تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

نغوغي وأليمايهو: كتابة الذات خارج منطق الاستعمار

8 يوليو, 2025
الصورة
نغوغي وأليمايهو: كتابة الذات خارج منطق الاستعمار
Share
يكتب نغوغي وا ثيونغو وأليمايهو غيليغاي من تخوم الانقسام، ذلك الذي خلّفته التجربة الاستعمارية في الخارج، والتناقضات الداخلية في الداخل، لصياغة ذوات أفريقية جديدة، تتشكل من منظور ما بعد الاستعمار وما بعد الإمبريالية.

ينتمي الكاتبان إلى بلدين وتاريخين متمايزين: كينيا التي أنهكها الاستعمار البريطاني، وما تلاه من خيبات الاستقلال، وإثيوبيا التي عصفت بها الانقسامات الداخلية، وغمرها نسيان إمبريالي طالما استثناها من مركز السرد الاستعماري التقليدي. ومع ذلك، فإن كليهما يلجأ إلى الأدب لا بوصفه ترفًا جماليًا، بل كوسيلة للبقاء، كأداة تمنح الذات المتشظية إمكانية الكلام. وإن كانت أصواتهما لا تتطابق، إلا أنها تنتمي إلى السرب ذاته: كلاهما يفكك منظومات اللغة والسلطة والهوية، ويقترح سبيلًا متقاطعًا لفهم المأزق الأفريقي. أحدهما ينطلق من مقاومة الهيمنة الخارجية، والآخر من مقارعة التمزق الداخلي.

تتجلى في روايات نغوغي الأولى مثل لا تبكِ، يا طفل، والنهر بينهما، وحفنة من القمح، صدمة العنف الاستعماري وخيانات ما بعد الاستقلال. في النهر بينهما، يبدأ الانقسام من الداخل: المبشرون في مواجهة التقليديين، والذاكرة في مواجهة الفرض القسري. غير أن القطيعة الحاسمة في مشروع نغوغي كانت لغوية بالأساس؛ حين تخلّى عن اللغة الإنجليزية لصالح لغة الـ"غيكويّو"، بداية من المسرحية نغااهيكا ندييندا، ثم في روايات مثل: "الشيطان على الصليب". لم يكن ذلك انكفاءً على الذات أو حنينًا نوستالجيًا، بل موقفًا سياسيًا صريحًا: فاللغة، كما يرى نغوغي، هي مسرح الوعي ومستودع الهوية، واستعادتها تعني استعادة الخيال نفسه.

اللغة، كما يرى نغوغي، هي مسرح الوعي ومستودع الهوية، واستعادتها تعني استعادة الخيال نفسه

إن إعادة تمركز لغة الغيكويو لم تكن رفضًا للإنجليزية بقدر ما كانت استعادة لسلطة السرد. كتب نغوغي: "اللغة وجهان: وسيلة تواصل، وناقلة للثقافة. أتقنْ كل اللغات، لكن أهمل لغتك، وستكون مستعبَدًا". من هنا، فإن مشروعه لا ينفصل عن محاولة تفكيك ذهنية الاستعمار عبر إحياء تعابير سعت القوى الاستعمارية لإسكاتها، وبعث أنماط تفكير أصيلة.

أما أليمايهو غيليغاي، فيكتب من موقع مغاير - لا عن ملحمة مقاومة استعمارية، ولا عن وطنية يرفرف علمها فوق جراحها. في روايته من كُره لم يُكره بعد الآن (የተጠላውእንዳልተጠላ)، يواجه أبطاله عنفًا داخليًا صامتًا: إرهاقًا أخلاقيًا، وتناقضات وجودية، وضياعًا ناعمًا في إثيوبيا ما بعد الملكية.

