الثلاثاء 14 يوليو 2026
تشهد الساحة السياسية في السنغال تطورًا قد يعيد رسم موازين السلطة داخل أحد أكثر الأنظمة الديمقراطية استقرارًا في غرب أفريقيا، بعد إعلان الدائرة المقربة من الرئيس باسيرو ديوماي فاي عزمه تأسيس حزب سياسي جديد يحمل مشروعه السياسي بصورة مستقلة، في خطوة تعكس اتساع الهوة بينه وبين حليفه السابق ورئيس الوزراء المقال عثمان سونكو، الذي ما زال يحتفظ بنفوذ واسع داخل البرلمان وحزب "باستيف" الحاكم.
وبحسب بيان صادر عن الائتلاف الداعم للرئيس، كلف فاي مستشارته السياسية البارزة أميناتا توري بتشكيل فريق عمل يتولى الإعداد لإنشاء الحزب الجديد، بما يشمل وضع الهيكل التنظيمي، وإعداد البرنامج السياسي، وبناء شبكة تنظيمية على المستوى الوطني استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ويعد هذا أول تحرك رسمي يؤكد أن الرئيس يسعى إلى تأسيس قاعدة سياسية منفصلة عن حزب "باستيف" الذي أوصله إلى السلطة في انتخابات عام 2024.
يأتي هذا التطور بعد أسابيع من إقالة سونكو من رئاسة الحكومة، في خطوة أنهت عمليًا التحالف الذي جمع الرجلين لأكثر من عقد. وكان سونكو، الذي مُنع من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2024 بسبب أحكام قضائية آنذاك، قد دعم ترشيح فاي باعتباره مرشحًا بديلًا للحزب تحت شعار "ديوماي هو سونكو"، وهو الشعار الذي قاد إلى فوزهما بالرئاسة ثم بالأغلبية البرلمانية. إلا أن الخلافات بين الطرفين تصاعدت تدريجيًا حول إدارة السلطة، والسياسات الاقتصادية، وحدود صلاحيات الرئاسة والحكومة، قبل أن تبلغ ذروتها بإقالة سونكو في مايو الماضي.
وزادت الأزمة السياسية تعقيدًا بعدما انتُخب سونكو رئيسًا للجمعية الوطنية، وهو المنصب الذي وفر له منصة مؤثرة لمواجهة الرئاسة من داخل البرلمان. وقاد سونكو خلال الأسابيع الماضية مشروعًا لتعديل الدستور يهدف إلى تقليص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، ومنع الرئيس من الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة أي حزب سياسي، إلى جانب توسيع سلطات البرلمان في الرقابة على السلطة التنفيذية. وقد أقر البرلمان التعديلات، إلا أن الرئيس فاي أعلن عزمه إحالتها إلى استفتاء شعبي، وهو ما عمّق الانقسام داخل معسكر الحكم.
يرى محللون أن إعلان الرئيس نيته تأسيس حزب مستقل يمثل ردًا سياسيًا مباشرًا على تلك الإصلاحات، إذ يمنحه إطارًا تنظيميًا جديدًا بعيدًا عن نفوذ سونكو داخل حزب "باستيف". كما يُنظر إلى الخطوة باعتبارها استعدادًا مبكرًا للانتخابات المحلية المقررة في عام 2027، والتي يتوقع أن تتحول إلى أول اختبار حقيقي لقياس حجم التأييد الشعبي لكل من الرئيس وحليفه السابق بعد انقسامهما.
يأتي الانقسام في وقت تواجه فيه السنغال تحديات اقتصادية معقدة، أبرزها أزمة الدين العام بعد اكتشاف بيانات مالية غير دقيقة تعود إلى الحكومة السابقة، وهو ما أدى إلى تعثر برنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي، وزيادة الضغوط على المالية العامة، وتراجع ثقة المستثمرين في الأسواق السنغالية. ويرى خبراء أن استمرار الصراع داخل السلطة قد يبطئ تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لاستعادة التمويل الدولي وتحقيق الاستقرار المالي.
يرى مراقبون أن تأسيس حزب جديد بقيادة الرئيس قد ينهي عمليًا مرحلة "القيادة الثنائية" التي طبعت المشهد السياسي السنغالي منذ انتخابات 2024، ويؤسس لمنافسة مباشرة بين فاي وسونكو على قيادة التيار الإصلاحي الذي أوصلهما إلى الحكم. كما قد يؤدي الانقسام إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية داخل البرلمان وخارجه، في وقت تستعد فيه البلاد لدورة انتخابية جديدة ستحدد مستقبل أحد أبرز نماذج الانتقال الديمقراطي في غرب أفريقيا.