تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 18 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

نحو فلسفة الضمير الأفريقي

20 مارس, 2026
الصورة
نحو فلسفة الضمير الأفريقي
Share

يشكل كتاب "فلسفة الضمير: فلسفة وأيديولوجيا تصفية الاستعمار"(1970) للفيلسوف الغاني كوامي نكروما أحد أبرز النصوص المؤسسة في الفلسفة السياسية الأفريقية المعاصرة، وقد كتب هذا العمل في سياق تاريخي تميّز بصعود حركات التحرر الوطني، وتراجع الإمبراطوريات الاستعمارية في أفريقيا خلال منتصف القرن العشرين. غير أن أهمية الكتاب لا ترجع فقط إلى سياقه السياسي، بل إلى كونه محاولة فلسفية واعية لإعادة بناء العلاقة بين الفكر والتحرر، بين النظرية الفلسفية والواقع الاجتماعي، وبين الوعي التاريخي والممارسة الثورية.

في هذا الكتاب لا تظهر الفلسفة كحقل تأملي مستقل عن التاريخ، وإنما كأداة لإعادة تنظيم الوعي الجماعي، وتوجيه المجتمع الأفريقي في لحظة "الخروج" من الاستعمار.

مهمة الفلسفة الأفريقية

ينطلق نكروما من موقف نقدي واضح تجاه الطريقة التي تدرَّس بها الفلسفة في الجامعات الغربية؛ فهو يرى أن الأنظمة الفلسفية الكبرى تُعرض هناك بوصفها تراثا فكريا مغلقا، أو ما يشبه "القطع المتحفية" التي تُرتب وتُصنّف بعناية، لكن بعد أن تُفصل عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنجبتها. بهذا المعنى تصبح الفلسفة معرفة محفوظة أكثر منها معرفة فاعلة؛ خطابا أكاديميا منزوع الحيوية أكثر منه أداة لفهم المجتمع و"السعي لتغيره" بتعبير ماركس.

يؤكد نكروما أن هذا النمط من التلقي الفلسفي يحمل خطرا خاصا بالنسبة للمجتمعات "ما بعد" الاستعمار، لأن الطالب الأفريقي قد ينخرط في دراسة الفلسفات الغربية بوصفها حقائق كونية مجردة، فيفقد قدرته على ربطها بتجربته الخاصة، بوصفه ذاتا عاشت تحت السيطرة الاستعمارية. هكذا فإن الخطر لا يكمن في تعلّم الفلسفة الغربية في حد ذاته، بل في تلقيها على نحو يطمس الواقع الاستعماري، ويُنتج اغترابا فكريا عن الشروط الفعلية للحياة؛ إن هذه الملاحظة في غاية الأهمية بالنسبة لنا دارسي الفلسفة، لأنه لا يدعو إلى بناء ذات مغلقة، كما لا ينغمس في الكونية حتى تفقد الذات ذاتها.

الفلسفة إيديولوجية

من هنا يصرّ نكروما على أن نقطة البداية الصحيحة لأي تفكير فلسفي تكمن في تقييم الظروف الاجتماعية التي يعيشها الإنسان، إن الفلسفة، شأنها شأن التاريخ، لا تنفصل عن تجربة البشر المعيشة، بل تتحدد قيمتها بقدرتها على تحليل الوقائع والأحداث وربطها بالحياة الاجتماعية، وهي لهذا السبب تنشأ دوما من وسط اجتماعي معين، وتعكس في بنيتها الداخلية صورة من صور النزاع القائم في ذلك الوسط.

كل فلسفة، في نظر نكروما، تشير بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى أيديولوجيا ما: إما أنها تخدم النظام الاجتماعي القائم، وتمنحه تبريرا نظريا، وإما أنها تعبّر عن إرادة الاعتراض عليه، وتعمل أداة لتغييره. بهذا المعنى تصبح الفلسفة جزءا من الصراع الاجتماعي، لا مجرد تعليق نظري عليه.

يجد نكروما أن تاريخ الفلسفة يكشف عن صراع أساسي بين اتجاهين كبيرين: المادية والمثالية (وهو تصور ماركسي في الأساس)؛ وهو يتعاطى مع هذا الصراع بوصفه انقساما له دلالات اجتماعية وسياسية عميقة.