اللغة الأمهرية في نصوصه تؤدي دورًا مزدوجًا: فهي في آنٍ وسيلة ثقافية راسخة، وشريكة في هرم السلطة الإمبراطوري الذي هيمن على تاريخ إثيوبيا. فإذا كانت الغيكويو في نصوص نغوغي لغة مقاومة، فإن الأمهرية عند أليمايهو هي لغة المأزق. لا يستخدمها بوصفها أداة رفض، بل كإرث معقّد يسعى إلى التفاوض معه لا الانفصال عنه، في مواجهة أزمة الذات المتشظية. وكما تلاحظ الباحثة تسدي وندمو في كتابها تمثيلات أليمايهو غيليغاي (መልክዐዓለማየሁ)، فإن أعماله تبني فضاءات "هتروتوبية": واقعية ومفتّتة في آن. تتجسد المدن بوصفها شخصيات هائمة في عوالم حضرية متحوّلة، تعبرها أرواح منهكة، واقتصاديون مُقتلعون، ومهمشون عالقون في مرحلة التحوّل من إمبراطورية إقطاعية إلى جمهورية اشتراكية.

إن الانهيار في نصوصه ليس نتيجة استعمار خارجي، بل بفعل التفسخ الداخلي، وضغط التحديث، وتآكل البنى التقليدية، وتهاوي اليقينيات.

وليست إثيوبيا، في روايات غيليغاي، على وشك التفكك، بل هي مفككة بالفعل. والكاتب ينقّب في أنقاضها عن الشظايا التي قد تُشكل منطلقًا لإعادة البناء.

الذات الكاتبة لا تنشد استعادة صفاء مفقود، ولا تكتفي بالنجاة؛ بل تصنع من الفتات معنى جديدًا

من هنا، فإن التوتر الأساسي في أعماله لا يدور بين مستعمِر ومستعمَر، بل بين الذات وذاتها، بين المجتمع وذاكرته، بين التعاطف والسخرية. يكتب أليمايهو: "من نكرهه اليوم، قد نندبه غدًا. فالحياة تتكشف في المسافة الفاصلة بين الحكم والتعاطف". خرائطه الأخلاقية تبحث عن سبل النجاة حين يتمزق النسيج دون أن يندثر تمامًا.

إنه لا يسرد سقوط إثيوبيا، بل يرسم ملامح ما تبقّى منها، متسائلًا: ماذا نفعل حين لا يعود الماضي ملاذًا، ولا يكون المستقبل وعدًا؟

هذا التوتر يعيد إلى الأذهان الجدل الذي أثاره مساي كبيدي في مقاله "سعي أفريقيا لفلسفة إزالة الاستعمار"؛ إذ يرى أن تحرر القارة لا يكتمل دون استقلال فكري، لا كردّ فعل على جراح الاستعمار فحسب، بل كمواجهة ضرورية لتناقضاتها الذاتية. في هذا السياق، ينخرط نغوغي في مشروع تفكيك الخطاب الاستعماري عبر ثورته اللغوية، بينما يتوجه أليمايهو إلى الداخل، ليفكك القيم التي رسّختها الدولة القومية الحديثة، والرأسمالية المتوحشة، والانفصال الأخلاقي الذي صاحب التحوّلات الكبرى.

من نكرهه اليوم، قد نندبه غدًا. فالحياة تتكشف في المسافة الفاصلة بين الحكم والتعاطف

وإذا أعدنا تأطير المسألة ضمن جدل فلسفي مزدوج، فإن سؤال نغوغي يتمحور حول: كيف نحرر العقول المأسورة في لغة الغير؟ أما أليمايهو، فيسأل: كيف نصون الكرامة في قلب الانهيارات الناعمة التي جاءت باسم الحداثة؟ لكن ثمة طريقًا ثالثًا يتشكّل - لا يطلب عودة طُهرانية، ولا يكتفي بالتكيّف والتفاوض، بل يراهن على التأليف. الذات الكاتبة لا تنشد استعادة صفاء مفقود، ولا تكتفي بالنجاة؛ بل تصنع من الفتات معنى جديدًا. تصبح التناقضات مادة خامًا لا عيوبًا، وتُطرح الأسئلة من نوع آخر: ماذا يمكن أن نخلق بما تبقّى؟ وما الذي يمكن أن يبنيه الحطام؟

