية لإيصال رسالة مفادها أن تشاد لا تنكفئ عن شركائها التقليديين، لكنها في الوقت نفسه تعيد صياغة شراكاتها بما يتوافق مع أولوياتها الوطنية ومتطلبات المرحلة الجديدة.

ولا يُستبعد أن تتناول المحادثات ملفات اقتصادية محددة، من بينها دعم الاستثمارات الفرنسية في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، إلى جانب بحث آليات الدعم المالي والتنموي، سواء على المستوى الثنائي أو عبر الأطر الأوروبية والدولية. كما يُرجّح أن يتم التطرق إلى أوضاع الجالية التشادية في فرنسا، والتعاون في مجالات التعليم العالي والتكوين المهني.

في المحصلة، تعكس زيارة محمد إدريس ديبي المتوقعة إلى باريس محاولة واعية لإعادة بناء العلاقة التشادية – الفرنسية على أسس جديدة، أكثر واقعية وأقل رمزية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحولات دولية تفرض على الطرفين مراجعة حساباتهما التقليدية. وهي زيارة لا يُنتظر منها بالضرورة اختراقات كبرى فورية، بقدر ما يُعوّل عليها في تثبيت مسار حوار سياسي منضبط، قد يمهّد لإعادة تعريف الشراكة بين البلدين في المدى المتوسط، ضمن توازنات إقليمية ودولية آخذة في التشكل.