لا تظهر الفلسفة كحقل تأملي مستقل عن التاريخ، وإنما كأداة لإعادة تنظيم الوعي الجماعي، وتوجيه المجتمع الأفريقي في لحظة "الخروج" من الاستعمار

إن المادية، بما هي تأكيد على الوجود المستقل للمادة ووحدة الطبيعة، تؤسس - في نظره - لنوع من المساواتية، لأن وحدة العالم المادي توحي بوحدة البشر في أصلهم الطبيعي، ومن ثم بمساواتهم الأساسية، أضف إلى ذلك أن المادية، حين تفسر الظواهر الطبيعية والاجتماعية بالرجوع إلى قوانين موضوعية، تقطع الطريق على التبريرات الغيبية أو الميتافيزيقية التي كثيرا ما استخدمت تاريخيا لتبرير الظلم أو التفاوت الاجتماعي. لهذه العلة يربط نكروما بين المادية وبين الديمقراطية والمساواة، ويرى فيها السند الفلسفي الأكثر صرامة لمقاومة التعسف الاجتماعي والسياسي.

في المقابل، يربط بين المثالية وبين البنى الاجتماعية الهرمية؛ فالفلسفات المثالية التي تردّ الواقع إلى الروح أو العقل أو المبادئ المتعالية أتاحت، في مراحل مختلفة من التاريخ، بناء تبريرات ميتافيزيقية للسيطرة الطبقية أو النخبوية. وقد وجد في بعض النماذج الفلسفية الكلاسيكية، وفي توظيف الكنيسة للفلسفة المثالية في العصور الوسطى، أمثلة على هذا الاستخدام الذي يحوّل التفاوت الاجتماعي إلى انعكاس مزعوم لنظام عقلي أو إلهي أعلى.

إن اختيار نكروما للمادية لا يندرج ضمن تفضيل ميتافيزيقي مجرد، وإنما يدخل في صميم مشروعه التحرري: فالمادية هنا خيار أيديولوجي يهدف إلى تأسيس رؤية للعالم، تنسجم مع مطلب العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستغلال.

نحو فلسفة الضمير الأفريقي

ضمن هذا الأفق يطرح نكروما مفهومه المركزي، أي "فلسفة الضمير" (Consciencism). ويقصد به الإطار الفكري الذي يمكّن المجتمع الأفريقي من فهم بنيته الثقافية المركبة، وتنظيم عناصرها ضمن رؤية موحدة.

إن الضمير الأفريقي الحديث، بحسب نكروما، ليس بنية بسيطة أو متجانسة، وإنما تشكّل من تفاعل ثلاثة روافد كبرى: أولا: التراث الأفريقي التقليدي، ثانيا: التراث الإسلامي، ثالثا: التأثير المسيحي الأوروبي الذي ارتبط تاريخيا بالمشروع الاستعماري.

لقد أدى هذا التداخل إلى تكوين وعي تاريخي مثقل بالتوتر، لأن هذه الروافد لم تدخل في علاقة تكامل متناغم، وإنما كثيرا ما تعايشت في صورة صراع أو ازدواج أو تمزق داخلي، على هذا الأساس يحذّر نكروما من خطر الفصام الثقافي الذي قد يصيب المجتمع الأفريقي، إذا لم تُهضم هذه العناصر داخل إطار فكري جامع.

إن الخطر لا يكمن في تعلّم الفلسفة الغربية في حد ذاته، بل في تلقيها على نحو يطمس الواقع الاستعماري، ويُنتج اغترابا فكريا عن الشروط الفعلية للحياة

مما لا ريب فيه، أن فلسفة الضمير بوصفها خارطة فكرية ترمي إلى صهر هذه المكونات المختلفة داخل ما يسميه نكروما "الشخصية الأفريقية"، وهي مبدأ تنظيمي يمنح الأولوية للقيم الإنسانية والمساواتية المتجذرة في التراث الأفريقي التقليدي، مع القدرة على استيعاب العناصر الإسلامية والمسيحية الأوروبية، وإعادة توجيهها بما يخدم حاجات المجتمع الأفريقي.

الغرض ليس رفض كل ما هو وافد، ولا تمجيد التراث المحلي تمجيدا ساذجا، وإنما بناء أيديولوجية قادرة على استيعاب التاريخ المركب لأفريقيا وتوجيهه نحو مشروع تحرري متماسك، لذا فإن فلسفة الضمير عنده عبارة عن مشروع لإعادة تركيب الوعي الجماعي على نحو يحول التعدد من مصدر تمزق إلى مصدر قوة.

يتأسس هذا المشروع على تصور مادي للعالم، لأن المادة، عند نكروما، واقع ديناميكي "ممتلئ بالقوى المتوترة" التي تمنحه القدرة على الحركة والتغير الذاتي.