تقف هرر، المدينة المسوّرة في شرق إثيوبيا، مثالًا لهذه الذات الكاتبة. لم تسعَ إلى محاكاة العواصم الإسلامية البعيدة، بل كوّنت معمارها الخاص، المقدّس والعادي في آن: مساجد صغيرة تشبه الهمس، أسواق تنبض بالألفة، وعِلم يُنقل عبر اللغة المحلية لا عبر الأوامر. أسوارها لم تكن مجرد تحصينات، بل حدودًا شعرية: تحمي التنوع لا لتمحوه، وتؤطر المعنى دون أن تسجنه. مثل الذات الكاتبة، تُجسّد هرر معنى الصمود: لا عبر الإنكار أو النقاء، بل عبر إعادة التأطير، والتعدد والبقاء في الحركة دون فقدان الجوهر.

إزالة الاستعمار، في هذا السياق، ليست اجترارًا نوستالجيًا، بل مغامرة تخيّلية نحو المستقبل

تُسمّي الذات الكاتبة أسلافها، لكنها لا تُستعبد لهم. قد تفكّر بالإنجليزية، وتحلم بـ"عفان أورومو"، تدندن بالأمهرية وتكتب في صمت. إنها خائنة للحدود الصلبة - اللغوية، الثقافية، السياسية - لكنها مخلصة للإبداع ومعنى الحرية. إزالة الاستعمار، في هذا السياق، ليست اجترارًا نوستالجيًا، بل مغامرة تخيّلية نحو المستقبل: اختراع حساسيات جديدة لا ترسمها الإمبراطوريات ولا تُقاس بمعايير الحداثات المستوردة.

إذا كان نغوغي يمثل صوت المقاومة، وأليمايهو صوت التأمل، فإن الصوت التأليفي هو صوت التكسّر - صوت الكولاج، والارتجال، والإبداع تحت الضغط. إنه صوت لا يعلو من مركز، بل يتكاثر من الأطراف، ويتشكل من شذرات اللغة، والإيقاع، والذاكرة، والانتماء.

في أفريقيا المعاصرة - المتشظية سياسيًا، المتصلة رقميًا، المُراقَبة محليًا والمرئية عالميًا - لا تعود الذات الكاتبة ترفًا أو خيارًا، بل ضرورة وجودية. إذ يُباع التراث ويُعاد إنتاجه، وتُكتب السرديات من الشتات، وتُصفّى اللغة عبر الشاشات والرموز. يحمل الشباب التاريخ لا عبر الكتب، بل في قوائم الأغاني، والـ"ميمز"، والمفردات الهجينة، وأحيانًا في الصمت المتوارث. القصص تهاجر عبر الوسوم، وأشرطة الأغاني، والرسائل الصوتية، والحركة التي لا تهدأ.

تتحوّل الذات الكاتبة، في قلب هذا التدفق، إلى حيلة للبقاء ونبوءة في آن: ليست قطيعة نهائية، ولا امتدادًا ساذجًا، بل فضاء مفتوحًا تلتقي فيه الطفرة بالذاكرة، وهرر بنيروبي، والمنفى بوهْم الوطن. هي ردّنا - وربما وسيلتنا الوحيدة - لمواجهة المحو، وللجرأة على تخيّل مستقبل مختلف، أرحب، وأكثر اتساعًا من الجروح.

لهذا، فإن الفلسفة الأفريقية المعاصرة لا يكفيها أن تتذكّر أو تصالح؛ بل ينبغي لها أن تُنتج - لا من وهم النقاء، بل من ظلال الشك، ومن فتنة الشغف الإبداعي، حيث يبدأ التكوين.

المزيد من الكاتب