الاثنين 12 يناير 2026
كيف يمكن للعقل الأفريقي أن يتحرّر من البنية المعرفية التي صنعها المستعمِر؟ وكيف يستطيع المثقف أن يعبر من موقع التابع إلى موقع الفاعل، من موقع المتلقي إلى موقع المُنتِج؟ وهل يكفي إسقاط البنية الاقتصادية للاستعمار كي يتحقق التحرر، أم أنّ المعركة الحاسمة تدور في مستوى الوعي، حيث تصنع اللغة والرواية والتاريخ صورة الذات؟ تشكّل هذه الأسئلة المدخل الحقيقي لفهم رؤية نغوجي واثيونغو في كتابه "تصفية استعمار العقل"، الذي لا يقدم أطروحة ثقافية فحسب، بقدر ما يضع مشروعاً فلسفياً للتحرر قائمًا على إعادة امتلاك الذات من خلال اللغة، وإعادة بناء التراث المقاوم، بوصفه أفقاً تاريخياً يعيد للإنسان الأفريقي قدرته على الفعل. إن هذا المشروع لا يكتفي بتشخيص المرض الاستعماري، بل يسعى إلى تفكيك آلياته، وإعادة بناء الأسس الثقافية للنهوض الأفريقي.
يرى نغوجي أن التحرر الوطني لا يتأسس على القوة العسكرية وحدها، وإنما ينبني على تراكم الضربات التي توجهها الشعوب للاستعمار وتجلياته. ويقول: إن "كل ضربة توجَّه إلى الاستعمار، مهما كانت الأصول الإثنيَّة والمحليَّة للضربة، فإنها انتصار لكل العناصر المناهضة للاستعمار في القوميّات كلها. وأن الحصيلة النهائيَّة لكل هذه الضربات، مهما كان وزنها وحجمها ونطاقها ومكانتها وزمانها، هي التي تشكِّل التراث الوطني".
يصبح المثقف جزءاً من عملية التحرر الوطني، لا ملاحظاً من بعيد، لأن المعركة الأساسية تجري في مستوى تمثيل الذات: من يملك القدرة على تعريف أفريقيا يملك القدرة على حكمها
هذا القول يكشف رؤية تتعامل مع التاريخ من زاوية الفعل الجماعي، لا من زاوية القيادة الفردية. لأن التراث الوطني عند نغوجي لا يعتبر سردية جامدة، وإنما هو حصيلة مقاومات متعددة تتداخل فيها الطبقات الشعبية والطلبة والجنود والمثقفون الوطنيون، والعناصر التقدمية من الطبقة الوسطى. إن هذا التصور يجعل من التراث المقاوم قوة مولّدة للوعي. فهو ليس مادة للاحتفال الرمزي، بل مادة للتكوين الأخلاقي والسياسي. يقترب هذا الموقف من تصور إدوارد سعيد للتراث بوصفه موقعاً للصراع، حيث يرى في "الاستشراق" أنّ "المعرفة فيه ليست خارج السلطة، بل متشابكة معها”، ما يعني أن التراث المقاوم هو أداة لاستعادة القوة المعرفية التي صادرها المستعمِر.
يمنح نغوجي للمثقف دوراً مركزياً بوصفه القادر على تفكيك البنية المعرفية للاستعمار. لأن المعرفة الاستعمارية، كما يشير إليها، ليست مادة علمية فحسب، إنها نظام لإعادة إنتاج الهيمنة. وقد كشف ميشيل فوكو في كتابه "المعرفة والسلطة" أن الخطاب هو المجال الذي تتخفى فيه السلطة، بينما بيّن فريدريك نيتشه أن إرادة القوة تتسلل إلى مفاصل المعرفة. لذلك يرى نغوجي أنّ المثقف هو من يستعيد المبادرة الفكرية عبر نقد هذا النظام الخطابي، وإعادة صياغة علاقة الشعب بذاته وتاريخه.
يمثل إدوارد سعيد نموذجاً لهذا المثقف العضوي، فهو يفكك في "الاستشراق" الخطاب الغربي مستخدماً أدوات نقدية يوفّرها الغرب نفسه. إنه يجمع بين منهج فوكو وغرامشي، ويبرهن أن المعرفة يمكن أن تتحول إلى سلاح مقاومة حين يُعاد توجيه أدواتها. وهكذا يصبح المثقف جزءاً من عملية التحرر الوطني، لا ملاحظاً من بعيد، لأن المعركة الأساسية تجري في مستوى تمثيل الذات: من يملك القدرة على تعريف أفريقيا يملك القدرة على حكمها.
يدعو نغوجي إلى إعادة إحياء “الأغنية المشتركة”: الشعب الموحد لن يُهزم. وتلك الأغنية ليست شِعاراً، إنها عملية سياسية وثقافية لإعادة بناء الأمة على أساس المشاركة والخيال الجمعي
تعتبر اللغة عند نغوجي أحد أهم ميادين الصراع مع الاستعمار. لأنها لا تعتبر أداة للتواصل، بقدر ما هي إطار تتشكل فيه الرؤية إلى العالم. لهذا يدعو إلى الكتابة بلغات الشعوب الأصلية، لأن التواصل بين المثقف والجماهير لا يمكن أن يتحقق بلغة المستعمِر.