على هذا الأساس يطوّر مفهوم التحويل الفئوي لتفسير نشأة الوعي من المادة، فالعقل والوعي، في رأيه، يمكن فهمهما بوصفهما ناتجين عن تنظيم معقد للمادة، ويتيح هذا التصور تجاوز الثنائية التقليدية بين العقل والجسم، كما يسمح في الوقت نفسه بالحفاظ على قيمة الإنسان دون الانزلاق إلى المثالية، بهذا المعنى يكون الإنسان عنده كائن مادي.

من هذا المنطلق الأنطولوجي يشتق بعده الأخلاقي؛ بما أن الطبيعة واحدة، وبما أن البشر يشتركون في أصل مادي واحد، فإنهم متساوون في القيمة الأساسية. وعليه، يكون المبدأ الأخلاقي المركزي هو معاملة الإنسان كغاية في ذاته، لا مجرد وسيلة وهو مبدأ أخلاقي كانطي.

إن هذا المبدأ، عند نكروما، لا يبقى قاعدة أخلاقية مجردة، بل يقتضي إعادة تنظيم المجتمع على نحو يمنع الاستغلال، ويجعل التنمية موجهة إلى رفاه المجموع؛ والتعبير السياسي والاجتماعي الأكثر انسجامًا مع فلسفة الضمير هو الاشتراكية. لأنها في تصوره، ليست استيرادا عقائديا من الخارج، ولكنها امتداد حديث لما يسميه "المشاعية الأفريقية"، أي ذلك الأفق الجماعي الذي ميز أشكال التنظيم الاجتماعي في المجتمعات الأفريقية التقليدية.

العمل الإيجابي في مواجهة الاستعمار الجديد

ما يميز نكروما هو ربطه الإطار النظرية، بالممارسة السياسية من خلال مفهوم "العمل الإيجابي" لأن الوعي، مهما بلغ من الوضوح، يظل ناقصا ما لم يتحول إلى قوة اجتماعية منظمة من خلال الممارسة المعملية.

إيمانا بهذه القاعدة الفكرية، يميز بين العمل الإيجابي، الذي يضم القوى الساعية إلى العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار والاستغلال، وبين العمل السلبي، الذي تمثله القوى الرجعية أو تلك التي تعمل على إطالة أمد التبعية في صورة جديدة. وأخطر صور هذا العمل السلبي هو ما يسميه "الاستعمار الجديد".

إن التاريخ الأفريقي ينبغي أن يكتب بوصفه تاريخا أفريقيا، لا ملحقا بالسرديات الأوروبية، ولا مجرد مسرح لمغامرات القوى الاستعمارية

في الاستعمار الجديد، تحصل الدولة على استقلالها الشكلي بينما تظل بنيتها الاقتصادية والسياسية خاضعة لقوى خارجية أو لوكلاء محليين مرتبطين بها؛ كما هو الحال في مجمل دولة قارتنا، في هذه الحالة. يمكن القول، إن التحرر الحقيقي يقتضي استمرار تفوق العمل الإيجابي من خلال تنظيم جماهيري واسع، وحزب قادر على التثقيف السياسي، وتحصين الوعي العام ضد الخداع الاستعماري في أشكاله الجديدة.

يتحدث نكروما عن فكرة السيادة الفكرية أو ما يمكن تسميته ب"المرجعية الذاتية"، حيث إن المجتمع المحرر لا يستطيع بناء استقلاله السياسي والاقتصادي ما لم يستعد استقلاله في إنتاج المعنى وتفسير تاريخه. لهذا يشدد نكروما على أن التاريخ الأفريقي ينبغي أن يكتب بوصفه تاريخا أفريقيا، لا ملحقا بالسرديات الأوروبية، ولا مجرد مسرح لمغامرات القوى الاستعمارية.

كما أن القرارات السياسية والثقافية يجب أن تستمد مشروعيتها من احتياجات المجتمع الأفريقي نفسه، لا من نماذج مستوردة تفرض عليه باسم مفهوم"الكونية"، فما فلسفة الضمير الأفريقي إلا مشروعا لتحرير الوعي من التبعية، ولتحويل المثقف من وسيط مبهور بالنماذج الخارجية إلى فاعل تاريخي منخرط في معركة شعبه.

تكمن قيمة هذا الكتاب، إذن، في أنه يتجاوز حدود التنظير الفلسفي التقليدي ليصبح مشروعا فكريا وسياسيا متكاملا. فهو يقدم فهما عميقا للعلاقة بين الفكر والسلطة، ويكشف أن الفلسفة يمكن أن تكون أداة للهيمنة كما يمكن أن تكون أداة للتحرر. كما أنه يوفّر إطارا مفاهيميا لفهم الاستعمار الجديد، قبل أن يتحول هذا المفهوم إلى أحد المفاهيم المركزية في دراسات "ما بعد الاستعمار".