إن الوعي لا ينمو في فراغ، بل ينمو في اللغة التي تشكل الذاكرة والوعي الجماعي. هكذا، يتقاطع نغوجي مع فرانتس فانون الذي يقول في "معذبو الأرض": "إنَّ على البرجوازيَّة الوطنيَّة الصادقة في البلد المتخلِّف ان تفرض على نفسها خيانة المهمَّة التي كانت ميسَّرة لها، وأن تدخل مدرسة الشعب، أي أن تضع تحت تصرُّف الشعب الرأسمالي الثقافي والتكنيكي الذي استطاعت أن تنتزعه حين مرورها بجامعات الاستعمار". بهذا المعنى، فالكتابة بلغة المستعمِر ليست حيادية، إنها استمرار لسيطرته الرمزية. أما استعادة اللغة الأم، فهي استعادة للخيال الجماعي الذي يخلق المعنى ويؤسس للذات. إن التحرر يبدأ حين يستعيد الشعب القدرة على تسمية العالم بلغته، لأن من يفقد لغته يفقد صورته عن ذاته.
"كل ضربة توجَّه إلى الاستعمار، مهما كانت الأصول الإثنيَّة والمحليَّة للضربة، فإنها انتصار لكل العناصر المناهضة للاستعمار في القوميّات كلها. وأن الحصيلة النهائيَّة لكل هذه الضربات، مهما كان وزنها وحجمها ونطاقها ومكانتها وزمانها، هي التي تشكِّل التراث الوطني"
ينبّه نغوجي إلى أنّ الاستعمار الجديد (النيو-كولونيالية) أخطر من الاستعمار القديم. لأن المستعمِر لا يحتاج اليوم إلى السيطرة المباشرة كي يتحكم بالمجتمع، بل يكفيه أن يصنع بنية معرفية تجعل الشعوب تفكر بلغته وتستبطن قيمه. يقول: "إن على الطبقات الكادحة أن تواجه هذا التهديد بـ“ثقافة النضال الحازم”، الثقافية التي تستمد قوتها من الذاكرة الشعبية ومن الإبداع الجماعي. هذه الفكرة تنسجم مع تصور غرامشي للهيمنة الثقافية، حيث تصبح الثقافة الموقع الأول للصراع. وبهذا، فالتحرر ليس انتقالاً من قوة إلى أخرى، بقدر ما هو انتقال من علاقة وعي مُستعمَر إلى علاقة وعي مُتحرّر. ولذلك يدعو نغوجي إلى إعادة إحياء “الأغنية المشتركة”: الشعب الموحد لن يُهزم. وتلك الأغنية ليست شِعاراً، إنها عملية سياسية وثقافية لإعادة بناء الأمة على أساس المشاركة والخيال الجمعي.
يؤكد نغوجي أن التحرر لن يتحقق من دون إنتاج معرفة وطنية. وهذا يقتضي بناء جامعات ومراكز بحث تضع مشاكل الشعوب محوراً لعملها. إنه الوعي الذي يتشكل داخل مؤسسات تنتمي إلى الشعب، لا داخل مؤسسات صممها المستعمِر. وقد عبّر فانون عن هذا المعنى حينما دعا البرجوازية الوطنية إلى "خيانة المهمة التي كانت ميسرة لها" من طرف المستعمر؛ أي التخلي عن امتيازاتها والاندماج في مدرسة الشعب. إن إنتاج المعرفة الوطنية لا يعتبر فعلاً فكرياً فقط، وإنما هو فعل سيادي. فمن يحدد سؤال البحث يحدد مستقبل الأمة. ولهذا يشدد نغوجي على أنّ التحرر الثقافي هو الأساس الصلب لأي تحرر سياسي أو اقتصادي.
في الأخير، إن رؤية نغوجي في “تصفية استعمار العقل” تقدم برنامجاً فلسفياً للتحرر يقوم على مبادئ واضحة: التحرر يبدأ من الوعي لا من الاقتصاد، واللغة شرط لتشكّل الذات الجماعية، والمثقف جزء من المقاومة لا شاهد عليها، والتراث المقاوم ذاكرة للفعل لا مادة للاحتفاء، كما أن النيوكولونيالية تُواجَه بثقافة نضالية لا بقرارات سياسية. وكذلك، فإنتاج المعرفة الوطنية يعتبر التزامٌ سيادي ومسؤولية تاريخية. ونختم بمقاله المناضل الهندي المهاتما غاندي: “أملي أن تهبّ جميع الثقافات بمحاذاة منزلي وبأكبر قدر ممكن، لكنني أرفض أن تسلخني أي منها عن جذوري”. وهكذا، فالجذور ليست حنيناً، إنها شرط للتحرر، ومن دونها يتحول العقل إلى مساحة مفتوحة لهيمنة الآخر.